في “أسبوع الكتب الممنوعة”: تعددت الأسباب والجهات ولكن مبدأ الرقابة واحد

حجم الخط
0

باريس ـ “القدس العربي”:  تشهد الفترة بين 27 أيلول (سبتمبر) و4 تشرين الأول (أكتوبر) سلسلة أنشطة في الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية، تحت مسمى “أسبوع الكتب الممنوعة”، حيث يبدو مفاجئاً أن أنظمة ديمقراطية عريقة تكرس دساتيرُها حرية التعبير والتفكير، يمكن أن تمنع كتاباً أو تصادره أو تسحبه من التداول.

وكان هذا الأسبوع قد انطلق للمرة الأولى من الولايات المتحدة في سنة 1982، وفي كلّ دورة تتكدس عشرات الكتب التي تعرضت لهذا الشكل أو ذاك من التنكيل أو الرقابة. وفي هذه السنة تقول الإحصائيات إن 607 كتب عانت من هذه الحال في الولايات المتحدة وحدها خلال 2019، بزيادة 14 في المئة عن السنة السالفة، وأن أكثر من 82 في المئة من الكتب المعرّضة للمضايقات لا يُؤتى على ذكرها في وسائل الإعلام. وأما جهات المنع فهي متعددة وإن كانت غير رسمية، بينها المكتبات العامة والمكتبات المدرسية ومكتبات المشافي والسجون. ومفهوم المنع ينطوي على إزالة الكتب والوثائق والمصنفات أو حجبها أو استبعادها من التداول. كل هذا بالرغم من قرار المحكمة العليا في أمريكا لعام 1982، والذي قضى بأنه ليس من حق إدارة المدرسة أن تسحب كتاباً من التداول بسبب عدم اتفاقها مع مضمونه.

ولعلّ المثال الأشهر في الولايات المتحدة كان ضحيته الكاتب المسرحي الأمريكي آرثر ميللر ومسرحيته الشهيرة “المحنة”، والتي تتناول المحاكمات الشهيرة لما قيل إنهنّ ساحرات بلدة سالم الأمريكية، أواخر القرن السابع عشر. وبالطبع ما أثار حفيظة الرقابة كان أن دلالات النصّ تشير إلى أمريكا الحديثة، وصيد السحرة الذي مارسته “لجنة النشاطات المعادية لأمريكا”، التي دشّنت فجر المكارثية بوصفها أسوأ استبداد ثقافي وفكري عرفته الولايات المتحدة على امتداد تاريخها. ففي عام 1947 انضمّ ميللر إلى لائحة 320 من العاملين في مختلف اختصاصات المسرح والسينما والغناء والأوبرا وسواها من الفنون، مُنعوا من العمل بقرار من اللجنة تلك.

إلي جانب ميللر توفّرت أسماء عدد كبير من خيرة كتّاب وفنّاني الولايات المتحدة آنذاك: ريشارد رايت، جوزيف لوزي، بول روبسون، ليليان هيلمان، داشيل هاميت، كليفورد أوديتس، لويس أنترمير، وسواهم. وذنب هؤلاء كان مزدوجاً: أنهم ينتمون بهذا الشكل أو ذاك إلى تيّارات اليسار، ويُشتبه تالياً بانتمائهم إلى الحزب الشيوعي؛ وأنهم رفضوا ممارسة الدسيسة على زملائهم، والإدلاء بمعلومات عنهم إلى اللجنة. وفي كتاب السيرة الذاتية الذي أصدره سنة 1987 بعنوان “على مرّ الأيام: حياة”، يروي ميللر تفاصيل مثيرة عن تلك الحقبة، لعلّ أشدّها تأثيراً في النفس ليس صموده هو شخصياً أمام اللجنة، بل انهيار صديقه المخرج المسرحي والسينمائي الكبير إيليا كازان.

وكان كازان قد أطلق أوّل أمجاد ميللر حين أخرج “كلّهم أبنائي” في العام ذاته، 1947، وأتبعها بإخراج “موت بائع جوّال”، ثمّ مسرحية تنيسي وليامز الأشهر “عربة اسمها اللذة”. وعلى نحو يمزج بين التعاطف مع الرجل والسخط الشديد على مؤسسة الكونغرس يصف ميللر وقوع كازان في حيرة بين مواصلة مساره الفنّي والاعتراف على زملائه، أو التزام الصمت والاعتكاف بعيداً عن هوليوود: “أصابني فزع شديد وأنا أصغي إليه. كان ثمة منطق قاتم في ما كان يقوله: إذا لم تُبرّأ صفحته فإنه لن يأمل أبداً، وهو في ذروة طاقاته الإبداعية، في إنجاز فيلم آخر في أمريكا، والأرجح أنه لن يُمنح جواز سفر للعمل في الخارج”.

وكانت لجنة الكونغرس قد شُكّلت للتحقيق في النشاطات المعادية لأمريكا داخل صفوف أتباع اليسار وأتباع اليمين على حدّ سواء، ولكنها انتهت إلى استثناء المجموعة الثانية تماماً، واقتصرت محاكم التفتيش على أهل اليسار وحدهم. كان مطلوباً من اللجنة أن تحقق مع المنظمة العنصرية الشهيرة “كو كلوكس كلان”، إلا أنّ رئيس اللجنة نفسه، مارتن دايز، كان صديقاً مقرّباً من المنظمة ومتعاطفاً معها وخطيباً في اجتماعاتها. كذلك كان عضو اللجنة، جون رانكين، قد اعتبر المنظمة “مؤسسة أمريكية عريقة في نهاية الأمر”!.

ويمكن لأي موسوعة ميسرة أن تعرّف القارئ على لوائح مذهلة لمئات العناوين، على اختلاف موضوعاتها وأجناسها التأليفية وجنسياتها، مُنعت أو صودرت أو حُجبت أو سُحبت من التداول، أو لوحقت في المحاكم بعد أن رُفعت ضدها دعاوى رسمية أو خاصة، بتهم متعددة بينها التجديف أو خدش الحياء العام أو استخدام لغة مكشوفة أو التحريض على العنف.

على سبيل المثال الأول، هذه النماذج من لائحة الأعمال الممنوعة قراءتها في سجون ولاية كارولاينا الشمالية، بقرار من “إدارة الأمن العام”: “معجم عربي – إنكليزي”، “أسس تقنيات الكتابة”، “موسوعة الكلاب”، “موسوعة كرة السلة”، “قاموس ألماني موسّع”، “أطلس العالم الجديد”، “النحت بالطين”، “موسوعة أدب الخيال العلمي”، “موسوعة السينما”، “قاموس وبستر الشامل”… وكانت مكتبة الكونغرس قد أقامت معرضاً بعنوان “كتب كوّنت أمريكا”، وهنا، في مثال ثانٍ، بعض تلك الأعمال التي عُرضت، ولكنها كانت قد مُنعت أو صودرت أو لوحقت: مارك توين، “مغامرات هكلبري فين”، 1884، لأنه اعتُبر “نفاية لا تلائم إلا الأحياء الفقيرة”؛ مالكولم إكس وأليكس هيلي، “السيرة الذاتية لمالكولم إكس”، 1965، وقد نُظر إليها كـ”دليل يعلّم ارتكاب الجريمة”، ومعاداة البيض؛ توني موريسون، “محبوبة”، 1987، التي تعرّضت لشكاوى دائمة من أهالي الطلاب والشخصيات المحافظة لأنّ الرواية تكرّس العنف وتحرّض السود على البيض؛ دي براون، “ادفنوا قلبي عند الركبة الجريحة”، 1903، لأنه يثير إشكاليات تاريخ الهنود الحمر، ويعيد سرد تاريخ توسّع الولايات المتحدة في الغرب من وجهة نظر الأقوام الأصلية؛ جاك لندن، “نداء البرّية”، 1903، لأنه يقيم الوجود على أساس من العلاقة بين إنسان وكلب، وهذا تفسير اعتمدته النازية أيضاً فأحرقت الرواية؛ جوزيف هيلر، “الخدعة 22″، 1961، بسبب لغته المكشوفة وهزئه من تقاليد الجيش الأمريكي؛ ج. د. سالينجر، “الحارس في حقل الشوفان”، 1951، لأنها تنطوي على “الهرطقة” و”الانحلال” و”المجون”، و”تخريب الأخلاق”….

عناوين أخرى ضمّت إرنست همنغواي، “لمن يقرع الجرس”، 1948؛ مرغريت ميتشل، “ذهب مع الريح”، 1936؛ جون شتاينبك، “أعناب الغضب”، 1939؛ ف. سكوت فتزجيرالد، “غاتسبي العظيم”، 1925؛ ألن غنسبرغ، “عواء”، 1956؛ ترومان كابوتي، “بدم بارد”، 1966؛ رالف إليسون، “الرجل غير المرئي”، 1952؛ أبتون سنكلير، “الغابة”، 1906؛ والت ويتمان، “أوراق العشب”، 1855؛ هرمان ملفيل، “موبي ديك”، 1851؛ ريشارد رايت، “ابن البلد”، 1940؛ ناثنييل هوثورن، “الحرف القرمزي”، 1850…

ولأنّ الولايات المتحدة ليست الوحيدة في هذا المضمار، تجدر الإشارة إلى ديمقراطيات أخرى منعت الكتب أو صادرتها؛ ابتداء من “عوليس”، رائعة جيمس جويس، مروراً بكتابات جون ملتون، فولتير، بلزاك، فلوبير، بودلير، كافكا، د. هـ لورانس، أرويل، ميغل أنخيل أستورياس، هنري ميلر، إريك ماريا ريمارك، بوريس باسترناك، نادين غورديمر، أرونداتي روي؛ وليس انتهاء بعمل لويس كارول الشهير “أليس في بلاد العجائب”!.

واقعة أخيرة هي قضية موريس سينيه، أحد كبار رسّامي الكاريكاتير الفرنسيين، الذي جرى إعدام أحد كتبه في بريطانيا سنة 1966 بقرار فردي من مؤسس دار نشر “بنغوين” ألن لين، الذي أمر بإحراق 50 ألف نسخة من كتاب سينيه “مجزرة” لأنه اعتُبر إهانة لمشاعر المسيحيين، رغم أنّ الكتاب كان ترجمة عن الأصل الفرنسي. ويُروى أنّ لين – الذي سبق له أن دافع، بشراسة، عن طبع “عشيق الليدي شاترلي”، رواية د. هـ. لورانس الشهيرة – ترك إدارة الدار منهمكة في مناقشة ما يتوجّب عمله بصدد كتاب سينيه، وانسلّ مع أحد المستخدمين الموثوقين، وحمّل الطبعة كاملة على ظهر شاحنة صغيرة، ومضى بها إلى مزرعته الخاصة، فأحرقها هناك!

وتجدر الإشارة إلى أن رواية “عدّاء الطائرة الورقية”، للروائي الأمريكي من أصل أفغاني خالد الحسيني، تحتل المرتبة 11 على لائحة 2020 التي تعتمدها “رابطة المكتبة الأمريكية” للـ100 كتاب الأكثر تعرضاً للمضايقات والمنع والمصادرة والحجب، وذلك لأنها حسب الجهات الرقابية تحرّض على العنف وتبشّر بالإسلام! في المرتبة 26 تأتي رواية ألدوس هكسلي الشهيرة “عالم جديد شجاع”، وفي المرتبة 28 رواية جون شتاينبك “عن الفئران والرجال”، وفي المرتبة 71 رواية إيزابيل ألليندي “منزل الأشباح”، وأخيراً لا بدّ من جورج أورويل وروايته “1984” في المرتبة 79!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية