المصالحة الوطنية الفلسطينية هل لمواجهة التطبيع وترتيب البيت الداخلي أم جولة من الجولات الكثيرة؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى عقد مؤتمر دولي تشارك فيه كل الأطراف المعنية. وقال إنه كان حائرا وهو يعد خطابه ماذا سيقول لممثلي دول العالم، وهل هناك شيء لم يقله عن معاناة الشعب الفلسطيني الطويلة.

وكان خطاب عباس الأخير مختلفا عن الخطابات الأخرى، فقد جاء على خلفية ضغوط أمريكية متزايدة على الدول العربية لتطبيع العلاقات بينها وإسرائيل، حيث ربطت إدارة دونالد ترامب مثلا رفع السودان عن قائمة الدول الراعية للإرهاب بفتح علاقات دبلوماسية. وجاءت التحركات الأمريكية في أعقاب قرار كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين توقيع اتفاقيات دبلوماسية مع إسرائيل. فيما اعتبرته القيادة الفلسطينية خيانة لقضية القدس والأقصى. ورغم ارتباط عمليات التطبيع التي قال الرئيس دونالد ترامب إنها ستشمل خمس أو ست دول عربية منها السعودية والكويت وعمان بالإضافة للمغرب بالانتخابات الرئاسية وظهور ترامب بمظهر صانع السلام في منطقة متقلبة إلا أن الفلسطينيين هم الخاسرون في مبادراته لأنها كلها تصب في صالح إسرائيل وتخلق ديناميات جديدة. فلطالما حلمت إسرائيل بالوصول لدول الخليج الثرية وبناء علاقات جديدة غير تلك التي حققتها مع دول خاضت معها حروبا مثل الأردن ومصر ولم تنتج المعاهدات معها سوى “سلام بارد”. لكل هذا يبدو الحماس المتبادل في كل من إسرائيل والإمارات لعقد اتفاقيات في مجال الصحة والزراعة وتطوير الموانئ وبناء شبكات لنقل النفط عبر السعودية إلى البحر المتوسط. فالهرولة الخليجية نحو التطبيع متعلقة بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية والتي حكمت العلاقات السرية منذ عقد أو يزيد وخرجت أخيرا للعلن.

فلسطين ليست مهمة

ولم تعد أنظمة هذه الدولة مهتمة بالقضية الفلسطينية والتي ظلت لأجيال قضية العرب الأولى. وكما كشفت التقارير والتسريبات الصحافية ان قادة مثل محمد بن سلمان لم يعد يهتم بفلسطين وتحدث عن رغبته بالحصول على دعم إسرائيلي تكنولوجي لتطوير مدينة نيوم على البحر الأحمر. ولعل ما دعا إليه الرئيس عباس يعكس حالة العزلة التي يعيشها بعدما ظل يعول على محادثات السلام وحل الدولتين وبالضرورة الدعم العربي وربط أي معاهدة تطبيع عربية بحل عادل للقضية الفلسطينية حسبما نصت عليه المبادرة العربية التي أعلنت عنها الجامعة العربية 2002. وربما لم يجد عباس خيارات لديه سوى دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش للتحضير إلى مؤتمر دولي. وعقد مؤتمر دولي غير مضمون في ظل انتشار وباء فيروس كورونا ولعدم معرفة ما ستنتج عنه الانتحابات الأمريكية، فبقاء الرئيس ترامب في البيت الأبيض يعني فشلا للمحاولة، لأن استراتيجية إدارته ممارسة الضغط  على الفلسطينيين حتى يقبلوا بخطته التي أعطت كل شيء للإسرائيليين وجردت الفلسطينيين من حقوقهم في القدس والدولة عودة اللاجئين لوطنهم. وفي حال جاءت الانتخابات برئيس جديد وهو المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن، فلن يتغير الحال. فهو مؤيد لإسرائيل وأعلن أنه لن ينقل السفارة من القدس. وبحسب مستشاريه للأمن القومي في الحملة فالشرق الأوسط بشكل عام سيكون في المرتبة الرابعة على قائمة أولوياته. فهو وإن تعلم من أخطاء الرئيس باراك أوباما في ملفات العراق وأفغانستان وسوريا إلا أن مساحة حركته في إسرائيل تظل محدودة.

النظر للداخل

ورأى معلقون أن اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل أنهت المرحلة الدولية من القضية الفلسطينية ووضعتها في يد إسرائيل التي عليها أن تتعايش مع فكرة الدولة الواحدة التي عملت وبدأب على خلق ظروفها. ولم يعد السؤال هنا عن الحقوق الفلسطينية الثابتة ولكن عن حقوقهم كمواطنين في دولة يهودية. وزعمت الإمارات أنها “اضطرت” للتطبيع من أجل مساعدة الفلسطينيين ومنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية. وهو مبرر ثبت خطله عندما أكدت إسرائيل أن ورقة الضم لا تزال على الطاولة. ومن هنا وبعد شعور الفلسطينيين بخيانة الدول العربية “الشقيقة” لهم التفتوا إلى اللحمة الداخلية وتوحيد صفوفهم. وجرى اتخاذ خطوات مهمة على صعيد بناء الوحدة الوطنية التي طال انتظارها. فالخلاف بين الضفة الغربية التي تخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية وغزة الخاضعة منذ 2007 لحماس، ظل شماعة أعطى إسرائيل مبررا للتنصل من التزاماتها في اتفاقيات أوسلو بذريعة عدم وجود الشريك الذي يوثق به في المفاوضات. وكلما اقترب الفلسطينيون من توحيد صفوفهم خربت إسرائيل الخطوات، منذ اتفاق مكة والدوحة والمحادثات التي رعتها مصر بين الفصائل الفلسطينية. ولعل أهم ما كشفت عنه اتفاقيات التطبيع الحاجة لترتيب البيت الفلسطيني أولا. وفي هذا السياق أشارت صحيفة “فايننشال تايمز”(36/9/2020) إلى أزمة القيادة الفلسطينية وقصور اتفاقيات أوسلو لتحقيق حلم الدولة. وقالت إن قرار الإمارات العربية المتحدة والبحرين تطبيع علاقاتهما مع إسرائيل كشف عن حجم الخسارة الفلسطينية.  فمن النادر ما بدت فيه القيادة الفلسطينية معزولة وعاجزة أو أصبح فيه مشروع حل الدولتين للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي بعيدا كما هو في الوقت الحالي. وترى الصحيفة أن الإحباط الفلسطيني مفهوم لكن يجب على الفلسطينيين التعامل مع هذه اللحظة كصيحة تحذير ويعيدوا ترتيب استراتيجيتهم. وهي وإن تفهمت أسباب فشل أوسلو بسبب سياسات إسرائيل المتصلبة والتوسع الاستيطاني على أراضي الفلسطينيين. إلا أن هذا لا يعفي القادة الفلسطينيون الذي تسببوا بالضرر على قضيتهم. فقد أصبحت السلطة الوطنية الفلسطينية التي أنشئت عام 1994 وتسيطر على 40 في المئة من أراضي الضفة الغربية مرادفة للفساد والقيادة التي أصابتها الشيخوخة ولا تمثل الشعب الشاب. وبالنسبة للكثيرين فإن ضعف القيادة سمح لإسرائيل بتوسيع السيطرة على مناطق واسعة من الضفة الغربية. وزاد الخلاف بين حماس التي تسيطر على غزة وحركة فتح من معاناة الفلسطينيين. وفقد الكثير من الفلسطينيين الثقة بقيادتهم وقدرتها على تأمين دولتهم. وفي استطلاع جديد أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله، وشارك فيه مواطنون من الضفة الغربية وغزة، وجد أن نسبة 62 في المئة من المشاركين فقدت الثقة بإمكانية قيام الدولتين بسبب التوسع الإستيطاني الإسرائيلي. وقال نصف المشاركين إن الفلسطينيين يتحملون مسؤولية تطبيع دول عربية مع إسرائيل، نظرا للخلافات الداخلية ولأن السلطة نفسها تعترف بإسرائيل. وطالب ثلثي المشاركين باستقالة عباس. فالرئيس الثمانيني في منصبه منذ 15 عاما ولم تعقد انتخابات منذ هزيمة حماس لفتح عام 2006. وترى الصحيفة هي تجديد مؤسسات القيادة الفلسطينية خاصة منظمة التحرير بشكل يعطي الفرصة لولادة قيادة جديدة تملك المصداقية وتستطيع البدء في دفن الخلافات ومواصلة البحث عن حل الدولتين إن ظل ممكنا أو حل الدولة الواحدة يحصل فيها الفلسطينيون على حقوقهم المتساوية مع الإسرائيليين.

اسطنبول وليس القاهرة

وفي ضوء التحركات الأخيرة التي جرت على الساحة الفلسطينية كان لافتا تغير المركز في محاولات المصالحة، فلم تلتق قيادات حماس وفتح في القاهرة، المكان التقليدي الذي رعى مفاوضات المصالحة ومنذ سنين بل وفي اسطنبول في حركة لم تفت الكثير من المعلقين، فهي في رأي ديفيد هيرست في “ميدل إيست آي” (1/10/2020) صورة عن تداعيات تطبيع الإمارات مع إسرائيل وأن مصر خسرت فلم تعد تلعب الدور التقليدي كوسيط بين إسرائيل والدول العربية. ولهذا كان تحول الفصائل الفلسطينية نحو تركيا. وفي هذا السياق تساءل فهيم تاكستين بموقع “المونيتور” (29/9/2020) عن الدور التركي المحتمل في عملية المصالحة. وقال إن لقاء الفصائل الفلسطينية في تركيا محاولة للبحث عن راع إقليمي جديد. وقال إن تزايد الدور التركي في المسألة الفلسطينية نابع من عدة أسباب منها الطموحات التركية في الشرق الأوسط والوجود الظاهر لحماس في تركيا والتحولات المهمة في العلاقات الإسرائيلية – العربية التي تحرم فتح من الدعم المالي وتزيد من مصاعبها. ومع ذلك فهناك أسئلة حول المدى الذي ستذهب فيه تركيا لدعم الفصائل الفلسطينية. وفي 24 أيلول/سبتمبر وبعد نهاية اللقاء بين الحركتين والذي استمر ثلاثة أيام، أعلن المشاركون عن التوافق على عقد انتخابات جديدة ولأول مرة منذ 15 عاما. وجاء لقاء اسطنبول لعد لقاء غير مسبوق في بيروت ورام الله ومكالمة هاتفية بين الرئيس رجب طيب اردوغان والرئيس عباس. وقاد جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح وصالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الوفدان، حيث تم الاتفاق على عقد انتخابات تشريعية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية في غضون ستة أشهر ومن ثم انتخابات رئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني. ويمكن النظر إلى المحادثات الأخيرة التي جاءت بسبب اتفاقيات التطبيع على أنها جولة من الجولات التي عقدها الطرفان منذ سيطرة حماس على غزة 2007 وما تبع ذلك من حصار على القطاع وخلافات مستمرة بين الفصيلين الفلسطينيين، إلا أن قادة الحركتين أكدوا على جدية جهودهم في عقد المصالحة الوطنية. ونقل الموقع عن مصدر فلسطيني قوله إن تركيا لعبت دور الطرف الذي سهل عملية اللقاء رغم علاقاتها مع حماس. وأشار إلى تغيرات الموقف التركي بسبب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واتفاقيات التطبيع الأخيرة. وأكد المصدر أن تركيا وإن سهلت اللقاءات لكنها “لا تتدخل في الشؤون الفلسطينية”. وأشار إلى الخلاف بين الدور المصري الذي كان يقصر اللقاءات بين الفلسطينيين على مبنى المخابرات العامة دونما تدخل من الخارجية المصرية، لأن القاهرة تتعامل مع فلسطين كموضوع أمني وليس سياسيا. وبخلاف ذلك، فلقاء إسطنبول جرى في القنصلية الفلسطينية وبدون مشاركة تركية. فتركيا ليست لديها المعلومات التفصيلية عن الخلافات الفلسطينية مثل مصر. وقال المصدر إن هذه لم تعترض على لقاء اسطنبول بل وأعطته الضوء الأخضر. وفتحت معبر رفح لأيام وسافر الوفد بعد نهاية اللقاء إلى قطر ومنها إلى القاهرة لإطلاع المسؤولين هناك على نتائج المحادثات. ولوحظ تناقض في تصريحات الرجوب بعد لقائه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي السابق في الدوحة إن فتح “اتخذت قرارا استراتيجيا للمصالحة الوطنية” وحسام بدران، أحد مسؤولي حماس الذي قال إن التقارير عن اتفاقيات ليست صحيحة وهي ليست بديلا عن الحوار الوطني ولكنها تحضير له. وعبر مصدر فلسطيني آخر عن انزعاج فصائل أخرى من عدم شملها في المحادثات الأخيرة. وبدا الأمر وكأن خريطة الطريق الفلسطينية التي أعلن عنها هي شأن بين حماس وفتح اللتان على علاقة جيدة مع أنقرة. لكن الرعاية التركية تأتي في وقت زادت فيه الضغوط على الفلسطينيين والشائعات حول الخطط الإماراتية لترفيع القيادي السابق محمد دحلان الذي يعيش في قطر كبديل عن عباس، مع أن القادة الفلسطينيين يرون أن حظوظه قليلة كما ورد في تقرير لـ “ميدل إيست آي” (25/9/2020) خاصة أن الكثيرين ينظرون إليه باعتباره لاعبا في اتفاقية التطبيع الأخيرة.

وهم أم حقيقة

ويظل الدور التركي في بداياته وهناك الكثير من الأسئلة حول التزام أنقرة ببناء تحالف مع الفلسطينيين في ظل ما يتعرضون له من ضغوط مالية وسياسية. وعندما ينظر للمحادثات الأخيرة في اسطنبول من منظور الأوضاع في المنطقة، فربما شعر الفلسطينيون أنهم بحاجة لحليف سياسي وطرف يخفف عنهم الصعوبات المالية، وكانت قطر تلعب دورا لكن الحصار المفروض عليها من جاراتها يحد من قدرتها على مساعدتهم كما في الماضي. وتظل المصالحة الوطنية رهنا كما في السابق للمصالح الإقليمية والمعسكرات التي ظلت تحتكر القرار الفلسطيني ولسنوات طويلة وأوصلت القضية إلى هذه المرحلة. لكل يشكك معلق في “بلومبيرغ” (1/10/2020) بإمكانية المصالحة الوطنية ويرى أن ما تم الإعلان عنه مجرد محاولات أخرى، فالمصاعب والخلافات بين حماس وفتح أعمق والثمن الناجم عن الانتخابات لو عقدت ستكون مكلفة للطرفين. وفي هذه الفترة الحرجة من الضغوط يعتقد قادة حماس وفتح أن الوحدة هي الطريق لمواجهة التحديات. وهو حلم طال انتظاره، فهل سيكون تطبيع العرب مع إسرائيل محفزا للقادة الفلسطينيين على دفن خلافاتهم وترتيب بيتهم مهما كانت التداعيات والتهديدات الخارجية؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية