سياسة النعامة هل تفلح أمام تغول الميليشيات وفرار السفارات من العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

زاد من تعقيدات أزمة إطلاق الصواريخ وصولها إلى أربيل كرسالة تحدي الفصائل المسلحة لحكومة الكاظمي وإبلاغ رسالة إيرانية إلى أمريكا بأن صواريخ أدواتها ستطاردها في أربيل أيضا.

  

بغداد-“القدس العربي”:تداعيات الأحداث في الساحة العراقية، تشير بوضوح إلى ان طهران اتخذت قرارا بتصعيد المواجهة مع واشنطن في العراق، وان ما يجري في العراق هو إعلان حرب بالنيابة من قبل قوى اللا دولة الموالية لإيران، ضد حكومتي العراق والولايات المتحدة معا، بهدف التأثير على نتائج الانتخابات الأمريكية وزيادة الهيمنة على العراق وثرواته. وفي المقابل تقف حكومة مصطفى الكاظمي في موقف متردد عاجزة عن حسم قرارها، سواء بالتصدي للفصائل المنفلتة أو حيتان الفساد أو فرض هيبة الدولة والقانون، بما سيترتب عليه من مخاطر أمنية وسياسية واقتصادية وعزلة دولية على العراق.

وما زاد من تعقيدات أزمة إطلاق الصواريخ، هو وصولها إلى أربيل شمال العراق لأول مرة، بعد ان كانت مقتصرة على بغداد، في تحد جديد من الفصائل المسلحة لتعهد حكومة مصطفى الكاظمي للبعثات الدبلوماسية بالحد من الهجمات عليها، وفي رسالة إلى أمريكا بأن صواريخ أدواتها ستطاردها في أربيل أيضا.

ورغم الضجة الواسعة حول نية الولايات المتحدة وعشرات الدول، سحب سفاراتها من بغداد، بسبب استمرار القصف بصواريخ الكاتيوشا عليها وعجز الحكومة عن منع ذلك، ورغم المحاذير من الإجراءات العقابية السياسية والمالية والاقتصادية المتوقعة ومخاطر العزلة الدولية على العراق، فإن حكومة بغداد تقف عاجزة عن اتخاذ إجراءات جدية للتعامل مع هذا الوضع الخطير، وهو ما يعكس المأزق الذي أصبح فيه الكاظمي، بين تحدي الفصائل المنفلتة لسلطة الدولة وعجزه عن اتخاذ موقف حاسم تجاهها نتيجة تهديدات القوى الشيعية بإشعال حرب أهلية إذا قررت الحكومة لجم الفصائل إضافة إلى ضغوط الجار الشرقي، وبين ضغوط شعبية ودولية قوية، بضرورة اتخاذ الحكومة لموقف حاسم، وان لا تصبح مجرد مؤسسة إعلامية لاصدار البيانات والتصريحات، بل ان تتصرف كسلطة لديها امكانيات كبيرة ودعم شعبي ودولي، ويفترض ان تقدم على قرارات حاسمة تحفظ هيبة الدولة وتنقذ البلد من براثن الفصائل المسلحة وتمنع إجراءات عقابية دولية ثقيلة متوقعة على البلد.

وحتى اجتماع رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي مع ممثلي السفارات الأجنبية والعربية في بغداد للتخفيف من قلقهم من تدهور الوضع الأمني “وتعهده بوضع حد للهجمات التي تستهدف البعثات الدبلوماسية وفرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة” كان محاولة فاشلة، ليس لأنه لم يقدم ضمانات بعدم تكرار الهجمات، بل أفشلته هجمات صاروخية جديدة على أربيل بعد الاجتماع مباشرة، مما عزز المخاوف من توجه هذه الدول لإغلاق بعثاتها العاملة في بغداد.

وما زاد الطين بلة، تصريحات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الذي أثبت عدم استيعابه لخطورة موقعه عندما أعلن “إن الحكومة بدأت بفتح قنوات اتصال مع بعض الفصائل لتصل إلى اتفاقات بشأن استهداف البعثات” مقرا بخضوع الحكومة لسطوة تلك الفصائل وعجزها عن ردعها. وكان مثارا لسخرية العراقيين بتأكيده ان “طهران أبلغت الحكومة العراقية عدم صلتها بالجهات التي تقف وراء الهجمات المتكررة على البعثات” وكأن القصف تقوم به فصائل موالية للمريخ!

وبالنسبة لاحتمال غلق السفارة الأمريكية، سواء كانت مخاوف واشنطن صحيحة أم لا ، بخصوص نوايا إيرانية لمهاجمة سفارتها أو محاولة خطف دبلوماسيين أمريكان في بغداد، فالمؤكد ان ترامب لا يريد ان يجازف بوقوع أي عملية ضد المصالح الأمريكية قد تقوم بها إيران في العراق تؤثر على حملته لإعادة انتخابه رئيسا، إلا ان ذلك لا يعني ان حلم طهران بافتعال مواجهة مع الولايات المتحدة عبر أدواتها، لجعل واشنطن تتخلي عن سفارتها في العراق، وارد لدى الإدارة الأمريكية، لأهمية العراق في خريطة مصالحها في المنطقة. والاحتمال الوارد هو ان تنقل السفارة مؤقتا إلى أربيل أو تقلل عدد موظفيها، لحين انتهاء الانتخابات الأمريكية بعد أقل من شهرين، مع توقع الاستهداف الأمريكي لقادة الفصائل الموالية لإيران، وفرض بعض العقوبات على حكومة بغداد لعجزها عن حماية البعثات ولجم الفصائل المنفلتة، وما سيترتب عليه من عزلة دولية خانقة على العراق.

وقد أصبح واضحا ان إيران تتجه نحو التصعيد في العراق هذه الفترة، فبالإضافة إلى مواصلة الفصائل الموالية لها هجماتها الصاروخية، فقد برزت العديد من المواقف الإيرانية غير الودية تجاه العراق. وليست مصادفة الآن، ان يعمد علي شريعتي، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى توجيه انتقاد جارح لأول مرة، لمقام المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، عندما هاجم بمقال، طلب السيستاني من الأمم المتحدة الإشراف على الانتخابات المقبلة في العراق. وكان أسلوب المقال بعيدا عن الاحترام واللياقة للمرجعية وجمهورها ومكانتها، إضافة إلى كونه تدخلا واضحا في شؤون العراق، وهو ما اعتبره العراقيون تطاولا على أهم رمز شيعي عراقي، وصورة للغرور والعنجهية الإيرانية واستخفافها بسيادة العراق وشعبه وحكومته ومكانة السيد السيستاني الذي تدعي احترامه. وقد شكل المقال فضيحة جديدة للقوى الشيعية وكشف ولاءها المطلق لإيران، حيث اكتفت ببيانات الاستنكار دون أي إجراء آخر.

وبمناسبة الذكرى الأولى للحراك الشعبي المطالبة بالإصلاحات ومحاربة الفساد والسلاح المنفلت، جدد آلاف المتظاهرين المتوافدين إلى ساحات التظاهر، في بغداد والمحافظات، اتهاماتهم لحلفاء إيران بعرقلة إجراء الانتخابات المبكرة وتعطيل الإصلاحات.

وفي كل الأحوال، يبقى الشيء المهم في هذا الصدد، هو ان الظروف الحالية توفر فرصة ذهبية نادرة لحكومة مصطفى الكاظمي لإنهاء خطر الفصائل والدولة العميقة معا، إذا لم يستغلها فسوف تبقى حكومته والعراق تحت رحمتهما في تكرار للنموذج اللبناني. ومع تقديرنا بأن المهمة ليست سهلة، إلا ان تأخير التحرك قد يكون فيه ضرر كبير على البلد سيدفع ثمنه الشعب العراقي وحده. ولذا فإن الكاظمي أمام خيارين لا ثالث لهما، أما اتخاذ قرار مواجهة الدولة العميقة وأدواتها المسلحة، أو القبول بالواقع المزري وضياع حكومته وكل آمال الإصلاح في العراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية