توماس هوبز ومفهوم الحق الطبيعي

من أسباب الصدأ التي تعوق التطور الحضاري، انعدام ما يمكن أن ننعته بالتربية الحقوقية في معظم الدول التي خرجت من عباءة الاستعمار، فتاريخياً سعت النخب إلى توفير مناخ منعدم من الوعي بقداسة القانون، بوصفه أحد أهم عوامل الارتقاء الحضاري، وهي وصفة لا يمكن أن ننكر وجودها في الدول المتقدمة، التي أدركت أن القانون يعدّ محور الاستقرار لأي كيان بغض النظر عن تمظهره، فعند رحيل الاستعمار نتج فراغ معرفي، أسهم في إنتاج نموذج قانوني (صوري) يستجيب لتمكين النموذج السلطوي، الذي خلّف الاستعمار، حيث تناست هذه النخب تمكين الوعي الحقوقي، أو القانون بوصفه ممارسة وخطاباً، من خلال تغييب الوعي على مستوى القاع أو العامة بحقوقها، أو قدرتهم على التعامل مع تعقيدات المطالبة القانونية.
إن وجود قوة مطلقة في السلطة، يستجيب لتنظيرات الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1679 ـ 1855) بغية إيجاد مجتمع مستقر وآمن، يدفع نحو تحقيق بناء مجتمع صناعي مزدهر؛ ومن هنا فقد أدرك قيمة السلطة للمحافظة على السلم، مع بيان أهمية عدم تحول المجتمع إلى مكوّن مختطف من قبل زمرة المنحلين، الذين يسعون للسرقة والانتقام حسب تعبيره، غير أن هوبز كان على وعي عميق بجدلية هذا الوجود، وألا يقتصر على تحوّل السلطة إلى الممارسة من جهة واحدة، حيث تمتلك نخب السلطة القدرة على تفسير القانون، والعمل به تبعاً لمصالحها الخاصة، أو توجهاتها لصون كيانها، فتمكين هذا الوعي ينبغي أن يتأسس على تمكين الفرد، والمجتمع المدني في صوغ هذا التوليفة من الخطاب والممارسة، وألا تكون الصورة مجرد استهلاك ظاهري. ولعل هذا يتأسس على إطلاق طاقات الفعل، عبر اللجوء إلى المزيد من أدوار الشفافية والمحاسبة، انطلاقاً من تفعيل هذا المكون في الدوائر التربوية، وأن تتحول المؤسسات المجتمعية إلى نماذج واقعية من حيث الاحتكام للقانون، الذي يتعطّل في بعض بلدان العالم النامي عند مواجهته مع السلطة التي ينبغي للكل أن يخشاها، فأي تحولات تطال هذه القداسة يمكن أن تؤدي إلى إحداث اختلال للمنظومة السلمية، وانهيارها، غير أن هذه المنظومة لا تحيل إلى المجتمع والدولة، بمقدار ما تحيل إلى نموذج السلطة الضيقة، الحريصة كل الحرص على تمكين المصالح الضيقة بحدوده… فنحن في حالة صراع مستمر.
إن مفهوم الحق الطبيعي الذي أنتجه توماس هوبز يتعلق بأن كل فرد يسعى لامتلاك غاياته، سواء المادية أو المعنوية؛ ما يستوجب نوعاً من الفوضى، لعل هذا المنطلق يبدو مصدر نقد لأفكار هوبز، غير أن الإدراك لمقتضيات تمكين نموذج قانوني للفعل يعني أن يكون الأثر على الكل، بحيث تتحقق القوة المتعالية لا من السلطة، إنما في مجال القانون، بوصفه مصدراً للاستقرار، وقيم الاحتكام، ومع ذلك فإن آلية تحقيق ذلك تشوبها إشكاليات بنيوية كون المجتمعات النامية لم تمتلك بعد القدر الكافي من الوعي، لتكون فاعلة في نضالها، وهذا ربما يتأتى من غياب النموذج التربوي القيمي الفاعل، الذي يتوارى عن أي مساع لتمكينه لدى الأجيال على المستويين التراكمي والنوعي. وكما يذكر هوبز فإن معظم الشعوب المتحضرة، مرّت بهذا الطور من الحالة الطبيعية، حيث يحترم الأقوياء بعضهم بعضا؛ لأنهم على المستوى عينه من السيادة، فيذهب إلى أن يسوق لنا مثال أمريكا، التي كانت تعيش في طور البدائية في ذلك الزمن، أو بعيد اكتشافها.

إن مبادئ العدالة تعني أن نعي أن تطور أي منظومة يتأتى حين تنتج أفعال مساءلة تطال المستويات كافة، من حيث قيم توزيع المسؤوليات والخبرات على المستحقين الحقيقيين لها، وليس نتاج عملية محاصصة بغض النظر عن مظاهرها أو غايتها.

إن ما يعنيا في هذا الجدل أن ننطلق من مفهوم السيادة بوصفها حالة شمولية، تشمل الكثير بمن في ذلك من يقبع في السلطة بالتوازي مع المحكوم، حيث إن كل فرد يتخذ موقعه السيادي، من أدوات تميل إلى التوازن، انطلاقاً من مبدأ تمكين السلطات، فضلاً عن مبادئ الديمقراطية، ومع ذلك، فإن هذا الوجود – إن وجد في بعض الدول – فإنه يبدو غير فاعل، أو أنه يعاني من اختلالات كونه لا يستجيب لمبادئ واضحة، ولاسيما مع تغييب الوعي المعرفي، فنتاج العمليات التثقيفية لا تحدث أثراً، كما أن اختلال خطط التنمية، وانشغال الإنسان في تحصيل قوت يومه، جعلته بمعزل عن هذا الوعي، ومن هنا، فإن عجلة الارتقاء الحضاري تراوح مكانها، في حين لا يتحقق التقدم الحقيقي، إنما تبقى منظومة الاستغلال والفساد في طور الانتفاخ على حساب التشكيلات الحضارية، مع شبه غياب للبحث والمساءلة القانونية.

إن مبدأ هوبز في تمكين السيادة للسلطة، أو المؤسسة عبر تنازل الأفراد عن جزء من سيادتهم، بالتجاور مع قبول هذه الرعاية، ليس أمراً منفلتاً من أي ضوابط، إنما هو خاضع بالكلية لمبادئ واضحة تحول دون أن تتحول هذه التنازلات إلى مصدر للاستحواذ والحكم المطلق، فحين تعجز المؤسسة عن توفير الحماية والرعاية للأفراد، فإنها ستكون فاقدة لتلك السلطة، وهذا يطال الكثير من المنظومات التي تعجز عن توفير متطلبات الحياة لشعوبها، وربما تتحول هذه الشعوب إلى وسيلة للإبقاء على وجود نخبة تتمتع بالرفاهية والرخاء.
إن مبادئ العدالة تعني أن نعي أن تطور أي منظومة يتأتى حين تنتج أفعال مساءلة تطال المستويات كافة، من حيث قيم توزيع المسؤوليات والخبرات على المستحقين الحقيقيين لها، وليس نتاج عملية محاصصة بغض النظر عن مظاهرها أو غايتها، فلا جرم إذن أن يؤكد «هوبز» أحد منظري السلطة والنظام على حق الرعية بالعصيان، في حالة فشلت مؤسسة السلطة عن أداء دورها؛ ولهذا فإننا نجد الكثير من الدول المتقدمة التي تبدو فيها نماذج من هذا التمظهر في حالة شفافية واضحة، حيث تضطر شعوبها للإعلان عن تذمرها وعصيانها عند حصول أي اختلال كون (تلك الشعوب) تعي قانونياً أن هذا المسلك يكفله القانون.
وختاماً فإن هذا لن يتأتى بلا وعي معرفي عميق يمكن تحصيله من خلال تدخل تربوي بنيوي – قد توافق الجميع على أهميته- ولا سيما في الديمقراطيات العريقة.

٭ كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية