القاهرة-“القدس العربي”: من حق السلطة القائمة ان تتنفس بطمأنينة ولو لوقت غير معلوم، بعد أن مر يوم الخامس والعشرين من ايلول/سبتمبر بهدوء باستثناء جيوب صغيرة في بعض قرى الصعيد والدلتا والقاهرة والجيزة ودمياط استعاد خلالها بعض المواطنين وجلهم من الصبية أجواء ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير فيما بقت العاصمة والإسكندرية والمدن الكبرى تنعم بهدوء بالغ حيث تواجدت عناصر الشرطة بكثافة طيلة ذلك اليوم الذي جسد تحديا للأجهزة الأمنية بعد أن راهنت قوى معارضة ان يكون علامة فارقة في تاريخ العمل الثوري. وبينما كانت جماعة الإخوان المسلمين تراقب ما يجري منذ الصباح الباكر عبر قنواتها التلفزيونية التي تبث من تركيا وعينها على المقاول الهارب لإسبانيا محمد علي أملاً في أن تحرك فيديوهاته مشاعر الجماهير فضلاً عن قواعدها في قرى مصر في انتظار ان تحدث المعجزة وتعود الحياة لجسد ثورة25 يناير من جديد، كانت الدولة بأجهزتها الأمنية تعد للأمر عدته. فكافة الميادين والشوارع الرئيسية مغلقة كما أن المقاهي وسط العاصمة التي مثلت نقاط ارتكاز بالنسبة لثوار يناير عام2011 لم تفتح أبوابها، وقد استبقت القوى الحالمة بالتغيير من خصوم السلطة الراهنة يوم 20 ايلول/سبتمبر الجاري بأحلام تعانق السماء على أمل ان تكون المناسبة علامة فارقة في استعادة الحدث الثوري شبه المتعثر الولادة منذ ثورة 30 حزيران/يونيو وراهن هؤلاء على أن ظروفا على الأرض تمثل فرصاً استثنائية للثورة، أبرزها حالة السخط الواسع التي انتابت الكثيرين بعد ان شمرت الدولة عن ساعديها لمواجهة مافيا التعدي على الأراضي والبناء على الزراعية فضلاً عن المملوكة للدولة بطول البلاد وعرضها. كان الحدث استثنائياً بالفعل كما أن الأجهزة الأمنية وضعت في حسابها كل تلك المتغيرات وإن كانت تقديراتها للأمور تحمل كثيرا من الثقة بأن لا شيء يدعو للقلق. حيث أشارت كافة التقارير بأن ذكرى جمعة الغضب ستمر بهدوء وقد صدقت التوقعات على الأقل بالنسبة للقاهرة والإسكندرية وكبريات المدن في الصعيد والدلتا والقناة. غير ان اللافت تراجع الاحساس بالخوف في أوساط الطبقات الشعبية وهو ما كشفت عنه المجموعات الصغيرة التي خرجت من بيوتها في قرى المنيا والأقصر والمنوفية والتي مثلت مفاجأة غير مسبوقة إذا ما صدقت الفيديوهات التي بثتها فضائيات على شقاق مع السلطة.
“من يزرع البؤس لا يجني الأمن” ربما باتت السلطة تدرك هذه الحقيقة وهي ترصد سخطاً عاماً يعتري المدن كافة كنتيجة تخطيطها تحصيل غرامات تأمل ان تجني منها عشرات المليارات من الجنيهات من مخالفي قوانين البناء. ومما لاخلاف عليه ان أبرز متغير في اللحظة الراهنة بات دالاً على ان “الخوف” بات أعمى لا يفرق بين محكوم ومسؤول. ذات الخوف بدأ يتسلل نحو الدولة التي ظلت تراهن على أن سياسة الردع وحدها بوسعها ألا تعيد البلاد ليناير من جديد. غير أن ثقة الحكومة باتت محل شك من قبل الأجهزة العميقة التي دعت للحذر من رد فعل الجماهير لقرارات إزالة المباني المخالفة، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي لاصدار قرار بمنع هدم أي منزل مخالف مأهول بالسكان. في هذه اللحظة بات اليقين ينتاب قوى المعارضة بأن حالة الخوف بدأت تتغير. فهناك شبه إجماع ان الخوف بات يعرف طريقه لمفاصل السلطة. وحسب رأي كثير من المراقبين يتقاسم الشعب مع النظام نفس المقدار من الخوف وهو ما يترجم حالة الذعر التي انتابت كافة الأذرع الإعلامية التابعة للسلطة والتي شنت هجوماً حاداً لا يزال متواصلاً ضد كل من يشتبه فيه معارضة النظام. ومن أبرز تجليات المشهد ما بشرت به آلة الإعلام المملوكة للدولة أو تلك التي تنعت بالمستقلة أن مصر ما بعد 25 ايلول/سبتمبر الجاري لن تختلف عن قبل ذلك التاريخ إلا بمزيد من الحزم وتفعيل وسائل أكثر ردعا من قبل السطة. لكن هل سيهدأ الذين يشعرون بعدم الثقة تجاه الحكومة وما تنوي القيام به لفرض القانون بالنسبة للعقارات المخالفة؟
أبرز تجليات المشهد المطل برأسه من جديد يتمثل في جيل جديد من الثوار تسلم الراية بالفعل من الجيل الذي قامت على أكتافه ثورة يناير. ومن اللافت ان الجيل الجديد كشفت عنه بيانات أمنية لما شهدته البلاد في العشرين من الشهر الجاري بالقبض على عشرات الأشخاص كثير منهم من الأطفال على خلفية المظاهرات التي شهدتها بعض قرى حلوان والبدرشين والأقصر وأسوان. هذا الجيل خرج فجأة من رحم اليأس. ففي طرفة عين انتابه خوف الآباء والأمهات من فقد بيوتهم بعد وظائفهم التي طردوا منها على خلفية تداعيات كورونا بعد إغلاق العديد من الشركات وتوقف العديد من القطاعات أبرزها المقاولات والسياحة، ثم جاءت اللحظة التي أعلنت فيها الدولة بدء حرب ضد مخالفي قوانين البناء، وشاهد الصغار العديد من المنازل في الصعيد والدلتا وهي تزال بسبب عدم توافقها مع قوانين تشييد العقارات. عندها خرج بعضهم في عدد من القرى في العشرين من الشهر الجاري غير عابئين بالعواقب والخطر. ان الحراك الجماهيري المباغت، يعيد التأكيد على أن الجماهير أكثر وعياً من النخبة المختبئة خلف مواقع التواصل الاجتماعي بحسب ما يرى كثير من المحللين، اولئك الذين يشيرون بأن أزمة مصر لم تكن بسبب الأغلبية، وإنما في نخبتها التي لا تجيد سوى التنظير والأدلجة. ولقد جسد انور الهواري رئيس تحرير “المصري اليوم” الأسبق خطورة ما تمر به البلاد في الوقت الراهن بقوله “اوجز محنة اللحظة الراهنة التي كشف عنها الأيام الماضية بأن مصادر الدخل قفلت وأبواب الرزق تضيق والأسعار ترتفع والالتزامات تزداد، وبكرة غامض وبعده مجهول وكلاهما مخيف”.
يتفق المعارضون للسلطة مع أنصارها على أن ما تمر به مهنة الصحافة منذ سنوات ما بعد ثورة يناير من وصاية لا مثيل له على مدار تاريخ مصر الحديث. لأجل ذلك أنفض معظم القراء عن الصحف التي بات أهلها يتبادلون حالة الذعر التي صدروها لزبائنهم خلال الأعوام الأخيرة بتعليمات. ولم ينتظر حملة الأقلام طويلاً ليدركوا ان من “يغرس الخوف يحصد الرعب” فالكساد الذي يحل بسوق الصحف جاء نتيجة غلبة صوت واحد وغياب تام لكل الكتاب المعارضين. ومن بين الذين حذروا بشدة من ردة قوية للعنف العديد من الكتاب سواء المعارضين أو الذين يقفون على الحياد مع السلطة. ولعل مجريات الأحداث الأخيرة التي تبغي من خلالها جماعة الإخوان استعادة الحراك الثوري يمثل جرس انذار للسلطة التي ساوت بين سائر معارضيها في المعاملة.
تداعيات
من التدعيات الخطيرة التي نجمت عن مواجهة المخالفين لقوانين البناء خروج عدد من المظاهرات في قرى الصعيد، وفي القاهرة اندلعت مظاهرة في قرية الكداية بمحافظة الجيزة، وذلك رغم الاستنفار الأمني. وأظهرت مقاطع مصورة إقدام المتظاهرين على تحطيم إحدى سيارات الشرطة، واجتمعت قيادات محلية مع بعض أهالي القرية الكداية بمحافظة الجيزة، التي انطلقت منها مظاهرات 20 سبتمبر/أيلول الجاري من أجل اقناع المواطنين بعدم تعكير صفو الأمن ودعوتهم للتحلي بالهدوء وعدم التظاهر. واجتمعت قيادات محلية في منزل النائب في البرلمان عن محافظة الجيزة قاسم فرج أبو زيد بحضور النائب علاء عابد الذي أكد إن الكداية ليست الوحيدة التي يعاني سكانها بسبب الأوضاع الحالية. ويوقن الكثير من عقلاء الوطن ورموز نخبته بأن المثل الدارج “من يزرع الريح يحصد العاصفة” بدأ يؤتي ثماره على الأرض من بوادر معارضة آخذة في النمو.
وبينما كانت الميادين والشوارع في المحافظات كافة في قبضة الأمن قبيل جمعة الغضب، كانت رحا معركة أخرى أشد اشتعالا مصدرها فضائيات وصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. وحرصت “الوطن” و”المصري اليوم” و”الوفد” و”الشروق” وسائر الصحف القومية ان تكون طرفاً في المواجهة بعد ان كشف الإخوان عن دعمهم التام للمظاهرات وللمقاول الهارب محمد علي. وقامت صحيفة “الوطن” بتذكير المواطنين بأهم تحذيرات السيسي قائلة: رسائل عديدة قوية وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسي، لأهل الشر الذين يتربصون بكل كبيرة وصغيرة بمصر، وتحدث عنهم الرئيس في أكثر من مناسبة، مؤكدًا توعده لأهل الشر والفوضى وأنه لن يترك الدولة لهم. واستعرضت الصحيفة أبرز “5” تصريحات للرئيس السيسي ومنها: اللي هيقرب من مصر هشيله من على وش الأرض، وهي الرسالة التي كررها الرئيس في أكثر من مناسبة. وثاني التصريحات: أهل الشر يشككون في كل مسؤول عن أي ملف، لزرع الشك في نفوس المصريين، كفوا ألسنة الكذب والتشكيك عن مصر، كل إجراء نقوم به لتحقيق مصلحة الدولة المصرية وشعبها ستجدون من يشكك فيه رغم أن هدفنا تحقيق مصلحة وطنية صافية وليس الضغط على المواطنين. وكذلك: لا مش هتقدروا تهدوا، ربنا ما يرضاش بكده، الله خلق الإنسان لعمارة الأرض وليس للتخريب والهدم، بصوا يا مصريين على الدنيا حولنا، هل هناك دين يقام بالعنف؟
واتهمت صحيفة “الموجز” القنوات الإخوانية التي تبث برامجها من تركيا ببث فيديوهات مفبركة وصورا لمظاهرات في قطاع غزة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وتصويرها على انها مظاهرات حاشدة في مصر ضد الحكومة والدولة. وأشارت إلى أن الفيديوهات افتقدت للحرفية وظهرت فيها الفبركة بوضوح في وقت رفض فيه الشارع المصري الانسياق وراء دعاوى الفوضى. أما صحيفة “المشهد” فهنأت المواطنين في صدر صفحتها الرئيسية تحت عنوان “هزيمة جماعة الإخوان في الشارع وتشييعها لمثواها الأخير الجمعة”.
قنابل دخان
لم تتوقف معركة “جمعة الغضب” عند حدود الاحتياطات الأمنية فقط بل اهتمت “الدولة العميقة” قبل أيام من الحدث بجذب المواطن بعيداً عن ساحات المواجهة، وفي هذا السياق انشغلت معظم الفضائيات والصحف بعدد من القضايا الجماهيرية الخاصة بالفنانين وعدد من الحوادث.