لندن – “القدس العربي”:منذ أبريل/ نيسان 2008 وحتى وقتنا هذا، تغيرت أشياء كثيرة في عالمنا، كانت فئة محدودة تعرف وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة “فيسبوك” و”تويتر”، ودخل العالم في أشهر أزمة اقتصادية في العصر الحديث وخرج منها، وتبدل على بريطانيا 4 رؤساء وزراء بعد توني بلير، وانتخب باراك أوباما، كأول رئيس أسمر البشرة يحكم بلاد العم سام في ولايتين، وانفجرت ثورات الربيع العربي، وظهرت دول جديدة على خريطة الكرة الأرضية مثل كوسوفو وجبل طارق وغيرها، وحتى في كرة القدم، اختلت موازين القوى، بانتهاء عصر هيمنة ريال مدريد وبرشلونة على أغلى وأفضل لاعبي العالم، بعد ثورة مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان وتعاظم القوة الشرائية لأندية البريميرليغ، وأنت كذلك عزيزي القارئ، إن كنت بدأت العد التنازلي لدخول النصف الثاني من عقد الثلاثينات، فمن رابع المستحيلات أن تكون بنفس الطاقة التي كنت عليها قبل 12 عاما، إلا شخص واحد يعيش معنا على هذا الكوكب لا يعرفه الزمن… يدعى كريستيانو رونالدو.
عودة الرجل الطائر
لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد، للموسم التاسع عشر تواليا، حافظ صاروخ ماديرا على هوايته المفضلة، بهز شباك خصومه في افتتاح الدوري، وكانت البداية بإطلاق رصاصة الرحمة الثالثة في مرمى سامبدوريا، وتبعها بثنائية على طريقته الخاصة، في أول اختبار معُقد للمدرب الجديد أندريا بيرلو أمام روما في وكر الذئاب “الأولمبيكو”. صحيح اليوفي عاد إلى بييمونتي بنقطة واحدة، وهناك جوانب سلبية سيحتاج المدرب للعمل عليها لتحسين مشروعه الحديث، لكن هذا لم يمنع الدون من إشباع غريزته، بتحطيم الأرقام الإعجازية، بجانب التسجيل بالتقنية الحصرية المعروفة عنه، كيف لا وبعد آخر هدفين، أعاد صياغة التاريخ بوصوله لهدفه الشخصي رقم 450 في الدوريات الأوروبية الكبرى، وهو أمر لم يفعله أي لاعب منذ اختراع اللعبة أواخر القرن قبل الماضي، وربما لن يفعله أي لاعب آخر في ما تبقى من القرن الحالي، وفعل ذلك، بواقع 88 هدفا من مشاركته في 196 مباراة بقميص مانشستر يونايتد، و311 هدفا في 292 لقاء مع الميرينغي المدريدي، وحتى الآن 55 هدفا في 66 ملحمة في وطن ملوك الدفاع، غير أنها المرة الرابعة في مسيرته، يتمكن خلالها من تسجيل ثلاثة أهداف في أول مباراتين، بعدما فعلها مع مانشستر يونايتد في موسمه الأخير، ومع الريال عامي 2011 و2014.
ولا ننسى أن كريستيانو تقمص دور البطل بامتياز في موقعة “الأولمبيكو”، ووضح ذلك بعد طرد الفرنسي أدريان رابيو في منتصف الشوط الثاني والنتيجة تقدم أصحاب الأرض بهدفين لهدف، حيث ظهر الفارق، الذي يُميز رونالدو عن أي لاعب كرة قدم أو رياضي في ريعان شبابه، وبسببه فاق خيال مؤلف أعجوبة براد بيت “بنجامين باتون”، بإيقاف عجلة الزمن، وليس بالسير على عكس عقارب الساعة، والدليل اللوحة الفنية التي رسمها في هدفه الثاني، مكررا ما فعله في نفس الملعب قبل 12 عاما، عندما كان لاعبا في الشياطين الحمر، وتحديدا في صدام ذهاب ربع نهائي الكأس ذات الأذنين، بالارتقاء فوق الأرض بفاصل 2.50 متر، ليواجه عرضية الفتى الموهوب بول سكولز، برأسية أشبه بالمطرقة، الفارق هذه المرة، تغير لون القميص وصاحب العرضية السحرية، كان زميل الأمس في “سانتياغو بيرنابيو” دانيلو، وكما شاهدنا، لم يفوت الفرصة، بقفزة جعلته يبدو وكأنه حلق في الهواء، وظل معلقا ما لا يقل عن ثانية ونصف ثانية بين ثنائي الدفاع برونو بيريز وجانلوكا مانشيني، ليقصف شباك الحارس المغلوب على أمره أنطونيو ميرانتي، برأسية من على ارتفاع أكثر من مترين ونصف متر عن الأرض، تأكيدا أن العمر مُجرد رقم بالنسبة له، لكن الأهم من ذلك، أنه لا يّحول الخرافات إلى حقيقة على أرض الواقع من فراغ.
كيف يصدم العالم؟
نتذكر في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عندما تصدرت قفزته في سماء ملعب “لويجي فيراريس” عناوين الصحف والمواقع العالمية، لتحليل وفهم ما حدث في الدقيقة 45، وقال عنه المدرب كلاوديو رانييري “رونالدو فعل شيئا تراه في الدوري الأمريكي للمحترفين، لقد ظل في الهواء لمدة ساعة ونصف ساعة”، ربما المحنك الإيطالي يكون قد بالغ في مدحه للنجم البرتغالي، لكن الشيء الثابت، أن رجل معجزة ليستر سيتي وعمره الآن 69 عاما، لم يواجه أو يرى من قبل لاعبا يقفز 2.70 متر عن الأرض، ومن ثم يضرب الكرة بهذه القوة والدقة في أصعب مكان في المرمى، وهذا أشبه بالأمر المستحيل بالنسبة لسكان الكرة الأرضية، بمن فيهم أساطير كرة السلة الامريكية، وذلك استنادا إلى نتائج اختبار الميكانيكية الحيوية، الذي خضع له عام 2011، بعد اكتشاف صفاته ومميزاته، التي كانت تؤهله لمقارعة نجوم دوري المحترفين لكرة السلة الأمريكية، وكشفت النتائج الصادمة لخصومه، أنه مع الركض، يمكنه القفز 2.78 متر، أعلى بـ7 سم عن القفزة المعتادة لنجوم دوري المحترفين الأمريكي، لهذا كان أسطورة مانشستر يونايتد سير أليكس فيرغسون، صادقا مع نفسه، عندما تراجع عن انتقاد باتريس إيفرا، بعد اكتفائه بمشاهدة زميل الأمس، وهو يضرب شباك دي خيا من أعلى نقطة في “مسرح الأحلام” في إياب ثمن نهائي الأبطال 2013، حتى أنه قال: “بين الشوطين قُلت لإيفرا لماذا لا تشترك معه، لكن بعد أن رأيت الإعادة، شعرت بالغباء”.
يقول البروفسور نيل سميث الذي أشرف على اختبار رونالدو في العام 2011: “عندما يقفز عاليا، يطوي ركبتيه ورجليه خلفه تحت مؤخرته، هذا له تأثر ارتفاع مؤقت لمركز ثقله، هذا يساعد في إعطاء الانطباع بأنه معلق في الهواء، ويساعده في توجيه الكرة نحو المرمى”، لكن ما يستحق الدارسة بحق والوقوف أمامه، قدرة اللاعب على الصمود طيلة هذه السنوات، ليبدو في 2020 بثوب شاب في النصف الأول من عقد العشرينات وليس على وشك الاحتفال بعيد ميلاده الـ36، وبالنظر إلى السر وراء ذلك، سنجد أنه لا يتعلق فقط بعقليته وطمعه المشروع في وضع اسمه على رأس قائمة عظماء المركولة المجنونة، في ما يعرف بالصراع على لقب “GOAT” (الأفضل في كل العصور) مع غريمه الأزلي ليونيل ميسي، بل أيضا، بتفانيه وعمله الشاق في صالة الألعاب الرياضية، بجانب التزامه بأوقات شبه مقدسة في غرفة العلاج بالتبريد، التي كلفته أكثر من 50 ألف جنيه إسترليني، لمساعدته على التعافي وبناء عضلات ساقه كما يريدها لنفسه، ونفس الأمر بالنسبة لنظامه الغذائي، بتناول من 5 إلى 6 وجبات يوميا، شاملة اللحوم البيضاء والحمراء والخضروات والفواكه اللازمة لتقوية عضلاته، غير أنه يحرص دائما وأبدا على النوم لمدة ثماني ساعات ليلا، وأمور أخرى منها الانضباط والالتزام، لدرجة أنه لا يكتفي أبدا بالتمارين اليومية كباقي اللاعبين. ومن جبروته، أحيانا يتدرب بعد المباريات، كما نقل عنه المغربي مهدي بنعطية، ولنكن محقين، هذه مجرد عناوين فرعية أو شرح مختصر للطريقة التي يحافظ بها كريستيانو على ثروته البدنية، حتى يواصل العبث بقوانين الطبيعة والفيزياء بعمره الحالي.
ماذا بعد؟
رغم ما قيل إن رونالدو لا يحب أندريا بيرلو، بحجة أن الأخير ينحاز للبرغوث في المفاضلة التقليدية بين الثنائي الأفضل عالميا في آخر عقد ونصف عقد، لكن هداف الفريق، أظهر دعمه الكامل لقائد المشروع الجديد، وأثنى كذلك على الأفكار الجديدة التي جاء بها بيرلو، فيما يعكس حالة التناغم الواضحة بين الاثنين، والتي أفصح عنها المدرب في بداية سبتمبر/ أيلول، عندما كشف عن تعاون النجم البرتغالي، بموافقته على الجلوس على مقاعد البدلاء في المباريات المحلية، مقابل ذلك، لا يمنعه من اللعب في دوري أبطال أوروبا أو في المباريات الدولية مع منتخب بلاده، وهذا يرجع لجوع كريستيانو وطمعه في توسيع فارق الأهداف مع ليو في صدارة الهدافين التاريخيين لذات الأذنين، بجانب إصراره على كسر رقم الهداف التاريخي لمنتخبات العالم الإيراني علي دائي، بعدما كسر حاجز الـ100 هدف، وهذا يعني أن المدرب الجديد، سيسير على نهج زين الدين زيدان، الذي كان يملك مفاتيح إقناع الدون بالجلوس على مقاعد البدلاء، ليبقى واقفا على قدميه في بطولته المفضلة دوري الأبطال حتى النفس الأخير. ونلاحظ كذلك، أن بيرلو يعتمد على كريستيانو في مركزه المفضل، كمهاجم رقم (9)، وليس كجناح أيسر مهاجم، ذاك المركز، الذي كان يستنزف طاقته ومجهوده مع المدرب السابق ماوريسيو ساري، ما ساعد الهداف التاريخي للملكي على تسجيل ثلاثة أهداف في أول جولتين، وبطبيعة الحال، مع عودة باولو ديبالا وانتظام ألفارو موراتا، ستتضاعف فرص رونالدو في التسجيل، وهذا ما يريده بيرلو وكل عشاق النادي، على أمل أن يقود السيدة العجوز للاحتفاظ بلقب الكالتشيو للموسم العاشر على التوالي، والأهم من ذلك، كسر لعنة دوري الأبطال، فهل يحقق ما جاء لأجله وتنتظر منه الجماهير منذ وصوله من ريال مدريد العام قبل الماضي؟ دعونا ننتظر.