المرة الاولى والوحيدة التي التقيت فيها الدكتور المنصف المرزوقي رئيس تونس الحالي والمرشح من بين سبعة وعشرين آخرين لرئاستها في انتخابات الثالث والعشرين من الشهر الجاري، كانت قبل أكثر من عشرين عاما، في شارع بمدينة مراكش في المغرب.
تقاطعت خطوط سيرنا ذات صباح، فاكتشفت رجلا مهموما بدت عليه علامات قلق وتوجس، لم تستطع نظاراته السميكة حجبها. كنت حينها شابا يافعا مغمورا، أكتب في كل الشؤون والقضايا، عدا شؤون بلدي، وكان هو شخصية معروفة ومشهورة ترأس رابطة حقوق الإنسان، وكتب بانتظام حول الديمقراطية وقضاياها. أخبرته بأننا نشترك في الكتابة في المجلة السياسية نفسها، وهي الوحيدة المستقلة التي بقيت في تونس بعد غلق مجلة «المغرب»، فلاحظت على الفور استغرابه وذهوله قبل أن يبادرني بالسؤال عما يفعله شاب في مثل سني في المغرب؟ ببساطة أجبت بأنني أواصل دراستي الجامعية في المملكة، بعد ان ضاقت بي السبل في تونس. ملتفتا إلى اليمين ثم إلى الشمال كأنه يرقب أو ينتظر وصولا مفاجأ لمخبر أو شرطي، نصحني الحقوقي، الذي جاء مثلي يستنشق بعضا من هواء الحرية المفقودة، بقلب أب وحكمة مجرب، أن اكون حذرا لأن بن علي ونظامه المستبد قد فقد صوابه وصار مثل باقي الأنظمة القمعية والاستبداداية، مستعدا لفعل أي شيء من أجل الحفاظ على عرشه كما قال.
لم يستمر اللقاء العابر طويلا، لكن كلمات الرجل ظلت محفورة في ذاكرتي طوال عقود، كان الهمس فيها محرما ومحظورا، والاصوات القليلة والنادرة التي تملك القدرة والجرأة على البوح، منقادة إلى مصيرها المحتوم وهو السجن أو التهجير أو الموت البطيء قهرا وكمدا. الكلمات ظلت صامدة لكن الاستبداد الذي نصحني الدكتور بأن أحذر من جوره وبطشه، تحول مع مرور الأيام إلى حديث عابر، قد لا يجد البعض حتى الوقت أو الرغبة لسماعه، إلا زمن الانتخابات، حيث صار مدارا لمعركة مصيرية كبرى يخوضها من تبقى من مناضلين قليلين زمن بن علي في وجه ما يلوح «تغولا» جديدا قادما على صهوة صندوق الاقتراع الرئاسي. تلك المواجهة المرتقبة يوم الأحد القادم والمفتوحة على كل الاحتمالات والتي يحشد لها بقوة، وتقدم أحيانا على أنها فرصة الأمل الأخير لإنقاذ الثورة والديمقراطية، لا تحظى للأسف الشديد بإجماع واسع داخل تونس وفي صفوف التونسيين لا على طبيعتها ولا أيضا على أطرافها ورموزها. «فالحقوقي الذي كان في الماضي من أنصار الحريات بات اليوم من حلفاء المتطرفين والميليشيات، في محاولة للحفاظ على هذا الكرسي»، يكتب مدير أسبوعية «أخبار الجمهورية» في افتتاحية نشرها الثاني عشر من الشهر الجاري بعنوان «تونس ليست بحاجة إلى «باي»، أي ملك منصب من قبل المتشددين أو من دولة اجنبية»، قبل ان يقدم للتونسيين نصيحة في صيغة أمر وهي انه «…على كل الديمقراطيين وانصار الدولة المدنية وحقوق المرأة والانسان والرافضين للدولة الدينية وللعنف والإرهاب ألا يمنحوا اصواتهم للمرزوقي، الممثل الأبرز للرجعية الحضارية والتحالف مع المتشددين». والحل دوما بحسب المصدر نفسه، لا يحتاج كثيرا من عناء الحيرة او التفكير «فلأن تونس وشعبها عانوا من اخطاء الترويكا ومن شبه إفلاس الدولة وبداية انهيارها، ومن الاوساخ والتهاب الأسعار وانتشار الأسلحة والإرهاب وتركيع وزارتي الداخلية والعدل، وتشغيل عشرات الآلاف من انصار الترويكا، خاصة النهضة حتى تسيطر على مفاصل الدولة، فإن أي مرشح من الترويكا لمنصب الرئاسة سيفشل من جديد… لكل هذا فإن التصويت لفائدة السيد الباجي قائد السبسي ضمان لانتعاش الدولة والتصدي للارهاب واستعادة الدولة لهيبتها وهو الكفيل بإعادة الروح والآمال الى الولايات المهمشة والمحرومة».
ما تقوله تلك الصحيفة ليس تجذيفا ضد التيار او خروجا عن نص عام تردده معظم وسائل الاعلام المحلية، في تناغم اوركسترالي دقيق ومحسوب، رغم بعض فوارق الصياغة والاسلوب. ففي بلد ما يزال يقطع خطواته الأولى نحو التعددية الفكرية والسياسية، وتقتصر منافذ المعرفة فيه بنسب كبيرة على قنوات التلفزيون وشبكات التواصل الاجتماعي، يسهل التلاعب بالعقول والضمائر وتوجيهها تحت ستار ناعم من الأوهام والمغالطات، نحو اختيار مسبق ومحدد وهو ما يحصل اليوم في تونس، إذ لا يتم التركيز على الافكار او مناقشتها بعمق وجدية، بل ان ما يشغل جزءا واسعا من الاعلام العمومي والخاص، هو مجرد استثارة غرائز الجمهور وتسجيل أرفع نسب المشاهدة او الاستماع بشتى الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة. والمثال الأقرب على ذلك هو الضجة المصطنعة التي خلفتها كلمة «طاغوت»، بعد ان جاءت في الخطاب الاخير للدكتور المرزوقي امام انصاره في القيروان، إذ تم تقديم الامر «كانزلاق لغوي خطير» او استخدام للغة والفاظ الارهابيين لتهديد خصوم سياسيين، بدلا من مناقشة المرشح الرئاسي حول برنامجه أو افكاره للقضاء على الفقر الذي يعاني منه مليونا تونسي والذي كان المقصود في الخطاب بوصف «الطاغوت».
اعتذر مدير الحملة الانتخابية للمرزوقي تحت ضغط الإعلام عما قال انه «خطأ واساءة للتقدير» لكن صاحب الخطاب برر استخدام اللفظ بانه «مرادف عربي للديكتاتورية»، وان استخدامه ليس حكرا على طرف معين. جهل لغوي فادح أم عجز عن ايصال الرسالة المكتوبة فضلا عن المشفرة لقارئ لم يعد يقرأ؟
لن يكون مفيدا في كل الحالات القاء المسؤولية على طرف دون آخر، أو الحديث عن «لعبة» إعلام تشتبك فيها مصالح لوبيات المال بطموحات أهل السياسة ومتاهة اتصال قد لا يعرف البعض كيف يدخلها، أو من أين يخرج منها، فالإشكال الحقيقي يظل رغم كل شيء منحصرا بالاساس في قدرة المناضلين القدامى ضد الاستبداد، مثل المرزوقي وغيره على ادارة الدولة وكسر احتكار طويل ومزمن لدوائر السلطة والقرار.
ما يعيبه المعارضون والخصوم هو ان التجربة القصيرة في فترة الانتقال الديمقراطي كانت اختبارا فاشلا بكل المقاييس «لهيبة الدولة» بعد ان عجز او اخفق «الرئيس المؤقت» في صونها والحفاظ عليها. تبدأ الهيبة في نظرهم بالشكل والمظهر وببروتوكول الرئاسة، الذي اعتاد المرزوقي كسره وتجاهله، ولا تنتهي تحت الغطاء الفضفاض والمبهم لتطبيق القانون بحزم وصرامة وسحق من يشتبه في انهم ارهابيون، بكل قسوة في ما يشبه الابادة الجماعية الشاملة التي لا تفرق بين مذنب وبريء.
الهيبة المفقودة نفسها هي التي يبشر باستعادتها حكام قدامى غيروا قشرتهم وخضعوا لعمليات تجميل لغوي قسرية وشاقة، حتى يصبحوا ديمقراطيين جددا يزاحمون وينافسون بقوة على أصوات شعب حكموه لعقود طويلة في السابق بعصا الاستبداد ولا يمانعون او يجدون حرجا في الاستمرار في حكمه الآن وغدا وحتى عقود جديدة مقبلة بجزرة الديمقراطية. يفعلون ذلك للتذكير بأنهم صالحون لكل زمان ومكان، وانهم مستعدون لكل شيء من اجل ألا تضيع السلطة منهم او تخرج من تحت سيطرتهم.
على الجانب الآخر لا يبدو ان المناضلين القدامى قد خرجوا تماما من قشرة النضال وصاروا قادرين على ارتداء البدلة الثقيلة الرسمية لدولة ما بعد الاستبداد. قد تعوزهم خبرة المستبدين السابقين في ادارة الدولة، مثلما يفتقد المستبدون ديمقراطية عاشوا وتربوا على العداء لها ومحاربة رموزها وقادتها. نضال لا يملك المهارة والدربة لقيادة دولة واستبداد لا يعرف الديمقراطية والحرية المطلوبة لاستمرارها على قيد الحياة تلك معضلة تونس ما بعد بن علي. معضلة قد لا يرغب الساسة في حلها او حسمها، لانها الوقود الحيوي لاستمرارهم في الوجود الرمزي والفعلي، رغم انهم فقدوا رصيدا غاليا وثمينا من ثقة الناس. فقد دنست صورة المناضلين وتحولوا الى طامعين ومقامرين من اجل الحصول على سلطة مغلقة المصالح والدوائر، وتطهر المجرمون الذين نشروا الخراب على طول البلاد وعرضها من آثامهم وأدرانهم ليصبحوا منقذين ومخلصين. لم ينجح المناضلون رغم كل الجهود في اقناع الناس بأن وصولهم الى السلطة هو ضمان لحرية وديمقراطية دفعوا مثل غيرهم ثمنا باهظا في السابق لانتزاعها، ولا أتقن المستبدون القدامى كذلك ادوار المخلصين والمنقذين لبلد خربوه طوال عقود طويلة من حكمهم. فاين يكمن الحل اذن؟ قد يكون باختصارشديد وببساطة بأن نحذر من الاستبداد ونقاومه، مثلما نصح الدكتور المرزوقي قبل اكثرمن عشرين عاما من الآن، ثم الاهم من ذلك بان نحول الديمقراطية الى عملة قابلة للرواج والصرف ومدرة للفوائد والارباح مادام الكثيرون داخل تونس يتساءلون بمرارة وبلغة السوق التي يفهمونها اكثر من كل اللغات الاخرى… خسرنا كثيرا من الاستبداد في الماضي، لكننا لم نربح شيئا الى الان من الديمقراطية المنتظرة والموعودة. ان تحقق ذلك تكسب الديمقراطية قطعا ويخسر الاستبداد بالضرورة.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية