إبراهيم حسو في كتابة الشاعرة الأردنية مريم شريف مقترحات جديدة لقصيدة النثر التوليدية، حرية شاسعة للتفاصيل الوجدانية، وحركة نشطة لضغط الصور وفرزها على شكل ألبومات مصغّرة لشؤون تعبيرية لا تفتقر إلى مفك لغوي أو مقود مجازي. صورها فصيحة وصارخة بعض الأحيان، هي تغرف من مخيلتها ما يمكن تسميته المبتغى الوجداني، هكذا تقبض مريم على تفاصيل حياتها ما تشابه مساحة لغتها، وربما تجربتها المتنوعة على قصيدة النثر (أباريق الغروب) مجموعتها الشعرية الأولى، جعلتها تنقض في بعض الأحيان من نبرة إلى نبرة بإيعاز من ذاكرتها المحفوفة بالكثير من الاستعارات والصور والمجازات. كتابة مريم سلسة ونقية وتكاد تكون من الكتابات الأكثر توغلا في الذات والأكثر بلاغة في التراكيب اللغوية الخالصة، وربما نصوصها المنشورة في القدس العربي وبعض المجلات الأردنية وكذلك في المواقع الشعرية كرسّت انشغالها باللغة وعمقّت رؤيتها للأشياء والعالم والإنسان (لا يخطرُ ببالي ،أنّي أيقظتُ وهماً. من سُباتهِ، لو أنّي حين يملؤني. شُرودُ الطرقاتِ). أيضاً ما يجعل من نص مريم صنعة لغوية بامتياز هو هذا التقلب في جذر الكلمات والترداد في المعاني الني تصبح بعد القراءة الثانية ثنائية الرؤية والبعد البصري أو ما يسمى المنظور الدلالي، وفي قصيدة (قلبي) المنشورة في احد المواقع ثمة قشور فلسفية تتبدى رويدا رويدا في السياقات الدرامية للنص وتظهر الأفكار فيها على شكل تأملات صوفية تفرج عن الكثير من جماليات قصيدة النثر. نص مريم شريف لم يكن الضوء هو كلّ ما أريدولكن،أنْ يظلّ في قلبي مكانٌ صغيرٌلا يُعْتمُإذا انطفأ الليلكالغرباءكما أناأعاودُ الدورانَفي ليلٍ تصدّهُ الأمكنةُفي أمكنةٍ يجرِفها الليل.في ما يجرفُ الليلَويطردُ الأمكنةَأتناثرُ في نهاريتُقاطِعني الدروبُلا أرى ترابَها يؤاخي ترابيكلانا يهوي من يد الآخركالرمالِ يذروها الوقتُ الذاهبُبأكثرَ مما يقولهُ الشتاءُأكثرَ مما يتّسِعُ بابٌ مغْلَقٌبما يكفيكي أخرجَ من قلبيأقفُ على حافّتهِلأعرفَ، كما عرفتُ دائماًأنّ السماء التي تُغادرُ قلبيتصيرُعتْمَتهُ(2)كنتُ أراقبُ صورةَ الدفءعلى المقاعدِوبين الوجوهلم أكنْ أبهجَ الحاضرينَلكنّي أعليْتُ ضحكي فوق أصواتهمحتّى رأيتهُ يخرجُ من النافذةسيختبئ في أعشاب الليل، ربماوربما على ذلك السياق من الضوء،وحتماً سأحملهُ معيبتلك الصورةِ الجانبيّةِ للدفءحين أذرعُ ليليَ المجاورَبلاصَخَبٍأوحنين (3)فقطحين أكونُ بين آخَرينأدركُ أنّ للوجودِهيئةً كاملةًالتحاماً، صخَباً، كثافةأرى الخيوطَ الواضحةَأرى قِصَرَ المسافةِبين حواسّهموحواسّ الكونأقلّ من رفّةِ جفنٍ إشارةً.. ومعنىفقط،حين تَثْقُلُ أطرافُ المكانوتبدأ الوحشةُمحْوَ ضَجيجِهمأدركُأنّ نصفَ روحيمكانٌ مهجورٌيمرُّ من حولهِ الوجودُويمضيفيطريقهِ(4)هنالكَ بابٌأسمعهُ طيلةَ الوقتيُفتحُويُغْلقأنا لا أخرجُولا أدخلفقطأعرفُأنّ صَريرَهُهو هذه الأيّامُأوسكينتهاالغائبة.(5)سيهبطُ نهاريمن تلك الأبوابِ البعيدةأعرفُ أنّ مفاتيحَهُلن تقَعَ في يدي وحديأنا اشاهدُ العيونَ الكثيرةَ للسقفأشاهدُ الطريق المرسومةَ سَلَفاًأشاهدُ وطني…… …. أشاهدُ آباءًوذاكرة…وأعْجَبُكيف يمشي جِوارَ جسديظلٌّ واحدٌدائماً.ظلٌ واحدٌ.ويتلكّأ….(6)لو انّي أقفزُ.هكذا… كالأطفالِبلا ادّعاءٍ.أنقادُ لوميضِ الدهشةِحتّى يُعيدَني آخرُ غروبٍفي الأفق.لا يخطرُ ببالي.أنّي أيقظتُ وهماًمن سُباتهِلو أنّي حين يملؤنيشُرودُ الطرقاتِلا أقفُ خلْفَ البابِحتّى تجفَّ الطرقات…..لو أنّي أتركُ عينيَّفي عاصفةِ الخيال هذهلا أعودُ….ولكن..يا لهذه اليقظةِ المخْتَلَقةِساعةً… ساعتين…ماذا ستفعَلُفي قوقعةِ الزُهْدِ… هذا… قلبي……(7)حين يكونُ الوقتُ مُتّسِعاًكيدين فارغتينوفضفاضاًتتساقطُ منه آثارُ الأشياءفي مكان ٍ سيتّسعُ أكثرَ مما أُطيقُليكونَ مقهىً..في مدينةٍ لا أحبّهاحين لا يكونُ لديَّسوى مِشيَةٍ ذاهلةٍللعودةِولا يكونُ المدىأبعدَ من خطواتِ النادلِسأجلسُ أمام عينيننسيتُ وأنا أنتظرهماأنْ أُوقِفَ القطارات الذاهبةَوالآتيةنسيتُ أنْ أحملَما تساقَطَ على الجدرانِ من الشموعوما تساقط على الشموع من الجدرانشاهدتُ السماءَ تغادرُ الطرقاتِلأنَّ الوحْشَةَستعَلِّقُ سماءَها وتُمطرُولم أحَرِّك ساكناًلم أحَرِّك ساكناوسأقولُ لكثافةٍ خلفهما.تُضَيِّقُ طريق العودةِ:.حياتي هي ما استَطعْتهُوما لم أستطعهُهوَ أنا.