الشعر في جوهره مساءلة قلقة للوجود، واستنارة تبدد عتمته، وتجعل من الأمكنة سبيلا لكشف حضور الكائن الشعري وإبراز فعالية الشعر، وقدرته على السفر إلى الأقاصي بحثا عن المشترك الإنساني، الذي يكشفه الإهداء الذي افتتحت به الشاعرة غادة نبيل عملها الشعري الجديد «هواء المنسيين» بوصفه بوابة لتشكيل فهم جمالي لمكونات هذا العمل الشعري، الذي نسج هويته خارج المألوف الإبداعي العربي؛ وهذا الإهداء يعكس بوضوح المرجعيات المعرفية والأسطورية المساهمة في تشكيل معالم هذا العمل على مستوى تكوناته البنائية وإنتاج الدلالة. وتتكون عناوين المجموعة الشعرية الموسومة بـ»هواء المنسيين» والصادرة عن دار شرقيات بالقاهرة من القصائد الآتية: «الرجاء، الأمنية، وردة طاغور، رجل الهيمالايا، أرض الرعود، السمرقندي، أغنية الميلاد، القابلة، نظرة السجين، محاولات متكررة لكتابة قصيدة صادقة». وهذه التجربة المتميزة تعد العمل الشعري الخامس في مسار الشاعرة المصرية غادة نبيل بعد دواوينها: «المتربصة بنفسها، كأنني أريد، أصلح لحياة أخرى، تطريز بن لادن»، ومتنها الشعري يكشف طبيعة الوعي الشعري لغادة نبيل المشبعة برمزية وجمالية لافتة توضح اختياراتها الجمالية المشيدة على المشاهدة، والكشف الأنطولوجي، والتوتر النفسي الحامل للتخييل الشعري، وللاشتغال الدقيق على الفضاء الزماني والمكاني، وإلى حركة التاريخ الذي عمدت الشاعرة على إعادة استحضاره ارتباطا بالعلاقة الوطيدة بين ذات الشاعرة وبين العالم الذي يتشكل في «هواء المنسيين»، وفق رؤية تجعل من الذات أساس العبور نحو شعريات مجاورة أو قصية، بعنفوانها وقوتها ولهيبها في الوقت نفسه. وكأننا أمام كتاب «الفيدا» الهندي المقدس وعلى نحو خاص «الريخ فيد» أو فيدا الأبيات بوصفها أناشيد لاهوتية طويلة تتسم بغنائيتها المفرطة. والشاعرة وهي ترحل بكثير من المحبة نحو تخوم هذا الرافد الثقافي، تكشف عن مسألة دقيقة في ديوانها «هواء المنسيين» ألا وهي مسألة الاعتقاد كمكون بارز موجه للتلقي، ومساهم في تشكيل المحتمل الدلالي، ارتباطا بهذا السياق الذي عبر تفاعل الذات الشاعرة معه عن واقعة تغيير دين الشاب الهندوسي وما ارتبط بحياة الشاب من جراء هذا التحول العقدي، لتنتقل الشاعرة بعدها للحديث عن البودرة وكأنها مقدسة، ولتقترب من المتخيل الجمالي الجديد على الثقافة الشعرية العربية، ونقصد بذلك المتخيل «الهندوستاني» تمييزا له عن المتخيل الهندي الذي يضم طوائف عديدة. ولعل الهدف من ذلك هو التأكيد على أهمية الإحساس بالحياة من خلال القول «الحياة لا تأتى مرة ثانية»؛ وهذا التوظيف الرمزي للحياة يجعلها في ثنايا عملها الممتد في مساحة تتجاوز مئة صفحة، تبحث عن أوجه متعددة للحياة ليس فقط كإمكانية للعيش بل كوجود متشابك نفسيا وتاريخيا واجتماعيا. وقد ساهمت القصائد الملتهبة في أشكالها التعبيرية، وأساليبها التوصيفية في إبراز فاعلية القصيدة ودفقاتها، وفي استثمار اللغة الشعرية وهي تنحو نحو السرد وتختزل داخل جسدها الرمزي دوائر دلالية متشابكة تتراوح في كل مكونات «هواء المنسيين» بين البعد الدلالي الملتبس بحكم طاقته التاريخية والمعرفية، وبين البعد الجمالي المرتبط بالبعد البصري لكثير من المجازات والصور الشعرية.
«كلما مشينا خطوة
نرى السلاسل
التى تربط أقدامنا
بالجبال
ولا نرى أقدامنا « ص 94)
التعبير عن الحدث لدى الشاعرة غادة نبيل يرتبط بالطاقة الإيحائية للصور الشعرية ولكثافتها الاستعارية، التي تجعل منها طورا طافحة بالألم الخلاق الذي يتجاوز دور الشكوى نحو الإدراك الجمالي للذات عبر قوة التخييل والدلالة النصية التي تستمد تكوينها من الجمل القصيرة. وفي قصيدة الرجاء المكونة من بيت يتيم تقول الشاعرة: «لا تمت قبل أن تنطق اسمي» )ص 11(.
يتحول الاسم هنا كدفقة حاملة للحياة، ومحملة بالتشفير الدلالي. في قصيدة رجاء تتواشج الدلالة داخل بنية صغيرة لغويا وكبيرة على مستوى المعنى المعبر عن الحدث، فضلا عن البنية الحوارية للمخاطب المتسم بالحضور، وللمخاطب المتسم بما يهدده وهو الغياب. وداخل هذه البنية التركيبية والصوتية تتبدى الذات الشاعرة في علاقاتها بالكائنات الشعرية التي تتحول بموجب الاستعارة إلى كائنات شعرية، كما هو الحال في قصيدة «وردة طاغور». وبموجب هذه الطاقة البلاغية ستتمكن الشاعرة غادة نبيل من إعادة كتابة أسطورة تاج محل الذي بناه الإمبراطور المغولي شاه جيهان لزوجته الفاتنة ممتاز محل. وستتمكن من الخروج من التجليات البصرية المنغلقة نحو فضاء أرحب، مادام الأمر يرتبط بالمشاعر الإنسانية النبيلة التي تبدد مجاهل الغامض في علاقتنا بتاريخ الآخر، سواء كان مغوليا أو هندوسيا.. أو.. لأن التخييل الشعري سيمكن غادة نبيل من تبديد مجاهل الحكاية وغوامض الحب الأسطوري، وكأنها امتلكت وسيلة لتخطي برزخ الزمن المنفي والمثبت، لينسج فضاء الحكاية عبر الألوان والحجر والحرية والموت والصولجان. والأهم عبر حوار السلم بين التعاليم الهندوسية وتعاليم الإسلام. مما جعلها قادرة على أن تخلق عالما موازيا يسمح لها باستنطاق الصمت؛ وكأنها كانت تنصت للشاعر الألماني إيكهارت وهو يقول: «الصمت هو تجميع لعناصر متفرقة». وبموجب ذلك ستعيد ترتيب العلاقة بين الذات الشاعرة والغيرية غير المكتملة.
الشاعرة تكشف شروخ التاريخ الإنساني، وتعبر في الوقت نفسه نحو جوهر هذا التاريخ عبر أساليب أقرب إلى العفوية والتلقائية، وعبر توظيف ذكي للتقنيات السردية في الشعر، وللحلم كوسيلة لتكسير الدلالات الاعتيادية للموت كمقابل للفراغ، فهو في قصيدة «الأمنية» بمثابة دافع قوي لتشكيل الحياة والعيش من أجل موت مشرف. والحياة رسم لما في ذهن الرجل الصوفي؛ لأنها في شكلها الجوهري حلم والموت تجسيد مثالي لهذا الحلم.
«رأى رجل
له سمتٌ قديم
حلماً
كان في الحلم
مروج وجبال عالية
نهر وشلال
رأى رهبان التبت
يدقون الحبوب
ويحركون عجلات الصلاة
ثم رأى
أنه مات» ص12.
لقد تنبهت الشاعرة إلى أهمية هذا المكون الثقافي العريق الذي يضم سير الفيدا واليوبانيشادا والزانداويستا والنيبلنجليد، وأعلام الشعر الهندي مثل كاليداسا وبهافابهوتي وكابير وتاجور، وقديسي الهند مثل كرشنا وبنتجالي. ولم ترغب في حصر تجربتها في منطوق التاريخ، بل البحث عن التجربة الخصبة كجزء من تجربة الشعر. وهكذا انتقلت الشاعرة غادة نبيل نحو مكون ثقافي رمزي مثقل بالحضور الأنطولوجي المجسد للتنوع الثقافي السالف الذكر. وفي الوقت نفسه كشف ملامح الجدة في شعرية تراهن على التحول. وهذا ما يفسر حرصها شعريا على انتقاء النماذج الناضجة التي تحمل تميزا إبداعيا في سياق النوع التعبيري الدقيق، وتأكيدا لهذه الخطوة الجمالية استدعت الشاعرة شاعر الهند الأكبر رابندرانات طاغور. وسعت في الآن نفسه نحو قصيدة تبتعد عن الشذرات الحكيمة التي قدمتها في بداية الديوان لتقدم قصيدة تناسب المقام الصوفي للشاعر الهندي طاغور؛ ونقصد بذلك الطاقة التي تميز منجزه الشعري، ويتعلق الأمر بالغنائية. جوهر الشعر لدى طاغور. فكانت القصيدة بكثافتها الدلالية وحضورها التاريخي وطاقتها الذهنية زاخرة بالمعطى الإنساني الخارج عما سماه ابن رشد «بالقوانين الكلية»؛ فلا قوانين محددة سلفا لتشكيل نشوة الشعر، وحالة جمالية قل نظيرها، وقدرة على الغوص في دواخل ذات شاعر يقيم في أبدية التاريخ والأدب.
وردة طاغور كشف للسلوك البشري ومتخيله الرمزي، ولتخطي الذات بمفهومها الفيزيقي نحو الذات في طابعها الرمزي، مادام الأمر يرتبط بالتأمل الحكيم.. وبالرغبة في وصول الكمال ارتباطا بشرط إمكان الوجود، وبذلك تحقق هذه الوردة قوتها الخلاقة ارتباطا بتراتبية دقيقة تتجه نحو النور مادامت القصيدة لدى غادة نبيل، وهي آلية تعبيرية وثيقة الصلة بالسياق التاريخي والإنساني، وهي من أجل هذا الطموح الجمالي تعيد نسج سيرة طاغور الخاصة إزاء تأسيسه لمدرسة ورثائه لزوجته.
«هواء المنسيين» يؤسس مشروعيته الإبداعية عبر الإرادة الواعية للذات الشاعرة. وعبر الطاقة التخييلية والتكثيف والانفتاح الواعي على الذاكرة، وعلى جغرافيات نائية بحثا عن الأثر الإنساني، كما هو الحال في قصيدة «رجل الهيملايا» الحافلة بجماليات الوصف، وبتوظيف السرد بسمات شعرية القائمة على الخرق الدلالي، وعلى الانزياح الذي يحقق قدرا من الشعرية المتداخلة والمتواشجة مع الوصف السردي. فالشاعرة تشيد علاقة جديدة بين الشعر والعالم، عبر رؤية تقدم صورا غير مألوفة للعلاقة بين الذات والعالم الذي يتجسد هنا في الهيملايا الشاهقة والنائية البعيدة عن حركية المجتمع. الهيملايا مكان الحكماء والراغبين في تعلمها عليهم تذوق مرارة تسلق قممها العالية. ودرجة التحام الصورة بالحياة توضحها القصيدة في كل مكوناتها ومفرداتها ولحظاتها الحميمية الموغلة على نحو مدهش في الماضي وفي الحاضر؛ هذه القدرة على الذهاب والغياب في الزمن الشعري جعلت الشاعرة تستحضر السينما عبر استحضار اسم «براد بيت» كوسيلة لحركية مدارات القصيدة التي بموجبها يمتزج الحسي بالتاريخي وبالجمالي.
«يحكى لي الحفيد
وهو يُعلّق أعلامَ الصلاة
على الهاوية بين شجر الهيمالايا
كيف شارك العم
اللواء آنج ببهيربا شيربا ـ
بدور ضابط محليّ
مع براد بيت « (ص 26 )
تحقق قصائد «هواء المنسيين» تنويعا لافتا في المواضيع، وحضورا للتفاصيل المادية والروحية، مع مراعاة الانسجام والقدرة على التوليف بين أطراف متباعدة زمانيا ومكانيا ارتباطا بالنسق العام المكونة للهوية الشعرية لهذا العمل الإبداعي. وتغدو القصيدة في الوقت نفسه، رصدا للتحولات السياسية والاجتماعية بشكل دقيق، وهو ما يبرر هيمنة المحكي السردي واستثمار التواريخ لمد الجسور نحو حقب مختلفة.
«جلس طفلٌ صغير على طرف سريري. وضع الطفل يده على يدي.لاحظتُ أظافر الطفل تطول. تحولت الأظافر إلى مخالب.غضبتُ. بدأت أخنق الطفل ثم فركت جسده ثم ابتلعته. استيقظت من النوم وأنا مازلت أبتلع الطفل»(ص35).
قصائد المجموعة الشعرية تبرز طبيعة الوعي الشعري لغادة نبيل وحرصها على الاشتغال على الفضاء الورقي (كيفية توسع الأسطر وتوظيف علامات الترقيم). والنصي من خلال التوازي العمودي واستثمار الهوامش كمكون للدلالة النصية ولهوية الشعر في «هواء المنسيين»، الذي يعد قولا في التاريخ، وانخراطا في الوجود المحايث للزمن الممتد في الماضي والعابر نحو المستقبل. إنه تفكير أصيل في الوجود الإنساني، وتأسيس جمالي لشعرية مفتوحة على آفاق رحبة مادام زمنها يجمع بين الشيء المعين وغير المعين على شاكلة العنوان الذي يجمع المضاف والمضاف إليه.
*غادة نبيل ـ «هواء المنسيين» ـ ديوان شعر ـ دار شرقيات ـ القاهرة ـ ط1ـ 2014=
*باحث من المغرب
محمد العناز