تزامنت التغيرات السياسية الكبرى في تركيا مع أزمات سياسية كبرى في المنطقة، وكلا الحدثين سلّط الأضواء والمتابعة، ورصد المواقف التركية وما تواجهه من صعاب، فالتغير الأكبر في الدولة التركية، أن رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي لأكثر من عشر سنوات متوالية توّج شعبيته بفوزه في الانتخابات الرئاسية المباشرة، فكان أول رئيس جمهورية ينتخب من الشعب التركي مباشرة.
بينما وزير الخارجية أحــــمد داود أوغلو مهندس السياسة التركية في العقد الماضي، توج نجاحه في تولي رئاسة حزب العدالة والتنمية أولاً، وفي تولي رئاسة الحكومة التركية خلفاً لأردوغان، فكان لا بد أن تكون حصيلة ذلك النجاح الذي حققه أردوغان وأحمد داود اوغلو دولة قوية تستند إلى إرادة شعـــبية متينة، ويستند إلى حزب قوي استطاع بجدارة أن يستـــفرد بالسلطة السياسية لاثنتي عشرة سنة، وبذلك أصبحـــت الدولة التركية قادرة على التعامل مع الأحداث الداخلية والخارجية بثـــبات وقناعة وإرادة حرة، تمثل فعلاً ما يريده الشــعب التركي أولاً، وما تريد الدولة التركية أن تقوم به في المنطقة والعالم ثانياً.
كان التحدي الأول الذي واجهته الدولة التركية الجديدة هو قيام «الدولة الإسلامية في العراق وسوريا» (داعش)، والقيادة التركية وهي في مناصبها القديمة كانت على دراية كاملة بمجريات الأحداث السياسية، التي أوجدت هذه الدولة في ظروف نشأتها وفي مخاض ولادتها وفي أسباب التفاف كثير من أبناء الشعب العراقي حولها، بعد آلام الإقصاء والتعذيب والسجون التي لحقت بأهل السنة في العراق في السنوات الماضية، وبالأخص على يديّ حكومة نوري المالكي الطائفية، التي رفضت بناء دولة عراقية لجميع أبناء الشعب العراقي، ورفضت إقامة حكومة ديمقراطية في سلوكها وليس في انتخابها فقط، وكذلك تدرك الدولة التركية القديمة والجديدة أسباب نشوء وانتشار «دولة داعش» في سوريا، فهي التي عملت بكل إمكانياتها السياسية والأخوية مع بشار الأسد ألا يذهب إلى الخيار الأمني والعسكري في مواجهة مطالب شعبه المحقة. ولذلك جاء تحدي وجود «داعش» على الدولة التركية رئاسة وحكومة وحزباً وشعباً، وهم يدركون تفاصيل ذلك، وكيف يمكن التغلب على هذا التحدي، فالشعب التركي كله كان يتابع ستة وأربعين تركيا مخطوفاً لدى هذه الدولة الناشئة حديثاً، والدولة التركية تدرك أن معادلات التعامل مع «الدولة الإسلامية» ليست مثل التعامل مع باقي الدول العالمية، لأن «دولة داعش» وليدة ردود أفعال وتناقضات سياسية في المنطقة، فالنظام السوري الذي أوشك على السقوط نهاية 2012 على أيدي المعارضة السورية، لجأ إلى حلين انتحاريين: أحدهما إخراج آلاف المساجين الارهابيين من السجون، وكانوا في معظمهم من التيار السلفي الجهادي وتنظيم «القاعدة». والثاني تسليم زمام المعركة العسكرية لــ»حزب الله» اللبناني، وفي الغالب أن كلا الخطوتين كانتا بالتنسيق مع الدولة الإيرانية، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن سقوط الموصل المذهل بأيدي «داعش»، كان بالتواطئ مع ضباط من الجيش العراق، الذي كان يقوده نوري المالكي، فإن معادلة «داعش» لا بد ان تأخذ في حساباتها كل الأطراف التي تعبث بأمن المنطقة، لذلك لم يستطع الموقف التركي أن يكون تابعاً للرؤية الأمريكية في استراتيجيتها وتحالفها في محاربة «داعش» بدون دراسة ولا مشاورة ولا مراجعة، فالدولة التركية أكثر دراية ومعرفة من الإدارة الأمريكية بمجريات الأحداث، وأكثر خبرة بطريقة مواجهتها والتغلب عليها، ولكن الإدارة الأمريكية لم تستمع لوجهة النظر التركية، وأرادت من تركيا أن تكون دولة تابعة ومنفذة للأوامر التي تصدر من البنتاغون، وهو ما لم توافق عليه الدولة التركية أولاً، وواجهته بالشرح والتفسير والتعريف بالموقف التركي، الذي يريد حلا للمشاكل في المنطقة التي هي جزء منها، وليس مجرد الدخول في حرب تدوم ثلاث أو خمس أو تسعة أو خمس عشرة سنة، بحسب وجهات نظر الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش»، فهل تحتمل منطقة الشرق الأوسط البقاء كل هذه السنين في حروب متواصلة، أم في الأمر قضية لا تريد أمريكا أن تكشف عنها، وأخيراً اضطرت الدولة التركية أن تكشف مواقفها أمام الرأي العام، وأن تعلن شروطها حتى تشارك في هذه العمليات العسكرية، حتى تكون ذات جدوى.
كانت الشروط التركية واضحة ولا غرابة فيها، لأنها صادرة من دولة تدرك ما يجري في منطقتها، وكانت هذه الشروط من سياسيين قائمين على رأس عملهم في هذه المنطقة لأكثر من عشر سنوات بنجاح وفوز وجدارة أدركها العالم، كما أدركها الشعب التركي نفسه، فالشرط الأول طالب بمنطقة آمنة في الحدود الشمالية السورية، وأن تكون هذه المنطقة محمية بحظر طيران جوي، ودعم قوى المعارضة السورية وتدريبها وتمكينها لتولي شؤون دولتها، وإقامة نظام سياسي سوري يمسك بزمام دولته بدون حروب مع شعبه. هذه الشروط تدل على عقلية سياسية مدركة لحقيقة ما يجري في منطقتها، وانها صادقة في حل مشاكل منطقتها ودول الجوار، ليس من باب التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، وإنما من باب مساعدة شعب دولة صديقة أصبح نصفه مشرداً داخل سوريا وخارجها.
أمريكا لا تريد النظر إلى حل جذري للمشكلة السورية، بينما اضطرت إلى تغيير الوضع في العراق بإسقاط حكومة نوري المالكي، وفي الوقت نفسه تدعي أنها تريد محاربة «تنظيم الدولة» بدون التدخل في شأن تغيير نظام الأسد، هذا الموقف غير المقنع يكشف ان أمريكا إما انها غير جادة في محاربة «داعش»، أو أنها تريد توريط تركيا في هذه الحروب فقط بغض النظر عن نتائجها، او أنها ملتزمة باتفاقيات مع دول أخرى بحماية نظام الأسد، ولذلك كان التصريح الأول للرئيس الأمريكي أوباما في بكين يوم 10/11/2014: «أنه يقاتل في سوريا تنظيم داعش ولا يقاتل نظام الأسد»، وكأنه ملتزم أمام الصين وروسيا وإيران بعدم إسقاط نظام الأسد، وهذا سوف يحبط مشروعه ضد «داعش» إن كان جاداً في محاربته له، ولكن إسقاط الطيران الأمريكي للأسلحة إلى «داعش» في عين العرب كوباني، ولو بطريق الخطأ كما قالوا، يكشف عن نوايا وأهداف أخرى.
الدولة التركية لم تغير موقفها لأنه ليس مجرد اعتذار عن عدم المشاركة في الأعمال العسكرية، وإنما هي دولة مسؤولة عن سياستها امام شعبها وحزبها الحاكم وبرلمانها، ولذلك استجابت الدولة الفرنسية للمواقف التركية الصحيحة، فأعربت عن قناعتها بالمواقف التركية وتأييدها لها بالشروط الثلاثة، وهكذا كادت الحكومة البريطانية ان تفعل، ولذلك تحركت السياسة التركية نحو باريس للتشاور حول هذه القضايا الأساسية والمتأزمة وهي: قضية الوضع السوري وقضية «داعش» وقضية الأكراد في عين العرب كوباني، فكانت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى فرنسا ولقاؤه مع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند لتبادل وجهات النظر المتقاربة حول الأزمات الساخنة في المنطقة، واستمع أردوغان لما يقلق فرنسا في هذه الأزمات ومنها الحد من المتطوعين الفرنسيين الذي يمرون بالأراضي التركية نحو «داعش» في العراق او سوريا، فأبدت الحكومة التركية تعاونا كاملاً في هذه المسألة، بينما أعربت فرنسا عن دعمها للمواقف التركية من هذه الأزمات.
هذا الالتقاء على المصالح السياسية بين تركيا وفرنسا كفيل أن يُبنى عليه ما يعزز التعاون بين الدولتين، بما يجنب أوروبا التوتر والنزاعات، سواء في الشرق الأوسط أو في جنوب أوروبا، بما فيها التوترات في شمال افريقيا وما تشهده من تطلعات لشعوب دول المنطقة من حرية وديمقراطية ودول حديثة تتوافق مع رغبات وهويات تلك المنطقة وشعوبها. لقد كانت المواقف الفرنسية غير مرتاحة لوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة السياسية عام 2002، وتدهورت العلاقات الاقتصادية في السنوات التالية لذلك التاريخ، لكن فرنسا عادت وادركت أن مصالحها الاقتصادية والسياسية تتطلب تعاونا أكبر مع الأتراك، فالسياستان التركية والفرنسية معنيتان باستقرار المنطقة وإقامة منطقة تعاون اقتصادي وازدهار سياحي، تخدم منطقة حوض المتوسط وشــــــعوبها، وإن إقامة الأنظمة الديمقــــراطية والدستورية مهمـــة جداً، وهذا لا يتم إلا بالتقاء وجهات النظر التركية والفرنسية بين السياسيين والبرلمانيين، بل والتقاء أعضاء الأحزاب الحاكمة في كلا الدولتين، لتبادل الآراء والاستماع لوجهات النظر عن قرب.
إن النجاح الذي حققته زيارة الرئيس أردوغان إلى فرنسا ولو كانت في المجال السياسي أولاً، لا بد ان يبنى عليه في المجال الاقتصادي والسياحي والاجتماعي أيضاً، فضلاً عن التعاون العلمي والصناعي وغيرها من المجالات التي تهم مستقبل تركيا كدولة كاملة العضوية في الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب، والنقطة الأهم التي أثبتتها هذه الزيارة الناجحة أن الثبات على المواقف السياسية الصحيحة كفيل أن يخلق الأصدقاء وأن يلغي الكراهية القديمة، وأن يتم التباحث بين المسؤولين عن قرب، فلا ضرورة للعداء المبني على الجهل أو المعلومات التاريخية الخاطئة، فوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا حقق التقدم والازدهار للاقتصاد التركي، وأدى إلى رفع مستوى المعيشة لأكثر من خمس مرات لكل الشعب التركي من كل قومياته وتياراته الثقافية والسياسية، التركية والكردية والأرمن وغيرهم، فلا حاجة بعد اليوم ان يتباكى تركي امام الأوروبيين بحجة انه مظلوم، لأن القضاء في تركيا يسمعه قبل غيره، إن كان محقاً، فإن لم يكن محقاً فمن الخطأ أن يشتكي أمام الكارهين لدولته.
٭ كاتب تركي
محمد زاهد جول