الموقف الأمريكي عكس يأس واشنطن من قدرة حكومة بغداد على الحد من نفوذ طهران عبر حلفائها، ممن يوفرون غطاء الحماية السياسية للفصائل ويبررون تصرفها كدولة داخل دولة.
بغداد-“القدس العربي”:ليس حدثا عابرا أبدا عندما تتسابق القوى السياسية الشيعية والفصائل المسلحة والحشد الشعبي، بإعلان البراءة من قصف البعثات الأجنبية ومهاجمة قوافل قوات التحالف الدولي، واستنكار عمليات اغتيال وخطف وتهديد الناشطين، بالتزامن مع تسريبات عن تهديد أمريكي غير مسبوق بعقوبات رادعة لهذه الجهات إذا استمرت بقصف السفارات في بغداد.
وجاء هذا التطور بعد أنباء من مصادر صحافية ومحللين على صلة بالأحزاب الشيعية ، بأن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اتصل هاتفيا برئيس الجمهورية العراقي ورئيس الوزراء وأبلغهما بنقل رسالة إلى القوى الشيعية، بأن الولايات المتحدة بصدد اتخاذ إجراءات عقابية بحق الحكومة العراقية قد تتضمن إغلاق السفارة لعجزها عن الالتزام بواجباتها في حماية البعثات الأجنبية ومصالح دول التحالف الدولي كما تعهد برد قاسي على الفصائل التي تهاجم المصالح الأمريكية، وذلك في الوقت الذي قام به السفيران الأمريكي والبريطاني في بغداد بزيارة وزير الخارجية ورئيس القضاء الأعلى لبحث الإجراءات المتخذة بحق مطلقي الصواريخ على السفارات.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي عراقي بحصول التهديد الأمريكي الحاسم، إلا أن ما يؤكد صحة هذه الأنباء هو ردود الأفعال السريعة الصادرة من القوى الشيعية والحشد الشعبي والفصائل، التي أصدرت ولأول مرة بيانات براءة واستنكار لإطلاق الصواريخ على السفارات وأي أعمال ضد المدنيين والناشطين من قبل فصائل مسلحة.
وكان أول المبادرين هي هيئة الحشد الشعبي في العراق، التي أعلنت عدم مسؤوليتها عن “تنفيذ عمليات مشبوهة ونشاط عسكري غير قانوني يستهدف مصالح أجنبية أو مدنية وطنية”. وقالت في بيانها، إن “الحشد بكافة تشكيلاته وقيادته ليس معنيا بأي صراعات سياسية أو أحداث داخلية تجري في البلد، وهو مؤسسة عسكرية عراقية رسمية ملتزمة بكافة الأوامر التي تصدر عن القائد العام للقوات المسلحة” محذرة من “محاولات أطراف داخلية وخارجية لزجها بذلك، وهذا خلط للأوراق وتضليل للرأي العام” حسب البيان.
كما قامت قيادة الحشد الشعبي باستبعاد قياديين متشددين موالين لإيران من صفوفها، سبق لهما ان أصدرا تصريحات متشددة ضد القوات الأمريكية، وهما حامد هادي الجزائري ووعد محمود احمد قدو.
وحامد الجزائري هو قيادي في ميليشيا سرايا الخراساني التي انشأها الحرس الثوري الإيراني عام 1995. وكان يقودها الجنرال الإيراني حميد تقوي الذي قتل في العراق أثناء المعارك ضد تنظيم “داعش”. أما وعد القدو فهو مدرج على قائمة العقوبات الأمريكية لجرائمه ضد السنة في الموصل.
وكانت أشد الانتقادات، من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي رفض تجاوزات بعض الفصائل المسلحة في العراق، مؤكدا “إن العراق لم يعد يتحمل مزيداً من العنف والحروب والصدامات والصراعات السياسية”. وأدان الصدر في تغريدة على تويتر ما يحدث من قصف واغتيالات من بعض المنتمين لـ(الحشد الشعبي) داعيا إلى “السعي بالحكمة والتروي إلى إنهاء جعل العراق ساحة لصراع الآخرين، ولنسع معاً لاستقلال العراق وسيادته وسلامه وأمنه، وإلا ضاع العراق من بين أيدينا”. ودعا من وصفهم بـ”المجاهدين” إلى “النأي بالنفس عن السياسة المبتذلة حفاظاً على سمعتهم وتاريخهم، وأن ما تقوم به بعض الفصائل المنتمية إلى الحشد الشعبي فيه إضعاف للعراق وشعبه ودولته وتقوية للقوى الخارجية، وعلى رأسها أمريكا” حسب قوله.
وإضافة إلى ذلك، غرد صالح محمد العراقي، المقرب من الصدر في تدوينة، إنه “بعد أن تبرأت جميع الفصائل من (الميليشيات) الوقحة وغير المنضبطة… مشكورين، فعليهم بكشفهم ومحاسبتهم فوراً وبالتعاون مع الأجهزة الأمنية” وشدد، ان “الشعب لا زال منتظراً لذلك.. وإلا ضاع العراق بين أفكاك الفاسدين والمارقين” حسب قوله.
أما تحالف الفتح الذي يقوده هادي العامري، ويضم معظم الفصائل المسلحة الشيعية، فإن بيانه دعا “القضاء والأجهزة الأمنية إلى الوقوف بحزم وقوة وإنهاء مسلسل الخطف والاغتيالات وإثارة الرعب بين الناس والذي تقف خلفه أياد آثمة تريد إثارة الفوضى وخلط الأوراق”. وأعلن البيان “رفض وإدانة أي عمل يستهدف البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الرسمية وان هذه الأعمال إضعاف للدولة وضرب هيبتها”. وكان التحالف يلزم الصمت سابقا إزاء قصف السفارات واغتيال الناشطين بل ان بعض قياداته كانت تدافع عن القائمين بها باعتباره من أعمال “المقاومة”.
وفيما ثمن ائتلاف النصر، الذي يقوده حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق، إعلان الحشد الشعبي التزامه بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، داعيا لتضامن فعّال يحفظ المصالح العليا، فإن رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، شدد على “أن قصف البعثات الدبلوماسية انتهاك للقوانين والأعراف الدولية” مؤكدا امكانية الولايات المتحدة الرد بقوة في حال استمرار الهجمات الصاروخية مستقبلا، فيما اعتبر “إغلاق السفارة تطورا خطيرا جدا ويضر بمصلحة العراق”.
ويذكر ان وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، ديفيد هيل، اتهم الحشد الشعبي المدعوم من إيران بأنه يقف عائقا أمام استقرار العراق. وأشار خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، إلى الإصلاحات التي يقوم بها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وانه بدأ باستعادة سيادة الدولة العراقية، مع الجهود المبذولة لمحاربة الفساد وضبط السلاح المنفلت بأيدي الميليشيات. وأضاف “أن الشعب العراقي لديه طموحات بالحكم الديمقراطي، لكن الميليشيات تنفذ عمليات اغتيال وعنف طائفي وسرقة لموارد الدولة”.
والحقيقة ان الموقف الأمريكي المتشدد هذه المرة، كان متوقعا، وقد عكس انزعاج واشنطن ويأسها من قدرة حكومة بغداد على لجم تغول الفصائل الموالية لإيران، وصعوبة الحد من نفوذ طهران في العراق بسبب حلفاءها الموجودين في الحكومة والبرلمان، ممن يوفرون غطاء الحماية السياسية للفصائل ويبررون تصرفها كدولة داخل الدولة، ولذا جاء التهديد الأمريكي حاسما لا مجال فيه للمجاملات الدبلوماسية. وبالنسبة للعراقيين، فليس المهم ان تصدر بيانات القوى الشيعية وفصائلها بالبراءة من قصف السفارات والمعسكرات العراقية وقتل الناشطين، بل المطلوب هو مدى الالتزام بالتصريحات.