بييلسا… مُعلم الفلاسفة وكشاف الأساطير “المنحوس”!

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: تصدر المدرب الأرجنتيني مارسيلو بييلسا، عناوين الصحف والمواقع الرياضية، بعد البداية المعبرة عن أفكاره وشخصيته، في أولى تجاربه في الدوري الإنكليزي الممتاز، والتي استهلها بهزيمة غير مُستحقة أمام حامل اللقب ليفربول بنتيجة 3-4، وتبعها بفوز مُثير بنفس النتيجة على منافس الأمس في “تشامبيون شب” فولهام، في مباراة جسدت المعنى الحقيقي لجنون كرة القدم، وفي نفس الوقت، تركت علامات استفهام بالجملة حول قدرة صاحب الـ65 عاماً على المواصلة بنفس الزخم وتطبيق أفكاره المُهلكة للمعدلات البدنية للإنسان الطبيعي، وقبل هذا وذاك، تفادي الأخطاء، التي جعلته صاحب أسوأ خط دفاع في البريميرليغ، باستقبال سبعة أهداف في أول جولتين، والمفارقة أنه يمتلك أقوى خط هجوم، بالتساوي مع ليستر، لكل منهما سبعة أهداف.

 

الفيلسوف الارستقراطي

على عكس جُل القصص المتعارف عليها في الأرجنتين وأمريكا الجنوبية، لم يكن بييلسا، ذاك الطفل الفقير، الذي يحلم باحتراف كرة القدم والسفر إلى أوروبا، لانتشال أسرته من تحت خط الفقر، إذ أنه من عائلة كبيرة في روزاريو، عاصمة مقاطعة سانتا، خرج منها شقيقه رافائيل، سفير الأرجنتين في تشيلي ووزير الخارجية الأسبق، ووالدته كتبت الجزء الأكبر من القانون الإداري، وكذا شقيقته ماريا إيقوينيا تعمل في الحكومة كمهندسة، ووالده كان محاميا، وهؤلاء يمثلون فرعا واحدا، لعائلة تملك ما يكفي من المال والسلطة بكل أنواعها، إلا صاحبنا، الذي نحى حياة الرغد والرخاء جانبا، ليشبع رغبته في ركل الساحرة المستديرة، وفي الأخير، اكتفى بفترة وجيزة مع فريق نيولز أولد بويز، ثم خاض تجربتين للنسيان في دوري القسم الثاني، ليتوقف عن اللعب بعمر 25 عاما، بعد فشله في تنفيذ أفكاره وحماسه الزائد في مركزه المفضل في قلب الدفاع، ليبدأ في تحقيق حلم جده، الذي ورث عنه عدداً لا بأس به من المجلدات والفيديوهات المصورة عن أصول لعبته المفضلة، وفي الوقت ذاته، كان يشغل وقته في مشروعه البسيط مع زميله، وهو “كشك” مجلات وجرائد، كان يوزعها على المنازل بنفسه، غير أنه كان يعرف أنه سيصبح مدربا، وبفضل علاقات أخيه حصل على وظيفة لتدريب فريق الرجال بجامعة بوينس آيرس، ووقتها قاده للتعادل مع الفريق الثاني لبوكا جونيورز.

 

هوس بييلسا

مع انتهاء تجربته الجامعية، قاده القدر للعودة إلى روزاريو، وتحديدا لناديه السابق نيولز، بعد تكليفه بإعادة تطوير قطاع الشباب، ومع ظهور بصمته على فرق الشباب، التي عادت آنذاك إلى منصات التتويج، عُين على رأس قطاع الناشئين، وكما تقول الكاتبة الأرجنتينية مارسيلا مورا أراغو، كانت تلك بدايته الحقيقية، حيث ظهر هوسه وولعه باكتشاف المواهب الخام، وخوفا من الطيران، كان يقطع آلاف الأميال في سيارته الفيات 167، برفقة زميله خورخي غريفا، لطرق أبواب عائلة من أحبوه، بغض النظر عن الوقت، كما فعلها مع واحد من أبرز اكتشافاته ماوريسيو بوتشيتينو، بالذهاب إلى بيته في الساعة الثانية صباحا، بتوصية من صاحب مطعم محلي، ليطلب من الأم التوقيع مع طفلها البالغ 12 عاما آنذاك، والأغرب من ذلك، أنها رحبت بالفكرة، ومشكلتها الوحيدة أن البوش كان نائما، فقال لها بييلسا “لست بحاجة للتحدث معه، أنا بحاجة فقط لرؤية ساقيه”، ليصبح في ما بعد، أحد ركائزه الأساسية في الفريق الذي توج بلقب الدوري الأرجنتيني مرتين، وفي نفس الفترة، اكتشف الأسطورة والهداف التاريخي السابق للمنتخب الأرجنتيني غابرييل عمر باتيستوتا، بينما أغرب موقف يتذكره اكتشافه ومساعده السابق ريكاردو لوناري، حين استغل تجمع اللاعبين زفاف اللاعب داريو فرانكو، ليأخذهم إلى غرفة في الفندق، لأجل مشاهدة المباراة الأخيرة لخصمهم الآخر.

 

الوجه الآخر

أما الوجه الآخر، فيكشف عنه لاعبه السابق في مارسيليا فاني، قائلا: “من الأفضل أن تقول له مرحبا في أضيق الحدود، أتذكر أنني تبادلت معه التحية مرتين طوال فترة عملنا معا، هذا يبدو صادما للناس، ويعطي انطباعا بأنه شخصية وحشية، لكنه ليس كذلك”، فيما لم ينس أسوأ ليلة في حياته، عندما ظلت طفلته بين الحياة والموت لثلاثة شهور، ثم تعرض لأسوأ هزيمة في مسيرته بنتيجة 6-0 أمام سانتا في، يقول عنها: “أطفأت الضوء وأغلقت الستائر وانفجرت في البكاء، لم أكن أفهم ما كان يحدث من حولي، وأدركت معنى نسمعه دائما، أريد الموت، لم أستطع فهم ما كان يحدث حولي، حيث عانيت كمحترف وكمشجع، وما جعلني أتمنى لو تبتلعني الأرض، معاناة طفلتي، التي أصبحت بخير الآن”. ومن غرائبه، أنه اعتذر عن إدارة لاتسيو بعد أقل من 48 ساعة على توقيع العقود، وذلك لشعوره بأن الإدارة لن توقع مع الأسماء التي حددها في مشروعه قبل أيام من غلق الميركاتو الصيفي 2016، وفي تجربته الأسطورية مع منتخب تشيلي، اكتفى بغرفة بحجم ستة أمتار وصليب معلق سقط في ما بعد في زلزال تعرض له المركز، وكان هناك تكييف وشاشة وحمام فقط، في الوقت الذي أحدث فيه طفرة على مستوى مركز التدريبات وغرفة خلع الملابس وتوفير صالة ألعاب رياضية عالمية، بعدما كانت مجهزة بمعدات بدائية، كالماء البارد والشاشات القديمة، وذلك بمساهمته في تكاليف بناء المنشآت الجديدة، ناهيك عن قصصه المثيرة في موسمه الأول في بريطانيا، على غرار تغريمه 200 ألف جنيه إسترليني، لإرساله جاسوسا للاطلاع على أفكار فرانك لامبارد قبل مواجهة دربي كاونتي، وتحمل تكاليف العقوبة بنفسه، وتبعها بلقطة العام للروح الرياضية، عندما أمر لاعبيه بالسماح للاعبي أستون فيلا بتسجيل هدف بدون اعتراض، بعد غضب أحمد المحمدي ورفاقه على هدف كيلتش، الذي سجله أثناء سقوط جوناثان كودجيا على الأرض، ليحصل على جائزة “الروح الرياضية” من الفيفا، بعد فوات الأوان، حيث انتهى اللقاء بالتعادل، الذي أجل عودة ليدز إلى البريميرليغ لموسم آخر.

 

حكيم الفلاسفة

يحظى المدرب الستيني باحترام وثقة متبادلة مع أعتى مدربي القارة العجوز في الوقت الراهن، حتى يُقال إنه يملك جيشا من التلامذة الأساطير، يأتي في مقدمتهم التلميذ النجيب بيب غوارديولا، الذي سافر إلى الأرجنتين لمقابلة بعض الفلاسفة قبل الاستقرار على قرار العمل في مجال التدريب، انتهت بجلسة الإقناع مع مُلهمه ومخرج إسباني يدعى ديفيد توريبا، بعد قضاء 11 ساعة في حفلة شواء في منزل المدرب الأرجنتيني، وهذه العلاقة الخاصة، تظهر بوضوح الطريقة التي يتحدث بها كل مدرب عن الآخر، لا سيما بيب، الذي لا يفوت الفرص، لتقديم يد العون لبييلسا، كما وافق على إرسال جاك هاريسون إلى ليدز في بداية مشواره في إنكلترا، حتى أنه قال عن هذه الصفقة عام 2018: “أعرف كيف يعمل مارسيلو، وأعرف أنه سيكون سعيدا بجاك وسيساعده على تطوير مستواه”، غير أنه يحظى بعلاقة مماثلة مع بوتشيتينو، الذي يقول عن مكتشفه: “بييلسا أبي الثاني، العلاقة بيننا بدأت وعمري 12-13 عاما، هو مدرب عظيم، أحبه جدا وهو شخص مهم في مشواري، كل كلامي عنه سيكون إيجابيا، أتمنى أن يقوم بعمل مميز مع ليدز”، حتى الهولندي العظيم يوهان كرويف أثنى على بصمته مع تشيلي في مونديال جنوب أفريقيا 2010، بجملته الشهيرة: “تشيلي لعبت أكثر كرة جاذبية في كأس العالم”، بينما يقول عنه دييغو سيميوني: “علمني أكثر من غيره”، وأيضا زين الدين زيدان، قضى معه فترة معايشة في مارسيليا، ورغم تاريخه العريض وتأثيره الفوري على الأداء الجماعي والفردي لفرقه ولاعبيه، إلا أنه لا يملك سجلا حافلا من الألقاب، بحصوله على لقب الدوري الأرجنتيني 3 مرات والميدالية الذهبية في دورة الألعاب الأولمبية أثينا 2004، كأول ميدالية ذهبية للقارة اللاتينية منذ عشرينات القرن الماضي.

 

المجد المفقود

يقول لوناري: “العمل مع بييلسا يحتاج الكثير من التفاني”، لشغفه بالتفاصيل البسيطة قبل الكبيرة، مثل تلميذه بيب غوارديولا، لا يترك أي مجال للصدفة، كما يقول لاعبه السابق في بلباو رود فاني: “يجعلنا منهكين، من الناحية العقلية، من الصعب تكرار نفس العمل كل يوم لمدة عام، صدقني هذا ليس بالأمر السهل”، لكن ما لم يكشف عنه، التدريبات البدنية الشاقة، التي يقوم بها الفريق يوميا، لرفع معدلاتهم البدنية، لتطبيق فلسفته الموثقة، والتي ترتكز في الأساس على إستراتيجية الضغط المتقدم، بمزيج من العمل المستمر والتمركز الذكي، ولفهم عقلية هذا الداهية، يمكن متابعة بعض مقاطع الفيديو الخاصة به في “يوتيوب”، ستصعق بصراخه وغضبه من اللاعبين في الحصة التدريبية، وأكثر من ستلاحظه، أن اللاعبين بالكاد يلتقطون أنفاسهم من قسوة التدريبات، فيما يلخص مقولته الشهيرة “الركض هو كل شيء”، وصدق أو لا تصدق، كان يعد لاعبيه على 120 حالة للهجوم ومثلها للدفاع، بعد توليه قيادة نيولز خلفا لخوسيه يوديسا، غير أنه كان يقضي أكثر من 14 ساعة لتحليل منافسيه عبر مقاطع الفيديو، عملا بحكمته الخالدة: “أنا طالب في عالم كرة القدم… أشاهد الفيديوهات وأقرأ وأحلل”.

بوجه عام، ترتكز فلسفته على أربعة عوامل هي “التركيز الدائم والحركة وتدوير الكرة وعزف قطعة موسيقية”، والمغزى من الأخير، مطالبة اللاعبين بأشياء إبداعية لم يفعلوها من قبل، ورغم أنه عادة ينجح في تطبيق أفكاره، إلا أنه لم يلامس المجد الكروي، بتحقيق بطولة من الوزن الثقيل، كدوري الأبطال أو دوري من الخمسة الكبار أو كأس العالم، أفضل ما فعله على الإطلاق كان مع أتلتيكو بلباو في رحلته الأوروبية، وترشحه لنهائي الدوري الأوروبي وفوزه على مانشستر يونايتد بقيادة الأسطورة سير أليكس فيرغسون، لكنه خسر النهائي أمام أتلتيكو مدريد، كما خسر نهائي كأس الملك في نفس العام 2012 أمام برشلونة، ويُعاب عليه أيضا، تفاوت أداء فرقه بين الشوط الأول والثاني، حيث تنهار لياقة اللاعبين في الدقائق الأخيرة، بعد استنزاف طاقتهم لتنفيذ طلبات بييلسا شبه المستحيلة، وهذه الإشكالية فرضت نفسها أمام ليفربول وأيضا أمام فولهام، خاصة أمام المنافس اللندني، باستقبال هدفين في الدقائق الأخيرة، ولو هناك دقائق أخرى، لانتهى اللقاء بتعادل درامي 4-4، فهل يجد حلا لهذه المعضلة في قادم المواعيد ويكون الحصان الأسود لهذا الموسم بالعناصر الجديدة أمثال رودريغو وفرناندو يورينتي وباقي الصفقات التي كبدته 88 مليون يورو، والقدامى الذين تحسنوا معه كالقائد ليام كوبر وكالفن فيليبس وماتيوز كليتش وهدية غوارديولا جاك هاريسون وغيرهم؟ هذا ما سنبدأ التعرف عليه بعد صدامه مع تلميذه وصديقه بيب غوارديولا الأسبوع المُقبل.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية