التوافق الداخلي الفلسطيني سيكون على حساب التدخلات العربية
لندن-“القدس العربي”: شكَّل الاتفاق الذي تم التوصل له بين حركتي فتح وحماس في مدينة اسطنبول التركية، تحولاً جديداً في ملف العلاقات الداخلية الفلسطينية، وفتح الباب مجدداً أمام مصالحة قد تكون تاريخية بعد أكثر من 13 عاماً على الانقسام الذي تسبب بالكثير من المتاعب للفلسطينيين، لكنَّ هذا الاتفاق ترك وراءه سؤالاً حول الخطوة المقبلة، وحول جدية الأطراف المتصارعة في تسوية الخلاف، ومستقبل هذه المصالحة إن كانت ستنجح أم ستفشل كما المحاولات السابقة.
ويأتي اتفاق المصالحة الذي تم التوصل له في اسطنبول في ظل ظرف فلسطيني ودولي غير مسبوق، حيث أن أهم ما يميزه هو أنه يأتي في أعقاب إعلان الولايات المتحدة عن “صفقة القرن” وبعد القرار الإسرائيلي بضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، وكذلك بالتزامن مع موجة التطبيع العربي الجديدة والتقارب غير المسبوق مع إسرائيل، وهو ما أشعر الفلسطينيين جميعاً بأنهم مستهدفون وأنهم يواجهون خطراً وجودياً غير مسبوق.
كما جاء الاتفاق بين حركتي فتح وحماس في أعقاب التصريح اللافت الذي أدلى به السفير الأمريكي في تل أبيب ديفيد فريدمان، والذي قال فيه إن الولايات المتحدة تدرس استبدال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالقيادي السابق بحركة فتح والمقيم في الإمارات محمد دحلان، وهو التصريح الذي أثار جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني بسبب أنه كشف عن نوايا أمريكية غير مقبولة تجاه السلطة في رام الله، ما يعني أن واشنطن تريد الإطاحة بحركتي فتح وحماس معاً ولا تفرق بينهما ما دامتا ترفضان “صفقة القرن”.
وقال مصدر مقرب من اللقاءات التي جرت في اسطنبول لــ”القدس العربي” إن “الأجواء كانت ايجابية جداً وبدا الطرفان أكثر تقبلاً لبعضهما من أي وقت مضى”.
وأشار المصدر الذي حضر جانباً من اللقاءات إلى أن القيادي في حركة فتح جبريل الرجوب، كان منفتحاً وأبدى ارتياحاً من اللقاءات التي أجراها مع مسؤولي حماس، كما أنه “أجرى عدداً من اللقاءات الصحافية والتلفزيونية مع وسائل إعلام مقربة من حماس أو تمثل حركة حماس بشكل مباشر” لافتاً إلى أن “هذه الحوارات لم تكن في السابق لتتم، حيث لم يكن مراسلو هذه المؤسسات يطلبون لقاءات مع قادة فتح ولم يكن أيضا أي من قادة فتح يوافق على الحديث لهذه المؤسسات إن طلبت”.
تفاهمات مبدئية
وحول مستقبل المصالحة قال القيادي في حركة فتح بالضفة الغربية منير الجاغوب إن “ما حدث في اسطنبول كان مجرد تفاهمات مبدئية لكنها بكل تأكيد ستقود إلى ما هو أكبر من ذلك”.
وأكد الجاغوب في تصريحات خاصة لــ”القدس العربي” إن “اللقاءات كانت ايجابية جداً، وكان هناك انفتاح من كل الأطراف، وكان الكل متفق على أنه يجب التوصل إلى وحدة فلسطينية شاملة وأن يكون الجميع متحدون في مواجهة التحديات التي تعصف بنا”.
وأضاف: “إذا لم تتوحد الفصائل الفلسطينية في الوقت الراهن فما الفائدة لاحقاً؟ نحن في مرحلة حساسة جداً ولم يمر علينا كفلسطينيين أسوأ من الوضع الحالي”.
وشدد الجاغوب على أن “اللقاءات كانت ايجابية لكن المطلوب الآن أن تنعكس أفعالاً على الأرض. يجب الآن الاتفاق على انتخابات، وهذا ضروري حتى يقتنع الشارع الفلسطيني أنَّ فتح وحماس جادين بالمصالحة، لأنَّ الشارع يترقب جدية اللقاءات، وهذا هو السبب في عدم خروج مظاهرات ولا حراك في الشارع”.
من جهته، يقول المحلل السياسي والكاتب الفلسطيني المقيم في اسطنبول إبراهيم المدهون إن “الفلسطينيين أمام حوار جدي جرى في اسطنبول وما زال مستمراً، وما يميز هذا الحوار أنه من غير وسيط إقليمي ومن دون تدخلات عربية، وأيضاً بإرادة فلسطينية نابعة من الشعور بالتهديد والخطورة التي نتجت عن الإعلان عن صفقة القرن وموجة التطبيع العربي ومحاولة بعض الأنظمة العربية للقفز عن الفلسطينيين، وكذلك التهديد الذي يتعرض له الرئيس عباس، إضافة إلى أن حركة حماس تشعر أيضاً بالمخاطر ذاتها وبضرورة إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة”.
وأضاف: “أعتقد أن هناك الآن نوايا جدية وحقيقية وعوامل داخلية فلسطينية تدفع نحو المصالحة، لكن بالمقابل هناك رفض أمريكي وتخوف إسرائيلي وممانعة من بعض الأنظمة العربية خصوصاً أن هذه الحوارات جرت في تركيا وهو ما أثار حفيظة بعض الأنظمة العربية التي تحاول احتكار القضية الفلسطينية”.
وحسب المدهون فإنه “لا شك أن التوافق الداخلي الفلسطيني سوف يكون على حساب التدخلات العربية وعلى حساب التلاعب الإسرائيلي بالمتناقضات الداخلية الفلسطينية”.
لكن المدهون يقول إن “هذا الاتفاق ما زال بحاجة إلى العرض على باقي الفصائل الفلسطينية، أما الرئيس عباس فكان واضحاً في موقفه عندما قال إنه سيقبل بنتائج الحوار وسوف يدعم أي توافق، وحركة حماس معنية بأن يكون الرئيس عباس موجودا وأن يتم تعزيز سلطاته بعد مواقفه الرافضة لصفقة القرن واستعداده لدعم المقاومة الشعبية، فضلاً عن أن حماس ترفض أي تدخل خارجي للإطاحة بالرئيس عباس”.
وكانت حماس وفتح قالتا في بيان مشترك إنهما اتفقتا على “رؤية” ستقدم لحوار وطني شامل بمشاركة القوى والفصائل الفلسطينية، وذلك في ختام لقاءات جمعتهما في مقر القنصلية العامة الفلسطينية في مدينة اسطنبول التركية.
وأضاف البيان: “جرى إنضاج رؤية متفق عليها بين الوفدين، على أن تقدم للحوار الوطني الشامل بمشاركة القوى والفصائل الفلسطينية”.
وذكر أن “الإعلان النهائي والرسمي عن التوافق الوطني” سيكون في لقاء جديد للأمناء العامين للفصائل، سيعقد تحت رعاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس.