تعيش مصر وضعين الشعب المصري المغلوب على أمره واقع بينهما. معارضة في الخارج تحرض عبر القنوات الفضائية ومنصات التواصل على الثورة والانتفاضة ضد الحكم الإنقلابي لعبد الفتاح السيسي، وإعلام للنظام يتشفى بالمعارضة ويتسابق نجومه في شيطنة أي جهة “معادية” أو ناقدة للسيسي الذي يصور عندها بصورة مبالغ فيها تضعه أحيانا إلى جانب القديسين والأنبياء الصالحين.
ويبدو أن السيسي وبعد سبعة أعوام في الحكم قد أتقن لعبة التهديد والوعيد بشكل ضيع مكانة مصر السياسية والثقافية والحضارية. والمحزن أن الشعب المصري الذي لم يفتأ النظام يفرض عليه الرسوم سواء كانت تذاكر القطار المرتفعة ورفع الدعم، أصبح محلا لسخرية الرئيس الذي يلقي عليه تعليماته وهو يدير ظهره للمسؤولين ويلقنهم دروسا في الاقتصاد بالمأكل والمشرب. والسيسي حساس للنقد ومعاند لشعبه، فلو اتهم بهدم المساجد لفتح الطرق رد بعصبية، ولو اتهم ببناء القصور لعائلته ومحاسيبه، رد معاندا بانه سيبني ويبني الكثير منها.
وداعا فلسطين
وفي بلد يسيطر فيه الجيش والأمن على مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتوزع فيه النصوص والأدوار على الإعلام لكي يغذي الشعب بدعاية النظام، تختفي القضايا القومية التي تمس مصر وكيانها، ويقف النظام فيها ضد مصلحة الشعب، سواء في مسألة القضايا المصيرية التي ظلت مصر حارسة لها باعتبارها الأم الحاضنة للألم العربي والقضية الفلسطينية. فلأول مرة ترفض الجامعة العربية ومقرها القاهرة إصدار قرار يشجب سياسات التطبيع التي قامت بها الإمارات والبحرين مع إسرائيل. وهو ما قرأه المعلقون الغربيون بأنه علامة على تراجع القضية الفلسطينية في أولويات الدول العربية ومبررا لمزيد من التطبيع مع إسرائيل.
هبة النيل
ولا يقف الحد عند فلسطين، بل في القضية التي تعتبر محورية لبقاء مصر كحضارة وهي النيل والصراع مع إثيوبيا، فلم يتخذ السيسي الإجراءات الكافية لحل الأزمة مع إثيوبيا في قضية سد النهضة العظيم. والملاحظ أن مصر الكبيرة لجأت لممارسة دور الضحية في نزاعها مع إثيوبيا، وهو أمر لافت في دولة تفاخر بأن جيشها هو أقوى الجيوش العربية وشعبها الأكبر وحضارتها الأعمق في تاريخ المنطقة. وكما لاحظ تقرير في مجلة “فورين بوليسي”(22/9/2020) وجاء فيه أن مصر تبنت لغة حاولت من خلالها نيل التعاطف العالمي. ولكن إثيوبيا مضت في خططها لملء خزان السد الذي يعد من أكبر السدود العالمية. تعرف مصر أن النيل هو هبة الله لها كما قال قديما المؤرخ اليوناني هيرودتس، وتعرف أنها ستعطش وتموت الغيطان ويهلك الحرث والنسل ولكنها اننظرت حتى أنهى السد. وظلت تعلل بالحقوق التي رسمتها بريطانيا لها باعتبارها بلد المصب وظلت تحصل على الحصة الأكبر من النيل. وكان سلاح مصر في حربها هو إلهاب المشاعر القومية. والقومية المصرية هي سلاح السيسي منذ وصوله إلى الحكم ومشاريعه العملاقة التي لم تخفف من فقر المصريين ومعاناتهم. وللقومية حدودها، فالمبالغة في استخدامها يجعل التنازل صعبا على الحاكم. وهذا الكلام لا يصدق فقط على مصر ولكن على إثيوبيا التي تعاني هي الأخرى من تفككات إثنية ونزاعات أهلية ولكن الجميع فيها متفق على أهمية السد واستثمر فيه، وأصبح الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي في إثيوبيا والشتات يتحدثون عن أحقيتهم القومية بالسد دونما أخذ بالاعتبار دول المصب، السودان ومصر. وبالمقابل رد الناشطون المصريون بحملات تدعو الجيش المصري لضرب السد وإثيوبيا معا. وقامت مجموعة أطلقت على نفسها “حورس” باختراق مواقع للحكومة الإثيوبية على الإنترنت. ولن تنهي الحروب الإلكترونية مسألة السد ولا بد من تنازل الطرفين ووسيط محايد يحل المشاكل العالقة، فالسد الذي بدأ العمل عليه بعد سقوط حسني مبارك مباشرة أصبح حقيقة ولن تلغيه مصر أو أي دولة أخرى وما عليها هو الاتفاق على طريق ملء الخزان والحصول على ضمانات بعدم تأثر سريان النهر في زمن الجفاف والقضايا الأخرى العالقة. ويجب على الاتحاد الأفريقي التدخل وحل الأزمة وتحويل حوض النيل إلى ساحة للتعاون بدلا من التنافس بدون تنازلات. وفي قلب الموقف على الأقل من دول الحوض الأخرى هي حصة مصر التي تحصل على نسبة 85 في المئة من مياه النيل والتي تجري عبر أراضيها وتصل إلى مصبه في مصر. ووجهة نظر إثيوبيا أنها لا تحصل على حصة كافية من المياه رغم ما تقدمه من مصادر للنيل. وبعد فشل الوساطة الأمريكية وتعليق واشنطن مساعداتها لإثيوبيا التي اتهمت إدارة دونالد ترامب بالتحيز مع مصر، لا بد من تدخل للاتحاد الأفريقي الذي يفهم علاقات دوله الأعضاء واهمية مصادر القارة الطبيعية كما اقترح تقرير في “فورين بوليسي” (24/9/2020).
مشكلة الجنرال
والسد ليس التهديد الذي يواجه مصر، فعلى حدودها الغربية تندلع حرب أهلية منذ عام 2014 في الجارة ليبيا. وتحول هذا البلد منذ سقوط نظام معمر القذافي إلى ساحة للفوضى والميليشيات والجماعات العابرة للحدود مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية اللذان باتا يهددان ليس دول شمال أفريقيا بل ودول الساحل والصحراء. وفي هذه غلبت مصر السيسي المصالح الأيديولوجية على المصالح القومية. وتعاملت مع الملف الليبي من خلال كراهيتها للإسلام السياسي وهو نفس الموقف الذي تبنته الإمارات العربية المتحدة وقامتا بدعم أمير الحرب خليفة حفتر الذي فشل في حملة استمرت أكثر من عام ضد حكومة الوفاق الوطني. وبعد تدخل تركي إلى جانب هذه الحكومة خرج المقاتلون التابعون لحفتر من كل غرب ليبيا وانتقلت خطوط الصدع إلى سرت والهلال النفطي. وعندها هدد السيسي بإرسال الجيش المصري لو دخلت قوات حكومة الوفاق سرت وقاعدة الجفرة القريبة. ولكن هناك على الأقل تغيرا بالموقف المصري من حفتر الذي عقدت هزيمته الأوضاع. وكان قرار الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عن رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح إشارة عن لعبه دورا أوسع في المفاوضات على التسوية في ليبيا. واستقبلت مصر في بداية هذا الشهر وفدا من حكومة غرب ليبيا وهو الأول منذ توقيع رئيس الوزراء فائز السراج على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، منافسة مصر. وهناك إشارات كما يقول تقرير في موقع “المونيتور” (21/9/2020) على تهميش الجنرال حفتر. وكما قالت الخبيرة بشؤون ليبيا بمجموعة الأزمات الدولية كلوديا كازيني فإن حفتر لا يدعم دورا قياديا لصالح وبالضرورة لا يدعم الجهود الدبلوماسية المصرية أو المغربية ولا أي حل دبلوماسي يقود إلى عزله. ومع ذلك فمحاولات مصر عزل حفتر وتلميع صورة صالح أدت لخلافات بينه والحكومة المصرية. واستبعدت المحللة خروج حفتر من المعادلة، ذلك أن أحدا لا يخطط الآن لاستبعاده، على الأقل كقائد عسكري. إلا أن هزيمته لم تؤهله للعب دور قيادي، خاصة في الخطط الروسية والإماراتية.
توتر مع تركيا
وينبني على النزاع في ليبيا العلاقة المتوترة مع تركيا، حيث اتخذت القاهرة دورا معاديا لها ووقفت مع اليونان في الخلاف على الحقوق التي تتمسك بها أنقرة في مياه شرق المتوسط. ووقعت معاهدة مع اليونان لترسيم الحدود البحرية. وفي مقالة تحدث فيها ديفيد إغناطيوس من صحيفة “واشنطن بوست” (23/9/2020) عن بوادر حل دبلوماسي بين البلدين والعودة للمفاوضات نتيجة لضغوط أمريكية وألمانية. وأشار فيه إلى الموقف الأمريكي الداعم لليونان وقبرص وبدا من عدم شمل بومبيو أنقرة في زياراته للمنطقة. وعبر الرئيس رجب طيب اردوغان عن حزنه لتوقيع وزير خارجية مصر سامح شكري ونظيره اليوناني نيكوس دندياس في 6 آب/أغسطس اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، خاصة أن الاتفاقية التي وقعتها أنقرة مع طرابلس لم تحرم مصر من حقوقها البحرية. ولا يستبعد المراقبون امكانية محادثات تركية-مصرية خاصة إن حدث تطور في الموقف المصري على الساحة الليبية التي باتت تلعب فيها تركيا دورا مهما.
خريطة جديدة
وفي الخريطة الجديدة التي تحاول إدارة دونالد ترامب فرضها للشرق الأوسط وتقوم على بناء محور دول سلام عربية مع إسرائيل لكي يواجه إيران وتركيا، أصبحت مصر جزءا من التحالف الإسرائيلي-الإماراتي. وفي مقال لروبرت كابلان في “ناشونال انترست” (24/9/2020) تحدث فيه عن تراجع محور الرفض الذي لم يعد يضم سوى قطر والفلسطينيين والعناصر الشيعية في لبنان ويعتمد على إيران وتركيا، التي قال إن رئيسها يحاول توسيع تأثير بلاده. وأكد أن التحالف الإسرائيلي-الإماراتي لديه منافذ على أهم المفاصل البحرية في العالم وهي البحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي. أما مصر فتنئن تحت مشاكل الديكتاتورية والمصاعب الاقتصادية وتداعيات كورونا.
احتجاجات
وهذا يقود إلى التظاهرات التي شهدتها مدن مصرية في الأيام الأخيرة أو ما أطلق عليها جمعة الغضب. وهذه الاحتجاجات دعا إليها المقاول محمد علي من منفاه في إسبانيا وحثت عليها المعارضة. وكانت المشاركة محدودة في أحياء القاهرة والأرياف. واستقبلت التظاهرات بقمع من قوات الأمن التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين واعتقلت عددا من الذين تجرأوا على التظاهر. وخروج المتظاهرين في ظل حالة الخوف وغياب الحرية ومعرفتهم أنهم سيعتقلون يعتبر شجاعة. ولا يعني أن المصريين الذين خرجوا للتظاهر استجابوا كلهم لدعوات المعارضة ولكن للاحتجاج على الظروف الصعبة التي يعيشون فيها. وجاءت الدعوات الأخيرة للتظاهر والتي رفع البعض فيها شعارات “ارحل يا سيسي” ومزقوا صوره في المنيا. وذكر معلقون تمزيق صورة السيسي وحرقها بتمزيق صورة حسني مبارك في تظاهرات المحلة الكبرى عام 2008. وتظل التحركات محدودة في ظل غياب حرية التعبير والقمع وعشرات الآلاف من المعتقلين وملاحقة حتى المعارضين في الخارج كما حدث للمعارض محمد سلطان الذي تجرأ على تقديم دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي في أمريكا، فردت سلطات الأمن باعتقال خمسة من أقاربه. وينسحب الأمر على نجوم اليوتيوب وغيرهم من الناشطين على منصات التواصل.
تنمية فاشلة
والاحتجاجات بالضرورة على تضييع مقدرات البلاد في تجارب تنمية فاشلة، استخدم فيها النظام بدعم من مؤسسة الجيش مقدرات البلد المحدودة لتنفيذ مشاريع غير مجدية مثل توسيع قناة السويس وبناء عاصمة إدارية جديدة وقائمة من المشاريع التي لا يفتأ المعلقون الموالون للنظام يمجدونها لدرجة أن السيسي لا يعمل إلا من أجل افتتاح مشاريع جديدة. وفي مقال نشره موقع “فورين بوليسي نيوز” (16/9/2020) قال فيه إن وباء كورونا أفقد الدول الداعمة للنظام القدرة على مساعدته، وهما السعودية والإمارات. ومن هنا لم يكن أمام السيسي خيار آخر لدعم نظامه سوى فرض ضرائب غير محتملة على المصريين. ونظرا لغياب الشفافية التي تعلم تجارب الناجحة في العالم الثاني فقد خاف المستثمرون من وضع أموالهم في بلد يأتي ترتيبه 125 من 128 حسب مؤشر سيادة القانون وفق مشروع العدالة العالمي. وحسب تقدير المؤشر لعام 2020 فإن مصر عانت من أكبر تراجع نسبي لمؤشر سيادة القانون، وهذا أمر مخيف ومنفر لأي مستثمر محتمل. وفوق كل هذا حصل نظام السيسي على مساعدات سخية من حكومتي السعودية والإمارات اللتان تعتبران الديمقراطية أكبر عدو لهما. وتعتبر السعودية قيادية في القمع وقتل وتقطيع الصحافيين. أما الإمارات فهي واحدة من أسوأ البلدان في حقوق الإنسان على مستوى العالم طبقا للتقارير الأممية. وأنفقت الدولتان معا أكثر من 50 مليار دولار لقمع الربيع العربي ومنع قيام دول ديمقراطية في الشرق الأوسط، وذهبت معظم تلك الأموال إلى جيوب الحكام الديكتاتوريين والجنرالات الفاسدين. وصارت الديون عربة مشاريع ترضي الغرور كالعاصمة الإدارية للنخبة فقط وبكلفة 90 مليار دولار. وأمر السيسي الجيش ببناء مدينة على أحدث تكنولوجيا وفيها نهر صناعي يكلف 35 مليار جنيه مصري. وطلب منهم بناء أحدث قطارات السكك الحديدية الكهربائية بتكلفة 51 مليار جنيه مصري وقصرا رئاسيا جديدا أكبر من البيت الأبيض بعشر مرات تقريبا. ووعد بأن يكون فيها أطول برج في أفريقيا وأكبر مسجد وأكبر كنيسة. مما زاد من مديونية البلد، ففي تموز/يوليو 2013 وقت الانقلاب واستيلاء الجنرال السيسي على السلطة كانت مديونية مصر 43 مليار دولار ومع تموز/يوليو 2020 وصلت المديونية إلى أكثر من 124 مليار دولار. وخلال نفس الفترة ارتفعت المديونية الداخلية من 90 مليار دولار إلى 278 مليار دولار. وكل هذا يذكرنا ببذخ الخديوي إسماعيل الذي رهن مصر للبنوك الأجنبية فيما كان رعاياه يتضورون جوعا.