محمد عبد الحكم دياب
أستأذن المتابعين لما يُكتب في شأن التجربة الخاصة مع حكم معمر القذافي؛ وأعود للشأن المصري هذا الأسبوع مع قناعات راسخة بأن الشأن العربي والإقليمي مترابط ومتداخل غير منفصل، وما كُتب وسوف يُكتب عن معمر القذافي لا يمكن فصله عن ظاهرة الاستبداد العربي المستفحلة؛ وكان سياقها في ليبيا وحيدا وفريد ونرجسيا يقدس الذات ويعبدها، وانتهت باندلاع ثورة أجهضها حلف الأطلسي، وهي عودة فرضتها أحداث دامية وقعت يوم الأحد الماضي أثناء مسيرة نظمها مسيحيون محتجون على قرار محافظ أسوان بهدم مبنى بقرية ‘الماريناب’ التابعة له؛ قيل انه كنيسة بنيت بغير ترخيص.
والملاحظ أن الأحداث اندلعت عقب تهديد صدر من فلول الحزب الوطني المنحل بفصل الصعيد عن الوجه البحري وإحراق البلاد، إذا ما أصدر قانون العزل السياسي، الذي يمنع الفلول من دخول الانتخابات البرلمانية.. الجاري تقديم طلباتها منذ الأربعاء الماضي وحتى الثلاثاء القادم. المشكلة وقعت في أسوان لكن وسط القاهرة هو الذي اشتعل بنيران الطائفية. وإذا ما قلنا أن الملف الطائفي ما زال لا يجد من يجرؤ على معالجته المعالجة الصحيحة، وعلى وقف نزيف الدم والعنف والفوضى؛ الذي استمر على غير المتوقع بعد ثورة 25 يناير في مناطق متفرقة في مصر. إذا قلنا ذلك فيجب ألا ننسى أن الرئيس المخلوع قد وضع الشعب أمام خيار وحيد، قبل أن يجبر على التخلي عن الحكم، هو إما هو أو الفوضى. ولم يكن ذلك خيارا لحاكم سوي، إنما جاء خيارا من قبل عصابة وقاطع طريق وليس حاكما. دورات الفتن الطائفية لم تبدأ الأحد الماضي ولن تنتهي بعده. وقد بدأت منذ ما يقرب من أربعين عاما.. ففي يوم السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1972 أشعل مجهولون النار في دار جمعية ‘الكتاب المقدس’ بمركز الخانكة، بعد أن تحول مقرها إلى كنيسة غير رسمية.. أي غير مرخصة ـ ومن وقتها ومسلسل الاحتكاكات والصدامات الطائفية مستمر ولا يتوقف؛ من الإسكندرية شمالا حتى أسوان جنوبا، ووصل عددها إلى 167 احتكاكا وصداما على مدى ما يقرب من أربعة عقود.. أي أن هناك حادثة طائُفية تقع كل ثلاثة شهور تقريبا.
وما أدخل مصر هذه المحرقة الدورية، التي لم يعهدوها قبل عام 1972 هو مناخ ومتغيرات ساعدت على ذلك. فقبل أحداث الخانكة بسنتين كان أنور السادات قد تولى حكم مصر، وهو أول حاكم منذ اللورد كرومر لعب بالورقة الطائفية لإحكام قبضته على الحكم، وإذا كان كرومر قد فشل في مخططه، فإن السادات غرس بذورها السامة، وساعد على نموها تحولات عاشتها الكنيسة المصرية الأرثوذكسية وعدد من رهبانها الأقوياء ذوي السطوة والتأثير، وتحالفها مع حكم حسني مبارك، وجاءت الفرصة بعد رحيل البابا كيرلس السادس، وجرت أحداث الخانكة بعد عام واحد على تنصيب القس نظير جيد باسمه الكنسي ‘البابا شنودة الثالث’ بطريركا على مسيحيي مصر الأرثوذكس.
ونجم عن ذلك التحالف تنازل حكم مبارك عن بعض صلاحيات الدولة للكنيسة. ولأول مرة جمعت الكنيسة بين الوظيفة الروحية والدور السياسي والاجتماعي في شأن تسيير حياة المسيحيين، فبدت الكنيسة وكأنها في غني عن الدولة، وهو ما أدى في النهاية لانهيار الدولة بعد أن تنازلت عن باقي صلاحياتها لعائلة مبارك. وارتاح الطرفان – مبارك والبابا شنودة – لذلك. وبدأت تطفو على السطح ‘مشكلة قبطية’، وإن كانت إسما على غير مسمى، وبدت ‘مشكلة عرقية’ وليست دينية. يعززها عدم التطابق بين المسيحية والقبطية، وكنا قد كتبنا عن هذا الموضوع باستفاضة في السنوات الأخيرة، وهو ما أغضب متعصبين من الطرفين، وتمخضت ‘المشكلة القبطية’ المصطنعة إلى ظهور ما أطلقت عليه ‘القبطية الجديدة’ وإلحاحها على تغيير شخصية مصر وهوية المصريين، ولم تكن شخصية مصر ولا هويتها ‘قبطية’ في أي حقبة من حقب التاريخ القديم والحديث، ومن يختلف معي أعيده إلى وقائع تاريخ الاحتلالين الإغريقي والبيزنطي، وظهور جالية يونانية مستقرة على هامش الحياة المصرية وهي التي عرفت بالقبط فيما بعد.
وأعلن أقرب الرهبان والقساوسة إلى البابا شنودة الثالث، ومنهم نائبه الأب بوشوي والأنبا توماس عن شخصية وهوية أخرى لمصر، وأكدا مع غيرهما من رهبان وقساوسة على نقاء عرقي مزعوم لمسيحيي مصر، وأنهم أصل البلاد وباقي المصريين، وهم الأغلبية، غرباء وضيوف؛ عليهم أن يرحلوا، وأخذ الخلاف الديني يتحول إلى صراع عرقي زائف.. يعتمد على رفض المواطنة وعدم القبول بالمصرية فداء لـ’القبطية’، ووقعت النخب الفكرية والثقافية والإعلامية في الفخ، وساروا على نهج المستشرقين، حتى تجد من الصعب وجود من يذكر مسيحيي مصر كمواطنين وليسوا ‘أقباطا’، ويعيدون بذلك إحياء حقبة يونانية قديمة، وهو ما تعمل عليه ‘القبطية الجديدة’، كي تفصم عرى العلاقة، وتميز بين المواطن والآخر، والنزوع الانفصالي والانعزالي لـ’القبطية الجديدة’ ضرب تراث الوحدة السياسية والدينية الذي صاغ الوجدان المصري لآلاف السنين، ووسع الهوة بين المسيحيين المصريين وأشقائهم المصريين إنما تعدى ذلك إلى المسيحيين العرب؛ وهم من أبلوا بلاء حسنا وكانوا وما زالوا في طليعة قوى التوحيد العربي وحماة الثقافة العربية ولغتها. كان التأثير الإيجابي للمسيحيين العرب كبيرا في صياغة الآداب والفنون والثقافة الحديثة حتى في مصر، وكان ما يسمى التأثير القبطي محدودا، ولولا كوكبة من عظماء المسيحيين المصريين خرجت من رحم ثورة 1919 وعلى رأسها مكرم عبيد الملقب بـ’المجاهد الكبير’، وكوكبة أخرى برزت في مرحلة الستينات والسبعينات من المفكرين والقادة والمسؤولين الوطنيين، مثل الصديق والأخ العزير جمال أسعد عبد الملاك وأمين اسكندر وحنا جريس، لولا هؤلاء لظلم المسيحيون المصريون ظلما بينا بسبب حصار التيار الانعزالي والطائُفي لهم. وعلى الجانب الإسلامي لم يكن التحول السلبي أقل درجة، فمع عودة العلاقات مع الولايات المتحدة في عام 1974، وكانت مقطوعة منذ 1967؛ معها قوِي النفوذ السعودي. وأخذ التمذهب الديني والفكري والثقافي الإسلامي في الانتشار، فتراجعت الوسطية والاعتدال الديني. وبعد أن كان الأزهر هو المؤثر على الثقافة والمناهج الإسلامية انتقل هذا التأثير إلى جماعات عرفية وغير متخصصة؛ كثير منها يعرف من الإسلام اسمه؛ نشرت هذه الجماعات التشدد والتعصب والانغلاق، وبدأوا بتكفير المسلمين، ثم استداروا على المسيحيين معتبرين إياهم ‘أهل ذمة’، وجبت عليهم الجزية، وإذا كان التيار ‘القبطي الجديد’ في الكنيسة قد شد أتباعه إلى صف الانعزالية والعداء للانتماء الوطني والقومي، فإن التيار المذهبي والطائفي الإسلامي انغلق على نفسه، وأبعد أتباعه عن مجالات التفاعل الوطني، وعملا سويا على شرخ الشخصية المصرية طولا وعرضا، وصار التوتر سمة غالبة في علاقات المتعصبين المسلمين والانعزاليين المسيحيين، وكأن هناك اتفاقا بين الاثنين على توسيع هذا الشرخ المروع.
ولا يعلم المتعصبون والمتشددون أن سر بقاء مصر واستمرارها يكمن في عنصرين: هما التوحيد السياسي الجغرافي، منذ توحيد مملكتي الجنوب والشمال، على يد نارمر (مينا) قبل 3200 سنة قبل الميلاد وحتى الآن، والثاني التوحيد الديني، منذ أن عرف إخناتون عبادة الإله الواحد، وعليه نشأ ما يمكن أن يعرف بـ’النفسية التاريخية’ الوحدوية لمصر، وصارت نموذجا للاندماج والتعايش، ومع وجود أكثرية تدين بالإسلام وقلة تتبع المسيحية، فإن ذلك لا يخل بقاعدة التوحيد الديني، والسبب أن مصدر الديانتين المسيحية والإسلامية واحد. بجانب أن المسيحية دعت للسلام والمحبة والتراحم، وبذلك تتعزز الوحدة مع الدين الإسلامي الذي يؤمن أتباعه ‘بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله’.. وأصبح الإيمان برسالة السيد المسيح عليه السلام أساس الاعتقاد الإسلامي، ودون ذلك يبتعدون عن جوهر الإسلام وأهم مرتكزاته.
وأن تشهد مصر صداما طائفيا بعد ثورة 25 يناير العظيمة التي صهرت الكل في واحد، فمعنى هذا أن خلل المعالجة الأمنية ما زال قائما؛ لم يتغير، ولم تستفد السلطات من وضع التوحد الفريد الذي جمع كل المصريين في ميدان التحرير، ومكنهم من إنجاز أعظم ثورات التاريخ. ومصدر الخلل هو استمرار نهج الإدارة السياسية على ما كان عليه الحكم البائد؛ فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء والمحافظون ومسؤولو الإدارة العليا لم يبلوروا نهجا خاصا بهم، يلبي مطالب الثورة ويستجيب للمتغيرات الجديدة، مكتفين باستنساخ حكم مبارك عائلته، وإبقاء الحكم القديم متمكنا بين دهاليز الدواوين والإدارات، والفتنة الطائفية أحد أساليبه في إضعاف المجتمع وابتزاز المواطنين والتحكم فيهم.
والصدام الطائفي ومصر على أبواب انتخابات برلمانية، يراها البعض طوقا للنجاة، قد تكون العكس، فهذا الصدام حدث وميزان القوى السياسي والاجتماعي على ما هو عليه، وإعلام فلول النظام بفضائياته المنتشرة كالفطر أقوى مما كان، ومعه فلتان أمني لا يعالج؛ كل هذا يشير إلى أن الأزمة ليست سياسية أو أمنية فقط، إنما هي أزمة مجتمعية شاملة، تبين أن الثورة السياسية بلا ثورة اجتماعية وأخرى ثقافية معرضة للإجهاض والسقوط، ودون هاتين الثورتين لن يكتمل البنيان الثوري، وكلنا يعلم أن الثورة مستهدفة ومصر مخترقة، والاحتراز والتحوط واجب. وبدلا من خروج المظاهرات، وهي حق لكل المواطنين.. كان الأوفق تجنب الخروج في شكل مسيرة مفتوحة لكل من هب ودب، وعدم استعراض كل هذا الحجم من الصلبان. وكان الأفضل التجمع في ميدان التحرير وتأكيد أنهم جزء من حراك وطني غير طائفي، وإمكانية تأمين ميدان التحرير متوفرة ذاتيا؛ بعد انسحاب الشرطة العسكرية وقوات الأمن المركزي منه.
المشكلة ليست في بناء دور عبادة أو هدمها، إنما في أوضاع مزرية لغالبية المواطنين؛ لم تتغير بعد الثورة، وفي ثقافة انعزالية وطائفية سادت، ولن تكتمل ثورة 25 يناير دون ثورة اجتماعية تقيم العدل الاجتماعي المعطل؛ انتظارا لاستجداءات وتهافت حازم الببلاوي لفرض وصاية صندوق النقد الدولي، وإخضاع مصر له من جديد، وهو من جلب لها الدمار والخراب بنفوذه على لجنة جمال مبارك، التي عرفت باسم لجنة السياسات، ولن تحقق الثورة أهدافها بغير ثورة ثقافية تتحطم على صخرتها منظومة القيم القديمة، التي أعادت إنتاج سياسة التسول والإفقار والفتنة والعزلة والتشدد والتخلف، واتخذتها دليلا لها.’ كاتب من مصر يقيم في لندن