إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المُنجز، يُكرس إنهاء المراحل الانتقالية ويُمهد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، طبقا لأحكامه، حتى تكون مقبولة من الجميع.
هناك خطوة واحدة يتفق عليها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وغريمه الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، هي ضرورة إجراء استفتاء على دستور جديد، تمهيدا لانتخابات عامة رئاسية وبرلمانية في كافة أنحاء ليبيا. وبالرغم من التشققات التي بدأت تبرز في جدار المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، فإن السراج متفق أيضا على هذه النقطة مع رئيس مجلس الدولة خالد المشري. وذهب المشري إلى أبعد من ذلك، إذ طلب من الأمين العام للأمم المتحدة “المساعدة” على إجراء استفتاء على الدستور “طبقا للآليات الديمقراطية المتعارف عليها دوليا” مشيرا إلى أهمية تمثيل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في أي حوار تتم فيه مناقشة العملية الدستورية. ويعتقد الليبيون أن إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المُنجز، يُكرس إنهاء المراحل الانتقالية ويُمهد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، طبقا لأحكامه، حتى تكون مقبولة من جميع الليبيين.
كما طلب السراج، بدوره، من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي دعم بلده لإجراء الانتخابات، مؤكدا في خطابه أمام الجمعية العامة، أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية “أمر ضروري لإنهاء أزمة الشرعيات القائمة في البلد”. ورأى أن معالجة كافة الصعوبات والمشاكل القائمة، تكمن في وضع سياسات شاملة ومستدامة، صادرة عن حكومة وحدة وطنية منتخبة، واستطرادا، الإسراع في الاتفاق على قاعدة دستورية وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.
موقع محوري
من هنا يبدو أن المسألة الدستورية تتبوأ موقعا محوريا في ما يمكن أن نعتبره خريطة طريق للحل السياسي في ليبيا، فالجميع تقريبا، متفقون على ضرورة إجراء انتخابات عامة، لم يُحدد ميقاتها، وهم يعتبرون حسم المسألة الدستورية مقدمة لازمة لها.
وعلى خلاف ما يظنه البعض من أن التاريخ الليبي الحديث يشبه الصحراء الصفصف، معتقدين أن ليبيا لم تُراكم تجارب دستورية ذات بال، قبل أن يأتي حكم معمر القذافي ويُعلق العمل بالدستور، على مدى أربعة عقود بأكملها. ففي واقع الأمر، تُعتبر ليبيا من البلدان العربية القليلة التي عرفت الدساتير، منذ أكثر من قرن، إذ تم سنُ دستور الجمهورية الطرابلسية، وهي أول جمهورية في العالم العربي، في العام 1920. كما ظهر في فترة متقاربة القانون الأساسي بمنطقة برقة (شرق) وأتى كلاهما تلبية لأحد مطالب الحركة الوطنية.
وتُعتبر ليبيا أحد البلدان العربية القليلة التي كان يسوسها دستور، سواء دستور برقة سنة 1949 أو دستور ليبيا الموحدة سنة 1952 الذي وضعته جمعية تأسيسية بتوافق بين مكونات البلد الاجتماعية والسياسية. غير أن هذه الدينامية تعطلت مع مجيء العسكر إلى الحكم، إذ بادروا إلى إلغاء دستور 1952 وأصدروا إعلانا دستوريا في كانون الأول/ديسمبر 1969 سرعان ما ألغوه لإرساء نظام استبدادي.
صراع السياسيين
على هذه الخلفية التاريخية تصارع السياسيون والنخب الأكاديمية والنواب والقيادات القبلية، بعد انتفاضة 2011 على تشكيل “لجنة الدستور” وضبط صلاحياتها واختيار أعضائها. لكنهم لم يسلكوا مسلك جيرانهم التونسيين، الذين انتخبوا جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، في غضون سنة واحدة، ثم ندموا لأن “التأسيسية” تمددت على مسافة ثلاث سنوات، وأصبحت مجلسا تشريعيا تمزقه الخلافات الحزبية والايديولوجية.
وفي هذا المضمار يُلفت المؤرخ الدكتور عبد المجيد الجمل الانتباه إلى خاصية انفردت بها ليبيا، وتتمثل في الدور المركزي للأمم المتحدة في نيل استقلالها وسن دستورها، وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم. فقد عُرضت المسألة الليبية على الدورة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثلاثين من ايلول/سبتمبر 1949 بحضور ثلاثة وفود ليبية. ويُشير الدكتور الجمل إلى اعتماد الجمعية العامة نص قرار الأمم المتحدة، القاضي بأن تصبح ليبيا، المؤلفة من ثلاثة أقاليم (برقة وطرابلس وفزان) مستقلة قبل الأول من كانون الثاني/يناير 1952. وكان هذا القرار من القرارات الاستثنائية في تاريخ العلاقات الدولية، والأول للمنظمة الفتية في مقاومة الاستعمار، إلى حدود تلك الفترة. والبُعد الثاني المهم في هذا القرار هو تدخل الأمم المتحدة في تحديد المستقبل السياسي لليبيا. وكان هذا أيضا قرارا استثنائيا في تاريخ العلاقات الدولية.
من أدريان بلت إلى غسان سلامة
ما أشبه الليلة بالبارحة، فمما نص عليه القرار تعيين الأمم المتحدة، مندوبا يساعد الليبيين على انجاز دستورهم، وتكوين جمعيتهم الوطنية وحكومتهم، واختيار مجلس يساعدهم على ذلك. وفي هذا السياق عينت الجمعية العامة في 1 كانون الأول/ديسمبر 1949 مساعد السكرتير العام للأمم المتحدة الهولندي أدريان بلت مندوبا للأمم المتحدة في ليبيا، لمساعدة الليبيين على تجاوز المرحلة الانتقالية من خلال انجاز دستور وتكوين حكومة. هكذا ارتبط المسار الدستوري الليبي بتداخل عوامل داخلية وخارجية، وكان للعلاقات الدولية وللأمم المتحدة دور مهم في هذا المسار، سواء لتكريس الاستقلال أو لسن دستور 1952.
بعد سقوط نظام القذافي، انقسمت النخب الليبية إلى شقين بالأساس، الأول يدعو إلى العودة إلى دستور 1952 من دون العودة إلى النظام الملكي، مع إلغاء كل ما ترتب عن انقلاب 1 أيلول/سبتمبر 1969. أما الثاني فيدعو إلى كتابة دستور جديد، وقد وجد صدى لدى قسم كبير من الليبيين، خصوصا في طرابلس، كما لقي تأييدا من الأمم المتحدة.
دستور مؤقت
في انتظار إعداد مشروع دستور جديد، أصدر المجلس الوطني الانتقالي (برلمان انتقالي) في 3 آب/أغسطس 2011 إعلانا دستوريا اشتمل على أربعة أبواب و 37 مادة. ونص، مثلما يقول الدكتور الجمل، على أن العمل به يستمرُ حتى انتخاب مجلس تأسيسي و”التصديق على دستور دائم في استفتاء شعبي”. واعتُبر هذا الإعلان الدستوري تجسيدا لثورة السابع عشر من شباط/فبراير 2011 وخضع لسبعة تعديلات دستورية من 2011 إلى أواخر 2014. ومما نص عليه التعديل السابع ما يلي: “بمجرد انتهاء الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور يطرح للاستفتاء عليه، ويتم ذلك خلال ثلاثين يوما من تاريخ اعتماده”. وإذا ما وافق الشعب الليبي على المشروع، بغالبية ثلثي المقترعين، تصادق عليه الهيئة التأسيسية، باعتباره دستور البلاد الدائم، ويحال على مجلس النواب لإصداره.
على أن هذا المسار الدستوري معطل حاليا، بسبب انقسام البلد إلى شرق وغرب متصارعين، على الرغم من أن لجنة الدستور، أو “لجنة الستين” مثلما يُسميها الليبيون، أنهت أعمالها وأعدت المسودة. وما زاد الأمر تعقيدا، أن البرلمان المعترف به دوليا، ما زال رافضا للخريطة الدستورية بشكلها الحالي، التي أعدها المجلس الوطني الانتقالي.
أما القانون الانتخابي فعين المؤتمر الوطني العام، منذ شباط/فبراير 2013 لجنة برلمانية ثلاثية، تمثل أقاليم طرابلس وبرقة وفزان، لإعداد مشروع قانون انتخابي، غير أن اندلاع الحرب الأهلية في العام التالي، بين قوات الجنرال حفتر والقوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا، شلت هذا المسار أيضا. مع ذلك أفرزت الانتخابات نتائج 47 مقعدًا من مقاعد اللجنة الستين، واستطاع الأعضاء عقد اجتماعات عدة لاستكمال المهمة التي أنيطت بهم.
مجلس رئاسي مصغر
تبقى المسألة التي ستحظى بالأولوية في المدى المنظور، وهي تشكيل المجلس الرئاسي المصغر، المؤلف من رئيس ونائبين، وتسمية رئيس للحكومة كي يحل محل السراج، الذي يبدو أنه مازال محتفظا ببعض الأوراق، استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. والظاهر أنه أقام مشروعه السياسي على قطع الطريق أمام عودة العسكر إلى الحكم، ممثلين بخليفة حفتر، والوعد بإقامة دولة المؤسسات. ويربط السراج بين الوقف الدائم لإطلاق النار في ليبيا، من جهة، ونزع السلاح من منطقتي سرت والجفرة، وخروج المرتزقة من الأراضي الليبية، من جهة ثانية. ويمكن القول إنه سجل نقطة مهمة على غريمه الجديد، في المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، عندما أعلن النواب رفضهم لـ”أي اتفاق أحادي الجانب، ومن خارج الشرعية” مجددين معارضتهم لأية مخرجات قد تعيد الجنرال حفتر إلى واجهة المشهد السياسي، في إشارة إلى الاتفاق المعلن بين القيادة العامة ونائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق.
والثابت أن معاودة فتح الحقول والموانئ النفطية، وتشكيل لجنة مشتركة للإشراف على توزيع الايرادات، لم يكن قرار معيتيق ولا قرار الجنرال حفتر، وإنما كان قرارا أمريكيا في الدرجة الأولى. ودلت التصريحات القوية لوزير الخارجية بومبيو، في أعقاب سقوط مروحية روسية أخيرا في شرق ليبيا، على أن واشنطن مُصرة على احتواء التمدد الروسي في هذا البلد، وتشديد الخناق على عناصر شركة “فاغنر” الروسية في المنطقة الشرقية، بوصفها رأس حربة التمدد الروسي في ليبيا. وأتت حادثة سقوط المروحية بعد أربعة شهور من سقوط طائرتين روسيتين في شرق ليبيا، أرسلتا لتعزيز قوات حفتر. وشرح بومبيو أن القوات الأمريكية “أصابت شبكة مرتبطة بالعميل الروسي يفغيني بريغوزين (صاحب شركة فاغنر الأمنية) لأنها تعمل على تعزيز النفوذ الخبيث لروسيا في جمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وخارجها” من دون إعطاء بيانات أوفى.
اجتماع عقيم في باريس
من ناحية أخرى تعكف البعثة الأممية في ليبيا حاليا، على الإعداد لعقد منتدى الحوار السياسي الليبي في الأسابيع المقبلة، كما تستمر الاتصالات الدولية لترتيب جولة جديدة من المفاوضات، بين أطراف الأزمة الليبية في جنيف، برعاية الأمم المتحدة، في إطار منتدى الحوار السياسي الليبي، فيما تسعى فرنسا إلى تنظيم اجتماع جديد لدول جوار ليبيا “من أجل المساعدة في حل الأزمة التي يشهدها البلد” على ما قال مسؤولون فرنسيون. لكن باريس فقدت الكثير من صدقيتها بعد انحيازها الشديد لأحد الطرفين المتصارعين في ليبيا، ومده بالأسلحة ودعمه سياسيا ودبلوماسيا. وقد سعى الرئيس الفرنسي للجمع بين السراج وحفتر في مناسبتين سابقتين، بالعاصمة باريس، لكن لم يبق أثر للاجتماعين، بسبب تخبط الدبلوماسية الفرنسية، وتوخيها سياسة دولة عظمى بينما هي لا تملك مقوماتها. والخطير في الأمر أن الإمارات وفرنسا ومصر وروسيا لم تتوقف عن إرسال السلاح والعتاد لقوات حفتر، فيما تركيا مواظبة على تموين الفريق المقابل بالأسلحة والخبراء. وفي هكذا مناخ لا يمكن ضمان استمرار وقف القتال وإنهاء التوتر، بل تبقى مخاطر الانزلاق إلى المواجهة قائمة في كل لحظة.