ليـبـيا… قلبي على وطني

حجم الخط
0

أبريني خليفة أبريني أحمدقلبي على وطني… مساحة مجزأة للحسرة على الوطن سبقنا إليها الكاتب المبدع السيد قذاف الدم و نحن نحاول اقتفاء الأثر بقراءة مختلفة و متواضعة نتحسس من خلالها مكامن الداء و مواضع الألم في جسد ليبيا التي ظلمت من أبنائها كثيراً، فالذين نجحوا في جلب الاستقلال في الـ (51) قبلوا بالتبعية والاستعمار المباشر متمثلا في القواعد الخمس الكبرى، و الإبقاء على الاستيطان الايطالي في المناطق الخصبة على امتداد الساحل الليبي، و الذي لم يكن الليبيون و قيمهم الاجتماعية و الدينية في نظره إلا مثارا للسخرية و محطا للسخرة، أم الذين أزاحوا النظام الملكي ورفضوا التبعية للغرب عبثوا بالملك حد الجنون، فبقدر ما أنجزوا مارسوا استخفافهم بالحريات و الضرورات الأساسية للنهوض الحقيقي في عصر العلم و التكنولوجيا ففي حين كان العالم النووي عبد القدير خان يصرخ للشعوب المستضعفة في لقائه الصحفي المقتضب ساعة خروجه من إقامته الجبرية ‘التعليم… التعليم… التعليم ‘ كان القذافي يستشيط غضباً من ظاهرة انتقاد الشارع الليبي و تذمره من التدهور المزمن لأوضاع النظامين التعليمي و الصحي في البلاد ليأتي رد الرجل أن الحل الجذري لهذه المشكلة هو الخصخصة التامة في بلد يكاد لا يعترف بشرعية القطاع الخاص أصلاً و لأسباب أيديولوجية بحتة، أما الذين خرجوا اليوم طلباً للحريات و الرفاه فقد وقعوا فيما هو أسوأ حين سلموا أمرهم و مصير بلادهم للأجنبي و دخلوا في حرب الأخ على أخيه حيث يلتبس البغي و النجاة و الخاسر دائماُ هي ليبيا. قلبي على وطني… الذي قاسى عبر السنين مرارة التطاول والاستكبار على الأرض و الإنسان من زمن بيزنطة و كل الغزاة الذين قذفتهم إلينا أعالي البحار مروراً بالعثمانيين و الذين – وكما اشرنا مراراً – بسطوا نفوذهم عليه و لمئات السنيين كدولة خلافة ليتحولوا فيما بعد إلى مجرد استعمار تركي استساغ البقاء فيه في سعة و رخاء من تجارة الرقيق و جباية الضرائب و الشعب المستكين و لكي يضمنوا استمرار ذلك الوضع المريح عمدوا إلى التجهيل و لم يبقوا على غير الزوايا و الكتاتيب والتي لا مجال للحرب عليها لمكانتها الروحية و ارتباطها بالقرآن الكريم، نشطت في عهودهم الحروب القبلية و ساعدتهم قلة عدد السكان على الاستفادة من الجغرافية في تعميق الفرقة الجهوية الممنهجة خاصة بين برقة و طرابلس.

و من ذات البحر ظهرت علينا سفن إيطاليا في نزهتها الخائبة تطلب الأرض و من عليها و لم تكن تدري أنها ستدفع كل ذلك الثمن، وعندما وهن (الفاشيست) و غلب المحور، عبر إلينا (مونتغمري ) و حلفاؤه من صحراء العلمين ليبدأ خبث بريطانيا في التخطيط للاستحواذ على برقة و الانفصال بها بذات المكر الذي خلقت به مآسي كشمير، و فلسطين، و ايرلندا الشمالية، وجزر المالفيناس، و جنوب السودان، و جبل طارق… الخ.

قلبي على وطني… الذي نكل فيه بأبنائه و المغتربين من ذوي البشرة السمراء بدعوى أنهم ( مرتزقة ) وهم من صلب هذا الوطن و ترابه الغالي أو هم على الأكثر عمالة وافدة من الجوار الأفريقي و على باب الله الكريم، متناسين أن المرتزقة شريحة واسعة تشمل كل أجنبي تمت الاستعانة به من قبل أي طرف أو تورط في الصراع الدائر في ليبيا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهنا لابد للمعارضة الليبية المسلحة و قياداتها بالخارج أن تجيب المواطن المسكين و بأمانة عن ماذا يفعل القطريون و الاماراتيون و الوحدات الأردنية و كل الشركات الأمنية المستأجرة و(برنارند ليفي) في ليبيا؟ و هل ضاقت بنا الأرض لنضع ايدينا بيد صهيوني حاقد على الإسلام و المسلمين، ذلك المحامي الذي تبنى الدفاع عن (سلمان رشدي) المتطاول على الرسول محمد (ص)؟ و كيف لنا التوفيق بين اختيار تاريخ ( 17 فبراير ) اليوم الذي خرج فيه شباب بنغازي احتجاجاً على الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول (ص) و بين (برنارد ليفي) المشهور بكرهه لمحمد (ص) ؟ و هل يجوز لنا أن نستثني التعاون مع هذا العنصري الحاقد من المعايرة الدينية كما استثنينا الاستعانة بـ(النيتو) وقتال المسلم و سبي عرضه و ماله و حرمة دمه و دياره؟ و أين هذا (الإنساني البريء!) من شريحة (المرتزقة) ؛ الشرارة التي أشعلت الحريق الليبي الكبير؟ قلبي على وطني… من قوائم الخوف والاستئصال و المبدأ النازي ( من ليس معي فهو ضدي ) و التشكيك في كل معارض أو منتقد شريف فيما يسمى بقوائم (العار) ضد 17 فبراير؟ و هل يريد منا معدو تلك القوائم أن لا نرى إلا ما يرون و لا نقول إلا ما يقولون على رأي فرعون و من سار على دربه من الثوار و الحكام و المعارضين العرب بالصبغتين (العلمانية) و(الدينية) و على السواء لتتأكد ليبيتنا و وطنيتنا وسلامة أصولنا و توقنا للحرية و انتماؤنا لجنس البشر و لديانة الإسلام؟ إن ذلك لا يعدو أن يكون تكرارا لأساليب التخويف و القمع الرهيبة التي مورست على المواطن العربي من طرف حكوماته بأنواعها؛ ما أخرجها من أذهان الجماهير و ادخلها خندق العداء لها و العزلة عنها جهلاً و طغياناً. قلبي على وطني… من ريادة القاعدة و العرب الأفغان و فرق الموت العنصرية لانتفاضة شعبية تطالب باحترام كرامة الإنسان و إزاحة الستار عن فوضى المظالم و استخفاف العسكر بكل ما هو (مدني) ، انتفاضة يفترض أنها ستفضي لقبول الآخر و لحياة برلمانية حرة تحتكم للاقتراع السري و مبدأ الفصل بين السلطات وحرية الصحافة في عملية سياسية جامعة كان من الممكن أن ينضم إليها كل أولو الألباب لو لم تأتي ملوثة بدماء و أعراض وأموال بريئة تحت عباءات أصــــدقاء إسرائيل وتحت أجنحة (الأباتشي) و بمباركة (برنارد ليفي) ، ففي حين نرى المعارضة السورية بأطيافـــها المختلفــــة تعـــلن رفضها لكل أشكال التدخل الأجنبــــي كي لا تتحـــول ســـوريا إلى ليبيا أخرى نرى الليبيين يلقون بأنفسهم (و بـدوافع غير وطنية) في أحضان الخليج و الأطلسي و يقبلون بسعادة غامرة الرايات الأطلسية كيداً و إغاضة للاستبداد الوطني ومن خرج لنصرته. قلبي على وطني… و لا أحد يجيب هل ستقبل دول شمال الأطلسي أن تستبدل دكتاتورية أولئك العسكر بدكتاتورية دينية (طالبانية ) تفوح منها رائحة (الانتقامية) و(الجهوية) و(القبلية) و ربما (الإثنية) قبالة الشواطئ الجنوبية للاتحاد الأوربي؟ وإذا كان خروجنا لأجل الحرية و التنمية و ظهورنا مسنودة لشمال الأطلسي؛ فهل تسمح متطلبات الأمن الإسرائيلي للأوربيين والأمريكيين بدعم قيام ديمقراطية حقيقية في الشرق الأوسط تؤدي بالضرورة لولادة سنغافورة شمال افريقية جديدة تطفوا على بحيرات من النفط و الغاز و المياه العذبة؛ تدعم حق الشعب الفلسطيني و العالم الإسلامي في القدس وكل فلسطين؟ أم أن الأمر برمته لا يعدو أن يكون انتفاضة تحالف البرجوازية الليبية القديمة و رأسمالية المال العام (المبيَض) وتحت سقف التبعية بحثاُ عن مزايا طبقية (إقطاعية) دفينة على حساب الطبقات المسحوقة في الدواخل والأحياء الشعبية في طرابلس و بنغازي؟ قلبي على الوطني… و الطريق إلى تلك المزايا الطبقية كما الطريق إلى صحراء النفط و المياه العذبة عبده الأطلسي بدماء وجماجم الأبرياء في عرادة و زليتين و ماجر و سبها وصرمان ومزدة و البريقة و سرت و بني وليد بمباركة المعارضين (الأشاوس) الذين يزودونه بالإحداثيات و يكبرون… الله أكبر… الله أكبر يا (نيتو) و لا إله إلا الله! لقد قصفت صواريخ الحلف الأطلسي الإماراتي القطري حيثما شاءت في البلاد و نزعت ما تبقى من محبة في القلوب الليبية و لم يبق لنا إلا أن نشهد نهاية ليبيا الواحدة المستقلة في غياب أي ضمانة أن لا يتحول الخروج المسلح فيها إلى لعب على الحبال بوحدتها الوطنية؛ لتصبح صحرائنا صحارى و جبلنا جبال و لن يكون للفرقة حينها حدود، فهل من الأجدى لنا جميعا أن نسأل – بعد هذا – عن الثأر لمن رحلوا أم عن متى يستيقظ الرجال على رأي درويش؛ لنحقن الدماء و نمنع الرحيل إلا بقضاء الله؟’ كاتب ليبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية