في فلسفة الحيوان ورهابه وعشقه: الإنسان حيوان عاقل

الإنسان يمثل أعلى تجليات الطبيعة لامتلاكه الخيال، والقدرة على العيش في الحاضر والماضي والمستقبل في آن. كما أن الوقوع في الحب وممارسته وجهاً لوجه، وليس على شاكلة الحيوانات، هذّب غرائز الإنسان الحيوانية وأنسنها.
وعلى الرغم من أن الإنسان يتميز عن الحيوان بملكة العقل والمنطق، لكنه لا يتوقف عن إيذاء نفسه والآخرين والبيئة من حوله، فالحيوان الأذكى في الكون، غير معني باستخدام عقله دوماً، لما فيه خيره وخير من حوله.
ولعل قردة الشمبانزي التي تمشي على قدمين، هي أقرب السلالات الحيوانية للإنسان، لكن الذئاب التي تعرف العائلة وتتزوج مرة واحدة، ليست بعيدة أيضاً عن معشر البشر، الذين يتحولون أحياناً إلى ذئاب بشرية، كي لا تأكلهم الذئاب.
بالمحصلة قد يكون الإنسان حيواناً أو حيواناً سياسياً كما وصفته الفيلسوفة الألمانية حنة آرندنت، ولكن الحيوان ليس إنساناً فهو لا يأكل عندما يشبع، ولا يقتل باسم المتعة، ولا يتخلى طواعية عن ضميره وأخلاقه.

حضارة وحيوان

المدن تكون كما تعامل مواطنيها وتصون حقوقهم، ولكن أيضاً كما تعامل حيواناتها، ففي العالم المتقدم يعيش الأطفال منذ الصغر علاقة خاصة مع الحيوانات، فهم يكبرون مع حيواناتهم الأليفة، ويزورون بشكل متواصل الحيوانات المفترسة خلف شباك حدائق الحيوان. وفي الواقع ليست رفاهية المجتمع الغربي ما يدفع إلى اقتناء الحيوانات الأليفة، بل وحدته، فالحيوانات تخفف الإحساس بالوحدة، وتمنح المؤانسة في تلك المجتمعات القائمة على الفردية.
وحتى المشردون على الطرقات يلجؤون إلى اقتناء كلب يشاركهم عزلتهم، ويمنحهم إحساس الحب والألفة. وينشط في أوروبا العديد من الجمعيات للدفاع عن الحيوانات التي لا تمتلك حقها في الكلام، أو حتى الحياة، لكن التعاطف مع الحيوان لا يعني بالضرورة تعاطفاً مع البشر. وليس غريباً مثلاً أن يمتلك الأشرار حيوانات أليفة ويعاملونها في غاية اللطف، في الوقت الذي يمارسون فيه العنصرية ضد الأجانب والمهاجرين. على سبيل المثال كان القائد النازي هتلر حنوناً مع كلبته بلوندي، والوزير الإسرائيلي السابق شارون كان عاشقاً للقطط، كذلك الممثلة الفرنسية بريجيت باردو كانت تطلق سمومها ضد الأجانب، في الوقت الذي كانت تدافع فيه عن الحيوانات وحقوقها. وعلى الرغم من الرفاهية التي تنعم بها الحيوانات الأليفة في المجتمع الغربي، إلا أن الكثير منها ينتهي على قارعة الطريق بسبب سفر أصحابها أو عجزهم المادي، أو بسبب الخوف من نقل الأمراض، كما حدث مؤخراً مع جائحة كورونا، وكأن الحيوانات ليست أرواحاً حية، بل مجرد كائنات للزينة أو للتسلية، يتم التخلي عنها بأنانية عندما تنتهي المتعة.
ولعل الحيوانات هي إحدى وسائل التسلية والترفيه التي يعج بها العالم، كي ينسى الإنسان المتحضر مشاكله، ففن الحياة هو النسيان، ولكن في أحيان كثيرة ينقلب السحر على الساحر، وعوضاً من أن ينسى البشر وهم يتسلون، ينكأون جراحهم ويتذكرون.

رهاب القطط وعشقها

كل ما ذكر سابقاً يدخل في إطار العام، أما حكايتي الخاصة مع الحيوانات فتعود إلى نشأتي في بلد لا يحترم حقوق الإنسان، فما بالك بالحيوان. فاقتصرت علاقتي بالحيوانات على أكل لحومها المذبوحة شرعاً، أو الخوف منها إن كانت حية، أما مع القطط فكان هذا الخوف يتحول إلى رهاب، أي بمعنى الخوف الشديد مما لا يستدعي الخوف عادة. وتعود جذور هذا الرهاب إلى تجربة مريرة في الطفولة، حوّلت هذا الكائن الصغير في مخيلتي إلى حيوان مفترس، يصيبني مجرد ملامسة ذيله لقدمي بالهلع والاشمئزاز. لكن كل شيء انقلب رأساً على عقب، عندما استيقظت ذات يوم على صوت مواء متواصل، أشبه بالألم، لقط صغير يبدو أن أمه تخلت عنه لسبب ما. لم يستطع القط رواية ما جرى له، لكن نظرة الاحتياج والجوع كان من الصعب عليَّ تجاهلها. بداية وضعت له الطعام في حديقة المنزل، ورحت أراقبه كل يوم كيف يقترب بحذر كي يسكت جوعه، هناك في الحديقة كان عالمه الموازي، قريباً للبيت من دون أن ينتمي إليه، تماماً على عتبة القلب في انتظار أن تفتح أبوابه له. ورويداً رويداً بدأ خوفي منه يتحول إلى خوف عليه من القطط الشاردة الكبيرة التي بدأت تلتهم طعامه، حينها فقط تمكنت من تجاوز خوفي تماماً وتركته يتجاوز العتبة. ولكن كان عليَّ بداية أن أمنحه اسماً، فالروح تبقى هائمة بلا اسم يُعرّفها. اختارت ابنتي اسم «بامبي»، وكان هذا كافياً كي يتحول القط اللقيط إلى حيوان أليف يتسلل بهدوء إلى غرف البيت وشعاب القلب. ومعروف عن القطط أنها عادة تشعر بالوفاء للمكان أكثر من وفائها لأصحابه، وها هو بامبي يقاسمنا الآن العيش ومكانه، من دون أن نتحاور. لكن غياب الكلمات هو تكثيف للمشاعر أحياناً، ولعل الكلام هو الطريق الأقصر للكذب، لهذا لا تحتاجه الحيوانات، لأنها لا تعرف الكذب ولا تحتاج إلى تبرير أخطائها.
يقال إن العين هي مغرفة الكلام، ونظرة بامبي المصاب بألم اليتم أو النبذ، تكفي ليتفجر ينبوع من الحنان في داخلي، ويولد حب بطعم آخر، يبدو وكأنه كان مخبأ في مكان معتم في داخلي، وجاء هذا القط الصغير كي يضيئه. حب ربما لا يشبه حب البشر، لكنه يذكر بحب الأطفال وهم يكتشفون العالم بأطرافهم الأربعة، بكل الفضول والشغف، مع كل ما يحمله هذا الحب من فرح وتعقب ومسؤولية.

صحيح أن الحزن هو محاولة للتعايش مع الفقد، والأعمار التي تمضي، لكن الحزن على قط مفقود يصيب بالارتباك والخجل، أمام أناس فقدوا أحبتهم في السجون والحروب.

عالم القطط

بامبي يأخذني إلى عالمه، وعليَّ أن أتأقلم مع فكرة تحوله من بيئة معادية إلى صديقة، بل معه أدركت كم فاتني في حياتي، لأنني دخلت عالم الحيوان متأخرة.
وعلى الرغم من أن الحيوان في شرقنا مرتبط بالنجاسة، إلا أن تشبيه المرأة بالقطة يعتبر اطراءً لجمالها، على عكس التشبيه بالكلب، الذي يعتبر مذمة وتعبيراً عن الاحتقار والازدراء، رغم أن الكلب هو صديق الإنسان الأوفى، لكن يبدو أن خضوع الكلب الكامل لصاحبه يثير حفيظة الإنسان المنذور بالفطرة للحرية، فيما ينظر للقط ككائن حر جميل قادر على العناية بنفسه، والعيش باستقلالية تامة، بعيداً عن القطيع وثقافته. وأنا المسكونة بسؤال الحرية استهوتني استقلالية قطي، واقتناصه أي فرصة للخروج من البيت، والغياب ساعات طويلة في أمكنة مجهولة، ليعود بعدها جائعاً ومنهكاً. فهو كسائر القطط كائن ليلي، ينام في النهار، ويسهر الليل لا سمراً، بل بحثاً عن صيد ثمين أو مطاردة ما. مع بامبي بدأت أقرأ لغة الجسد، فالقرقرة هي تعبير عن السعادة، وملامسة ساقي بذيله، إنما هي محاولة للتودد وتبادل للرائحة بين فرائه وجلدي. وعيناه نصف المغمضتين ليست نعاساً، بل تودداً وإحساساً بالطمأنينة. بامبي هو جرعة مكثفة من هرمون الأوكسيتورين المضاد للاكتئاب، ومن الصعب عليَّ رفض أي دعوة للعب معه، لأعود طفلة تركض بعيداً عن العمر، وتقفز فوق المشاكل. وفي الاستراحة كان ينهمك في تنظيف جسده تحت أشعة الشمس، متأملاً العالم من علٍ. أما صورته في المرآة فلم يكن يعرفها ولم تكن روحه تفر من انعكاسها، فهو لم يصب يوماً بخيبة انحراف الصورة المشتهاة عن واقعها، كحال الإنسان الذي لا يتوقف عن مراقبة نفسه ومحاسبتها.

الغياب

يقال إن الناس تقتني حيواناتها الأليفة على شاكلتها، لكننا لم نختر قطنا، بل جاءنا بمحض الصدفة. كما يقال التطبع يغلب الطبع أحياناً، وبامبي صار واحداً منا، يجالسنا ويصحبنا وبعض من طعامنا تسرب إلى طعامه. ومع أنه قط مسالم، لكنه ظل يخاف الغرباء، الرجال منهم على وجه الخصوص، لعله تعرض لاعتداء من رجل ما، قبل أن يجد ملاذه في بيتنا. لهذا عندما كان يزورنا الأصدقاء، الغرباء بالنسبة له، كان حسب مزاجه ينزوي، أو يتلصص بفضول على جلستنا وأحاديثنا.
إلا أن المرة الأخيرة التي رأيت فيها بامبي، كانت في أواخر شهر فبراير/شباط، يومها لم ترق له ضجة الضيوف في منزلنا، فانزوى وحيداً في الحديقة بحثاً عن هدوئه. وعندما انتهت الزيارة، لم يعد بامبي إلى البيت كما اعتاد دائماً بعد جولاته الليلية. بحثنا عنه في الحدائق المجاورة والأزقة، ولم نعثر له على أثر. هل هي مصادفة أن يختفي في شهر التكاثر، هل تكون الغريزة غلبته فعاد إلى الشارع حيث أسلافه، رافضاً التدجين والقفص الذهبي؟ هل مات كما تموت عادة قطط الشوارع تحت عجلات السيارات، وكيف يمكن أن يتحول الموت إلى عادة؟ معروف عن القطط أنها لا تضيع طريق الرجوع، حيث تقودها الرائحة، أو ربما الحنين، لهذا وضعت على عتبة البيت لعبته المفضلة، في محاولة يائسة لاستدراجه أو استعادته. لكنني انتظرت طويلاً من دون أي إشارة حياة، وبقيت أغراضه في البيت الساكن، تثير شوقاً محفوفاً بالألم في داخلي. فقررت في النهاية توزيعها على القطط الشاردة، على أمل أن تعود أي من أرواحه السبع في قط آخر يلعب بكرته المفضلة. فالحياة إنما تقصر مع كل روح تغادرنا، ولعل العمر يطول كلما أطلنا في أعمار من حولنا، نباتاً أو حيواناً أو إنساناً.
صحيح أن الحزن هو محاولة للتعايش مع الفقد، والأعمار التي تمضي، لكن الحزن على قط مفقود يصيب بالارتباك والخجل، أمام أناس فقدوا أحبتهم في السجون والحروب. لا وجود لقبر ولا ورقة نعي لقط شريد، بل مجرد بلاغ عن قط مفقود بلون أبيض وذهبي، قط يشبه الكثير من قطط الشوارع، لكنه قطي الذي علمني أن مخاوفي إنما هي أوهام أصنعها بنفسي. مضى بامبي بلا وداع، بعد أن علمني كيف أنتصر على مخاوفي، من دون أن يعلمني كيف أهزم ألم الشوق، الذي يتركه موت الأحبة. لكنني لن أستبدل روحاً بأخرى، ولن أبحث عن بديل له، فإحساسي يشبه إحساس الأمومة الأول الذي لم أستطع تكراره. حتى كلمة حيوان أليف تبدو لي الآن مستفزة وباردة، فتلك هي روح حرة أخرى تغادر هذا العالم البائس.

٭ كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية