هل تنجح تركيا في دعم أذربيجان لتحرير قرة باغ بدون الدخول في صدام مع روسيا؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

روسيا وتركيا تتجنبان حتى الآن التدخل لصالح طرفي النزاع بشكل مباشر، لكن في حال فشل وقف المعارك وتغليب لغة الحوار فإن سيناريو التدخل العسكري سيكون واردا بقوة.

إسطنبول-“القدس العربي”: في أحدث تصريحاته حول الحرب المتصاعدة بين أذربيجان وأرمينيا، أكد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن بلاده سوف تواصل دعمها لأذربيجان حتى تحرير إقليم قره باغ من أرمينيا، وهو السيناريو الذي يبدو ممكناً في ظل التفوق العسكري الأذربيجاني على أرمينيا حتى الآن، لكن السؤال الأكبر يبقى: إلى أي مدى يمكن لتركيا أن تواصل دعمها لأذربيجان بدون الدخول في صدام مع روسيا؟

اردوغان اعتبر في خطاب له، الجمعة، أن “أرمينيا اعتدت على أذربيجان مجدداً في وقت لم تُحل فيه قضية إقليم قره باغ الذي احتلته أرمينيا بارتكاب مجازر دنيئة” مضيفاً: “أرمينيا واجهت بعد اعتدائها الأخيرة نتيجة لم تكن تتوقعها فأذربيجان الشقيقة بدأت عملية عسكرية كبيرة من أجل الدفاع عن ترابها وتحرير قره باغ، والجيش الأذربيجاني الذي يتقدم بنجاح على الجبهة نجح في تحرير العديد من المناطق”.

وشدد على أن تركيا سوف تواصل “الوقوف بكافة إمكاناتنا وقدراتنا إلى جانب أذربيجان الشقيقة والصديقة، وإن شاء الله النضال سيستمر حتى تحرير قره باغ” معتبراً أنه “بالنظر لأماكن الأزمات الممتدة من سوريا إلى المتوسط والقوقاز، تتكشف المحاولات الرامية لحصار تركيا”.

ويرى مختصون عسكريون أن أذربيجان ومن خلال الدعم العسكري الذي حصلت عليه من تركيا في السنوات الماضية إلى جانب دعم دول أخرى وجهود داخلية واسعة نجحت في تطوير قدرات جيشها الذي بات يتفوق على الجيش الأرميني بالعدة والعتاد والإمكانيات المختلفة.

وبحسب سير المعارك منذ أيام، يظهر بوضوح تفوق الجيش الأذربيجاني على نظيره الأرميني، حيث بث عشرات المشاهد التي تظهر تدمير أعداد كبيرة جداً من الآليات العسكرية والدبابات والأنظمة الدفاعية وضرب تجمعات الجنود وقتل وإصابة المئات منهم، إلى جانب إعلانه استعادة السيطرة على العديد من القرى والتلال الاستراتيجية في قره باغ، وهو ما دفع مراقبين للتكهن بقدرة أذربيجان على السيطرة على الإقليم في حال تواصلت المعارك على هذا النحو بدون تدخل قوى دولية خارجية لصالح أرمينيا.

هذا السيناريو تحديداً هو ما تخشاه تركيا بشكل كبير وتسعى بكافة الطرق والوسائل إلى تجنبه تماماً، وذلك من خلال نفي تدخلها العسكري المباشر لعدم منح أرمينيا مبرراً لطلب تدخل دول خارجية إلى جانبها وهو ما لوحت به أرمينيا الذي يعتقد أنها تقصد روسيا بدرجة أساسية.

ففي مقابل تأكيدات تركيا المتلاحقة وقوفها الكامل إلى جانب أذربيجان “بكافة إمكانياتها” إلا أن سارعت خلال الأيام الماضية إلى النفي المطلق للاتهامات الأرمينية لها بالمشاركة عسكرياً بشكل مباشر إلى جانب أذربيجان في المعارك المتواصلة، مؤكدة أنها لا تشارك بشكل مباشر في المعارك “على الإطلاق”.

ومنذ بداية العمليات العسكرية بين البلدين، وجهت أرمينيا اتهامات لتركيا بأنها تقدم الدعم العسكري المباشر لأذربيجان وأنها تشارك من خلال قيادة العمليات وتزج بطائراتها الحربية والمسيرة في العمليات بشكل مباشر، واتهمت تركيا مباشرة بإسقاط طائرة حربية تابعة لها، وهو ما نفته أنقرة تباعاً، ووصفت هذه الاتهامات بأنها “دعاية سوداء” في وصف يظهر مدى خشية أنقرة من تبعات هذا الاتهام.

وجاء في بيان لوزارة الدفاع التركية رداً على اتهامات أرمينيا: “مزاعم تقدمت بها حسابات رسمية أرمينية، حول استخدام طائرات مسلحة من دون طيار ومقاتلات تركية ضدها في إقليم قره باغ بأذربيجان”. ووصفت الوزارة في بيان، تلك المزاعم بـ”الدعاية السوداء” التي تهدف أرمينيا من خلالها إلى زيادة الدعم المقدم لها، عبر خلق تصور بأن تركيا تواجهها. وأكدت أن “هذه المزاعم كاذبة ولا تستند إلى أي دليل”.

وقالت وزارة الدفاع التركية: “أظهرت القوات المسلحة الأذربيجانية للعالم خلال الأيام القليلة الماضية أن لديها القدرة والإمكانية لتحقيق النصر بمفردها، والعزم والتصميم لتحرير أراضيها المحتلة” واعتبرت أن اتهامات أرمينيا “لم يأخذها على محمل الجد سوى داعمي أرمينيا”.

وتشير التقديرات في تركيا إلى أن أرمينيا ومن خلال إصراها وعملها الدؤوب لإثبات وجود تدخل عسكري تركي مباشر في المعارك تهدف من وراء ذلك إلى الضغط على حلفائها لجرهم من أجل تقديم الدعم العسكري المباشر لها، وهو أمر لا ترغب أنقرة في حصوله على الإطلاق لأنه يحمل في طياته خطر دخول روسيا كطرف مباشر وهو ما لن يكون في صالح أذربيجان وتركيا على الإطلاق لأنه سيؤدي إلى ترجيح موازين القوى لصالح أرمينيا ويجلب خطر المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا أو دول إقليمية أخرى.

وتخشى تركيا أن تلجأ روسيا إلى تقديم دعم عسكري أوسع أو التدخل المباشر إلى جانب أرمينيا، ولا ترغب في تعزيز فرصه، وما زالت روسيا تدعو الجانبين للحوار. كما نفت الرئاسة الإيرانية أن تكون قدمت أسلحة ومعدات عسكرية لأرمينيا، ولفتت إلى أنها تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع باكو وهو موقف تريد أنقرة البناء عليه لضمان افشال جهود أرمينيا في جر داعميها للمعركة.

ومن جانب آخر يتعلق بالقانون الدولي، لا ترغب أنقرة في أن يتم اعتبارها دولة تنفذ عمليات عسكرية ضد دولة أخرى وترجح مواصلة تقديم الدعم العسكري بشكل غير مباشر إلى أذربيجان التي تتمتع بتفوق قانوني على أرمينيا كونها تنفذ عمليات عسكرية في إقليم قره باغ المحتل من أراضيها وهو ما تدعمه الكثير من القرارات الأممية.

ومن خلال التطورات على الأرض، يظهر أن روسيا وتركيا تتجنبان حتى الآن التدخل لصالح طرفي النزاع بشكل مباشر، كما تجري محاولات دبلوماسية بين الجانبين لكن وفي حال فشل وقف المعارك وتغليب لغة الحوار فإن سيناريو التدخل العسكري المباشر من قبل تركيا لصالح أذربيجان وروسيا لصالح أرمينيا سيكون قائماً بقوة، وهو السيناريو الكارثي الذي ما زال مبكراً الحديث عنه إلا أنه يبقى قائماً وبقوة إذا ما تواصل القتال وتوسع في الأسابيع المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية