الناصرة-“القدس العربي”:منذ نكبة الانشقاق بين الأشقاء في حركتي “فتح” و “حماس” علام 2007 فشلت محاولات متكررة لرأب الصدع بين الفريقين رغم الضغط الشعبي الفلسطيني الكبير والوساطات العربية، ورغم استغلال الاحتلال للانقسام علانية لضرب القضية الفلسطينية ضربات موجعة في كل أبعادها. تبدو المحاولة الجارية الآن بمبادرة الأشقاء الفرقاء للتوافق وتجاوز هذه الفترة السوداء أكثر حظوظا من سابقاتها، وهذه المرة تتم من دون وساطة خارجية وبضغط من التهديد السياسي المتّمثل بهرولة دول عربية نحو التطبيع المجاني مع الاحتلال. وتدرك الحركتان أن الوضع المستجد يعني تهديد القضية الفلسطينية برفع الغطاء العربي عنها وتمكين إسرائيل من الاستفراد بالفلسطينيين أكثر فأكثر وكذلك استمرار تدني شعبيتهما واحترامهما بعيون الفلسطينيين أنفسهم ممن فاض بهم وملوا هذا الانقسام المدمّر. وتتواصل لقاءات ممثلي الحركتين “فتح” و “حماس” في الوطن والخارج لترتيب أوراق البيت الفلسطيني بضغط من تدافع دول عربية على التطبيع بتشجيع أمريكي، وتجري محاولات للقيام بعدة خطوات فعلية لإغلاق صفحة الانقسام منها الإعلان عن انتخابات برلمانية عامة وربما خوضها بقائمة واحدة مشتركة من قبل الحركتين على أن تشكل الانتخابات بوابة لفترة استعادة اللحمة الوطنية.
خيار استراتيجي لا رجعة عنه
وفي هذا السياق ترأس رئيس دولة فلسطين محمود عباس في مقر الرئاسة في مدينة رام الله، اجتماعاً للجنة المركزية لحركة “فتح” فقرأ الحضور الفاتحة على روح فقيد فلسطين والأمة العربية المغفور له صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، وأكدوا أنه بوفاته فقدت فلسطين والأمة العربية والإسلامية، خاصة القضية الفلسطينية قائداً وزعيماً وحكيماً عز نظيره، وضع فلسطين وشعبها والدفاع عن حقوقها في صلب سياسته الحكيمة التي أرسى قواعدها خلال مسيرة حكمه الرشيد. على صعيد القضية الفلسطينية بحثت اللجنة المركزية المستجدات والتطورات المتعلقة بملف المصالحة الوطنية، والجهود السياسية التي تقوم بها القيادة للدفاع عن حقوق شعب فلسطين في الحرية والاستقلال.
التطبيع المجاني مع الاحتلال
وفي الملف السياسي جددت اللجنة المركزية التأكيد على الموقف الفلسطيني الثابت والواضح الرافض لكل المخططات والمؤامرات الهادفة لتصفية قضيتنا الوطنية، وفي مقدمتها ما يسمى “صفقة القرن” ومخططات الضم الإسرائيلية المنبثقة عنها، والتطبيع المجاني مع دولة الاحتلال. وأوضحت “فتح” أن محاولة الإمارات والبحرين الالتفاف على مبادرة السلام العربية مرفوضة، ومخالفة لقرارات القمم العربية والإسلامية ولمبادرة السلام العربية. مشددة على أن الموقف الفلسطيني هو ما تعّبر عنه القيادة الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتي لم تعط الإذن لأحد للتكلم باسمه وقيادته، وهي قادرة على الدفاع بكل قوة عن المشروع الوطني الفلسطيني الذي ضحى الآلاف من الشهداء والجرحى والمناضلين بدمائهم في سبيل تحقيقه، داعية الدول العربية الشقيقة إلى التمسك بالمبادرة العربية للسلام كما هي، التي أطلقتها المملكة العربية السعودية عام 2002 والتي شددت على ان السلام والاستقرار في المنطقة يجب ان ينطلقا من الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني. وعلى صعيد المصالحة الوطنية، وبعد ان استمعت إلى تقرير من القادة في “فتح” جبريل الرجوب، وروحي فتوح، وعزام الأحمد، عن الحوارات التي جرت مع حركة حماس وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية واللقاءات في كل من اسطنبول والدوحة والقاهرة وعمان، صادقت اللجنة المركزية بالإجماع على التوافقات التي تمت مع وفد “حماس” كما جاء في بيان للحركة.
وأكدت اللجنة المركزية أن مسار الشراكة الوطنية خيار استراتيجي لا رجعة عنه، مؤكدة أهمية الشراكة النضالية في مواجهة صفقة القرن والضم والتطبيع من خلال المقاومة الشعبية والعمل على تطوير هذه الشراكة في كل مكونات النظام السياسي في السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة بالتمثيل النسبي الكامل في كل الأراضي الفلسطينية وعلى رأسها القدس الشرقية، وصولا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وفوضت اللجنة المركزية الأخوة جبريل الرجوب وروحي فتوح وعزام الأحمد، بمواصلة العمل لإنضاج العملية الانتخابية وصولاً لإصدار المراسيم ذات العلاقة بأسرع وقت ممكن. كما رحبّت اللجنة المركزية بنتائج الاجتماعات التي جرت، مشددة على أهمية التوافق على إجراء الانتخابات العامة الفلسطينية كمدخل لانهاء الانقسام، وتوحيد الموقف الفلسطيني خاصة في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها قضيتنا الوطنية. ودعت اللجنة المركزية جميع كوادر الحركة حيثما كانوا “الالتزام والالتفاف حول هذه الأهداف وعدم الالتفات لأي أصوات تدعو للتشويش على ما نحن ذاهبون إليه” وقررت استمرار اجتماعاتها لمتابعة آخر التطورات وما يستجد من موضوعات.
منطق الوحدة الكاملة
في المقابل يواصل قادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التأكيد على ضرورة التقدم نحو إنهاء فعلي للانقسام الوطني وكرر عضو مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق، التأكيد على أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات كبيرة تعطي دافعا كبيرا للوحدة والشراكة الوطنية. وقال أبو مرزوق مجددا خلال مقابلات إعلامية في نهاية الأسبوع، إن حوارات تركيا ستساهم في الوصول لتفاهم أكبر نحو المصالحة. ونبه إلى أنه لا يمكن أن نقدم على مصالحة وحالة التربص وترسبات الماضي باقية، داعيا لإجراءات بناء الثقة بين الطرفين. وفي هذا المضمار تابع “هو ما يجب أن يحدث. استعرضنا كثيرا من القضايا المتعلقة ببناء الثقة، كعودة مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى ومن تم ملاحقتهم بسبب الانقسام”. وفي سياق الإشارة لحظوظ محاولة رأب الصدع هذه المرة فعلا أكد أبو مرزوق على ضرورة بناء استراتيجية عنوانها المصالحة والشراكة الفلسطينية، وقال إن هذه هي الكليات المراد الدخول إليها، وشدد على أن الحس الوطني والمسؤولية التي تقع على عاتق الطرفين هي الضامن الأساسي نحو التقدم بملف المصالحة. وأكد أن ملف المقاومة الشعبية بقيادة مركزية وخاصة بالضفة والقدس لا بد أن يكون بمنطق الوحدة الكاملة. كما أكد مسؤول حركة حماس أبو مرزوق ضرورة إجراء الانتخابات للمجلس الوطني والمجلس التشريعي واللجنة التنفيذية، وانتخابات الرئاسة، مشدداً على وجوب أن تكون انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي متزامنة. زاعما أن حركة حماس تطالب بالانتخابات منذ عقود كأداة لفرز قيادة الشعب الفلسطيني، وهي أفضل وسيلة يرضى عنها الشعب. وجدد دعوته إلى تفعيل المقاومة لوقف تغول الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، ووقف هرولة التطبيع مع العدو مطالبا بموقف عربي أقرب للموقف الفلسطيني مؤكدا أن “أي هرولة نحو العدو الصهيوني هي خيانة”. وأشار إلى أن قلب الصراع الآن هي الضفة الغربية، وقال إن حركة حماس رفضت كل المشاريع التي تريد إبعاد غزة عن الضفة، مبيناً أن حماس حريصة على مقاومة الاحتلال والاستيطان، وتثبيت شعبنا في أرضه. وشدد على أن كل محاولات الاحتلال لإبقاء الضفة مستقرة حتى يتمكن من الاستمرار في الاستيطان لن تنجح وتابع “نشكل اليوم قيادة مشتركة للمقاومة الشعبية، والتي سيكون لها أثر كبير في مشروع المقاومة من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم استقرار المستوطنين بالضفة الغربية”. بين هذه المواقف المعلنة للحركتين ينتظر الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات بشرى رأب الصدع على أرض الواقع اليوم قبل الغد بعد انتظار طال ووجع ما زال في القلب وعلى البال.
اقتباس
الضفة الغربية هي قلب الصراع الآن