لأن مسرحياته تتناول التاريخ وكأنه يحدث اليوم: شكسبير مُعاصِرُنا

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

هذا عنوان كتاب مُهِمّ من أعمال يان كوت (1914-2001) الكاتب البولندي المولد والثقافة، الذي تقلّب في القناعات السياسية حتى انتهى به الأمر إلى أمريكا، وقد نشر عدداً من الكتب المُهمّة في النقد الأدبي والمسرح بلغةٍ انكَليزيةٍ راقيةٍ جدّاً، وهي غير لغته، مما جعل كُتُبَه مرجعاً مهمّاً في الدراسات الأدبية. ويُذَكِّرُنا هذا الكاتب البولندي البارز بكاتب بولندي آخر يعادله شهرة ًفي مجال الكتابة بالانكَليزية، وهي، كذلك، غير لغته الأصلية، وهو الروائي المتميِّز جوزيف كونراد (1857- 1924) صاحب رواية “قلب الظلام” و”لورد جِم” وعدد آخر من الروايات التي تعادل أشهر الروايات التي كتبها إنكَليز على امتداد العصور.

يدور كتاب “شكسبير مُعاصِرُنا” على استعراض مسرحيات شكسبير  التاريخية، ويُبيّن ما فيها من أحداث وتطوّرات تقوم على القتل والاغتيال، من أجل الوصول إلى السلطة، والتخلّص من المنافسين المُحتملين للوصول إلى العرش، وهو رمزالسلطة الوحيدة في القرن السادس عشر وما قبله، في بريطانيا بشكل خاص، الذي هو عصر الملكة إليزابيث الأولى (1533- 1603) والذي ازدهر فيه شكسبير مَسرَحيّاً  وشاعراً. يبدأ الكتاب باستعراض عصر الملك رتشارد الثالث (1452-1485) الذي يُبيّن المؤلف أن ما فيه من أعمال القتل والتخلّص من منافسين حقيقيين أو مُحتملين إنما يُشبه ما يحدث في أيّامنا المعاصرة. وقراءة مسرحية رتشارد الثالث، وقبلها مسرحية رتشارد الثاني توحي للمعاصرين أن شكسبير  يتحدّث عن أيامنا هذه. ويمكن القول إنها تُشبه ما كان يحدث في بلادنا العربية في السبعين سنةً الماضية ، أي من نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي عدد من البلاد العربية، على وجه الخصوص. ويرى المؤلف أن مُشاهِد المسرحيات التاريخية، أو قارئ تلك المسرحيات، يستطيع أن يَجد ما يشابهها في عصرنا الحاضر. يبدأ الاستعراض بوصف الأحداث في مسرحية رتشارد الثالث، إذ يقوم الملك إدوارد الرابع بخلع آخر ملوك سلالة لا نكاستر، هنري السادس (1421-1471) ويسجنه  في البرج حيث يغتاله أخوا إدوارد نفسه: كَلوستر وكلارنس. وقبل ذلك ببضعة أشهر كان رتشارد نفسه قد طعن إبن هنري السادس الوحيد فأرداه قتيلا. ثم تتواصل أحداث القتل والإغتيال بغض النظر عن أعمار المشكوك في ولائهم للملك، وأغلبهم من أبناء وبنات ملوك، من أقرباء الجالس على العرش. ويَسرد المؤلف أكثر من أربع عشرة ضحيّة من ضحايا الملك، رئيس السلطة في البلاد. ومن هؤلاء لوردات ومرافقون ورُسُل وكُتّاب ومواطنون وجنود. وكل ذلك يحصل في إنكَلترا في القرن الخامس عشر، وكانت الملكة اليزابيث، التي تشاهد جميع هذه المسرحيات، تبدو راضيةً عمّا كان يدور على المسرح، لأنه في نظرها ونظر المشاهدين المعاصرين إنما كان من أجل الحفاظ على التاج، ومنع الطامعين في إقلاق شرعية الحاكم.

تبدأ كل واحدة من المسرحيات التاريخية عند شكسبير بأسلوب يُسمّيه المؤلف “الآلة الكبرى” أو “الماكنة الكبرى” وتبدأ بالصراع على العرش. وكل واحدة من تلك المسرحيات تنتهي بموت الملك وتتويج ملك جديد. وفي كل واحدة من تلك المسرحيات يَجُرّ الحاكم الجديد وراءه سلسلة طويلة من الجرائم. وإذ يكون الملك قد تخلّص من الحاكم الإقطاعي السابق، يبدأ بالتخلّص من رجال العهد السابق الذين أوصلوه إلى العرش، ثم يلتفتُ إلى حُلفائه السابقين ويُعدم كلّ من يمكن أن يكون خليفةً له، أو مطالباً بالعرش. وعندما يلبس الملك الجديد تاجَه يكون قد أصبح مكروهاً مثل سَلَفِهِ. وبعد أن يكون قد قتل أعداءه يبدأ بقتل حلفائه السابقين. وقد يجد بعض المعاصرين في هذه الأيام صورةً أو أكثر شبيهةً بما حدث في هذه المسرحية التاريخية لشكسبير، على الرُّغم من التفاوت الكبير بين القرن الخامس عشر الذي صوّره شكسبير في العصر السادس عشر وبين ما جرى ويجري في بعض بلادنا العربية. عندنا تتّخذ الماكنة الكبرى أو الآلة الكبرى بدايةً بانقلابٍ عسكري تكون أول أعماله قتل الرئيس السابق للدولة، ثم الالتفات إلى أعوانه السابقين، فيسمّيهم سادة الإنقلاب بالعهد المُباد.

ويبدأ العهد الجديد بإطلاق التصريحات حول خطّةٍ لتحسين أمور الشعب، بالإشارة إلى نقاط حسّاسةٍ تتعلق بالمكاسب المادّية مثل زيادة الرواتب وتنزيل الضرائب وخلق إمكانات جديدة للوظائف والمكاسب. لكن الآلة الكبرى أو الماكنة الكبرى تعملُ عَمَلها بمعزل عن الشعب وأحلامه، وتكون صورة الماكنة في مسرحية رتشارد الثالث هي صورة قائمة من الرجال تمتدح قائمة استعراض رهيب، يرفع المرء شاهقا ليقذف به إلى الحضيض. وصورة التاريخ هذه التي يقدمها لنا شكسبير هي التي فرضت نفسها علينا، بقوةٍ في التاريخ الإقطاعي، أشبَه بسُلّمٍ فَخمٍ يصعد عليه موكبٌ مُستَمرٌّ من الملوك، وكلّ درجةٍ فيه إلى الأعلى هي مؤشِّر بالقتل والغدر والخيانة. وكلّ درجةٍ تقرّب العرش أو توطّده، كما نقرأ في “ماكبث”: تلك درجةٌ إمّا أن أقع عليها أو أقفز فوقها( مكبث1.4). وعند الوصول إلى أعلى درجةٍ في السُلّم لا يبقى سوى قفزةٍ واحدةٍ إلى الهاوية. وجميع الملوك في المسرحيات الشكسبيرية التاريخية يصعدون على الدرجات نفسها، ويقفزون من آخر درجةٍ نحو الهاوية. أليسَ هذا مارنَجِدُه في أحداثٍ مُعاصرةٍ في عَددٍ من البلاد العربية في نصف القرن الأخير! هذا بلدٌ شهِد انقلاباً عسكرياً تَبِعَتهُ انقلابات عسكريةٌ أخرى لا تختلفُ عن الأول سوى الإختلاف في بعض الأسماء. لكن الأفعال هي نفسُها: الكُلّ راغبٌ بالسلطة والمال. وإذ كانت السلطة في مسرحيات شكسبير تعني العرش، والمال يعني أكياساً من الذهب،  نجد الصورة المعاصرة رئاسة الجمهورية، وبعدها أحمال من المال تُهرَّبُ إلى بلدٍ أجنبي لتضمنَ مستقبلاً مريحاً لرجال العهد الثوري  بعد القضاء على ثورتهم على أيدي  ثوّارٍ آخرين يأتون من خارج البلاد عادةً حيث كانوا يشكّلون “المعارضة” بحماية ملوك ورؤساء آخرين. وتجد الشعب قد سيقَ إلى التهليل والتكبير بمجيء المنقذ الذي لا يدوم طويلا، إذ يأتي مُنقذٌ آخر يتخلّص من المنقذ الأول. هذه هي الماكنةُ الكُبرى. في عصرنا الحاضر في مسرحيات شكسبير التاريخية يكون الملك دائما هبةٌ من الله أو استجابةً لرغبة الشعب. لكن هذا الملك يرسل أعداءَه المُحتملين إلى البرج حيث يُقتلون على أيدي حلفاء الأمس، ولا يكون الأمر بالقتل صادراً بصورةٍ صريحةٍ من الملك الجديد. الملك لا يأمر بل يوحي بما يريد، فيفهَم الأتباعُ المطلوبَ. وإذ يكون عدوّ الملك في سجن البرج نسمع أنه فارق الحياة، ويكون الإعلان أن الموت قد جاءه قضاءً وقدَراً، أو أنه بسبب مرضٍ قديمٍ كان يعاني منه ذلك السجين. وفي عصرنا الحاضر ثمّةَ الكثير من الأمثلة على شَبيه هذه النهايات لأعداء الرئيس/ الزعيم. فقد يأمر الزعيم الجديد بحَبس الزعيم القديم ويوحي بعدم تقديم العلاج اللازم أو الأدوية لمن يشاء، إذا كان يعاني من مرض بعينه. وبعد أن يتم التخلّص من الزعيم القديم تقول البيانات الرسمية بأن السجين كان يعاني من مرض عضال قضى عليه وهو في السجن. وقد يُشيع الزعيم الجديد أن الزعيم القديم قد ثبتَ عليه تهريب أموال كثيرةٍ إلى خارج البلاد، بينما نجد الشعب يتضوّر جوعاً والشعب أحَقّ باسترجاع تلك الأموال المهرّبة. الماكنة الكبرى تعملُ عَمَلها في مسرحيات شكسبير كما جرى ويجري في بلادنا ولو اختلفت الأسماء والمواقع.

 واللحن الرئيس في الكتاب هو أن القارئ أو المشاهد المعاصر يمكن أن يرى في مسرحيّات شكسبير التاريخية، كما في مسرحيّتي “ماكبث” و”هاملت”  صوَراً من الجريمة لها ما يُشبِهُها في عالمنا المعاصر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية