نعيش في كوكب بائس إلى حد أنه قد يتوقف عن الدوران في أية لحظة بفعل اليأس. موت إما «حريق أو غريق أو مشردين على الطريق» وظلم لا حدود له، وفقر مدقع، وانفجارات تغيّر خارطة العواصم، وحكومات فاسدة، وأوهام تباع لكل من يرغب بشرائها فقط لتخدير أيام موجعة لا تنتهي.
قررت هذا الأسبوع أن أمشي عكس التيار وأصطاد، ولو بأعجوبة، من بحر الفضائيات، خبرين مفرحين يعيدان لنا شيئاً من الأمل الضائع في الغابة الشاسعة التي نعيش فيها.
عمل شاق أن نجد نقطة ضوء في ظلمة حالكة! كحافر قبور ينكش بين الجثث عن نبضة قلب تائهة.
قصتنا الأولى نشرتها «بي بي سي عربي» عن بطل عراقي يدعى مصطفى عزيز عمره خمسة وثلاثون عاماً متزوج وله ولد وبنت. ولد مصطفى كفيفاً لكنه أنار عالمه بعزيمته واندفاعه وتحدى وضعه الصعب بمهارة وصلابة لا مثيل لها.
كان والده ميكانيكي سيارات ماهرا يعشق عمله. وقد زرع ذلك الشغف في أعماق ابنه الكفيف ليضيء به أيامه.
قال مصطفى في حديث نقلته «بي بي سي عربي»: «أبي علمني الصنعة وشجعني أكون ميكانيكي وأنا حبيت المهنة».
وعلى الرغم من صعوبة العمل الميكانيكيّ، الذي يتطلب دقة وتدقيقاً ويعتمد بشكل خاص على الرؤية لمعرفة مكان العطل، تمكن مصطفى من أن يبدع في هذا المجال معتمداً على حاسة السمع.
يهز القطع بيديه ليحدد موقع الخلل.
هكذا استطاع أن يصلح بمهارة عالية كل السيارات، التي أوكلت إليه من خلال الانصات إلى الأصوات التي تصدرها فيميز مكان العطل ويعمل سريعاً على إصلاحه.
ذاع صيته واشتهر في بلده العراق.
ولكن رغم ذلك جاءت ردود فعل الناس مختلفة. بعض الناس أعطوه ثقة عالية ومنهم من تعجب واستغرب وحين رأوا بأعينهم صدقوا ومنهم من لم يصدق لحد الآن أن الكفيف ميكانيكي ماهر.
نجاحه كميكانيكي سيارات منحه الثقة في النفس فبدأت تكبر أحلامه لتتخطى حدود المستحيل.
لقد حصل مؤخراً على دبلوم في الموسيقى. كما بدأ يعزف في فرقة موسيقية، وهو يعطي أيضاً حصصاً في الدراسات الإسلامية لأصحاب الهمم.
يقول: «كملت رسالتي رغم الصعوبات ورغم المساوئ اللي واجهتني في حياتي قدرت أحصل على الدبلوم من معهد العلوم الجميلة وإن شاء الله الطموح أعلى وأكبر».
يطمح بطلنا أن يحسن حال ذوي الاحتياجات الخاصة في العراق ويود أن يشجعهم على الطموح والأحلام.
فطموح مصطفى أكبر بكثير من طموح المبصرين.
لذلك يرغب بالارتقاء بواقع الإعاقة في بلده وتوفير دور أمان لذوي الاحتياجات الخاصة.
لغة الطبطبة والنقر بالأصابع
مصطفى ليس البطل العربي الوحيد، الذي يعمل بجهد وصمت ويحاول التغلب على قدره. لقد بثت قناة «الجزيرة» قصة أخرى مثيرة للعجب والتقدير. أخوان فلسطينيان، واحد أصم وأبكم والآخر كفيف، تمكنا من إدارة مخبزهما بلغة مشتركة تعتمد على الطبطبة بكفوف الأيدي والنقر بالأصابع للتواصل والتعاون في إدارة «مخابز النور» في الضفة الغربية.
لقد أسسا مشروعهما الخاص على الرغم من التحديات التي تواجههما يومياً.
عملا بجهد كبير وبإيمان بنفسيهما وبطموحيهما الكبيرين.
هكذا تمكنا من التغلب على كل العوائق التي وقفت في دربهما. فنجح مشروعهما نجاحاً مبهراً وأشاد الزبائن بمهاراتهما الكبيرة.
يقول أحدهما: «أنا وأخوي إلنا لغة خاصة. هو ما بيسمع ولا بيحكي وأنا ما بشوف من هيك متفاهمين مع بعض. ربينا مع بعض».
هما أخوان من رحم الأم نفسها وأخوان أيضاً من رحم المعاناة، التي جعلت منهما بطلين هزما الإعاقة بكفاحهما.
الملفت هي تلك اللغة الجميلة المشتركة التي تجمعهما وتخولهما أن يعملا معاً بفرح ومحبة، رغم الحواجز الجسدية.
ذلك الانسجام لا أعرف كيف ذكرني بضده!
ففي لبنان كل السياسيين يرون بوضوح ويسمعون جيداً ويتكلمون كثيراً، ولكن لا يتفاهمون ولا يفهمون. لا
لغة وطنية مشتركة تربطهم ببعضهم البعض أو حتى بشعبهم التعيس!
كما تقول أغنية إيلي شويري:
كلٌّ يغني على ليلاه.. وأنا على ليلي أغني
غنيلك آه يا بلدنا آه.. ع اللي سرقوا قمرك مني!
كاتبة لبنانيّة