المخرج المصري خالد جلال يؤكد على أهمية الهوية في مسرحية “سينما مصر”

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”:ما زال المخرج خالد جلال يمارس هوايته المفضلة في اكتشاف المواهب وصقلها، ومنحها الفرص الكبيرة للإنطلاق في عالم التمثيل، ولذلك لقب بالجواهرجي. فقد اعتاد من خلال العروض المسرحية التي يخرجها، أن يقدم للوسط الفني مجموعات من الشباب الذين اكتشفهم ودربهم، ليصبحوا نجوما بعد ذلك، وهو ما حدث من قبل مع عدد كبير من المواهب الذين أصبحوا ملء السمع والبصر مثل بيومي فؤاد، ومحمد شاهين وياسر الطوبجي، ومحمد ممدوح ومحمد فؤاد وأمير صلاح الدين، ومحمد ثروت وغيرهم من النجوم الذين قدمهم على مدار السنوات السابقة من خلال عدة مسرحيات منها “هبوط اضطراري” و “قهوة سادة” و”سلم نفسك” وأخيرا مسرحية “سينما مصر” التي تعرض على مسرح النافورة، في دار الأوبرا المصرية. والمسرحية مشروع تخريج الدفعة الخامسة من استوديو مركز الإبداع والثانية تمثيل، وتضم 67 ممثلاً وممثلة، تدربوا جميعا في مركز الإبداع، بعد اختبارات دقيقة، يقوم فيها خالد جلال باختيار من يمتلكون الموهبة وينقصهم التدريب والفرصة ليمنحها لهم.

خالد جلال هو مخرج العرض وهو أيضا المؤلف، وقد اختار “سينما مصر” عنوانا للمسرحية، ذلك انه يمزج في هذا العرض بين السينما والمسرح، حيث يدخل الجمهور أثناء عرض مشهد سينمائي على شاشة عرض، من فيلم “الليلة الأخيرة” إنتاج 1963 من إخراج كمال الشيخ، سيناريو وحوار يوسف السباعي عن قصة الكاتبة الأمريكية مارغريت لين، تحت عنوان “to see A Stranger” ومن بطولة فاتن حمامة ومحمود مرسي وأحمد مظهر. وتدور أحداثه حول نادية برهان صادق، التي تعيش مع والدتها في اﻹسكندرية، وتعيش فوزية مع زوجها شاكر الذي تزوجته دون إرادة اﻷسرة، وتتعرف على صلاح محرم ويتفقا على الزواج. وفي يوم تجربة الفستان، تموت اﻷخت من جراء قصف اﻷلمان للمدينة أثناء الحرب العالمية الثانية في الأربعينيات، وتصاب نادية بفقدان الذاكرة، ويحاول زوج فوزية أن يوهم نادية أنها فوزية، وأن نادية هي من ماتت، وبأنها زوجته، وتقتنع فعلا إلى أن تستيقظ ذات صباح، وتتذكر كل شيء وتدرك أنها نادية وليست فوزية، لتبدأ رحلة نادية في البحث عن حقيقتها واستعادة هويتها المفقودة، رغم أن كل الظروف المحيطة تؤكد أنها فوزية، حيث نجح زوجها في إخفاء كل التفاصيل التي يمكن من خلالها معرفة الحقيقة، وشكل تفاصيل جديدة تؤكد إنها فوزية، حتى انه وضع اسم نادية على قبر فوزية، كما انه اتفق مع حائكة الملابس التي كانت تحيك ملابس نادية وفوزية على أن تؤكد لها أنها فوزية، إلا أن نادية لن تستسلم، وكانت تمتلك اليقين انها نادية واستمرت في البحث.

فكرة الفيلم

المشهد الذي يتم عرضه في البداية يضم نادية التي تصر على الاحتفاظ باسمها وشخصيتها الأصلية، والخياطة التي توهم نادية بأنها فوزية، وشاكر الذي اتفق مع الخياطة على خداع نادية، ويتم تكراره مرات كثيرة، أثناء دخول الممثلين وكأنه يريد التأكيد على فكرة الفيلم، حيث تؤكد نادية على ثقتها في إسمها وهويتها. وتشير نهاية المشهد على الاتفاق بين شاكر والخياطة على خداع نادية، مقابل أموال يمنحها شاكر للخياطة لتوهمها بأنها فوزية بالفعل، وانها تعاني من مرض نفسي هو السبب في شعورها بأنها نادية وليست فوزية، إلا أنها لا تستسلم.

الرمزية في العرض كانت واضحة لا تحتاج إلى تفكير، وهو ما كان يقصده خالد جلال من العرض، لتصل للمشاهد بسهولة مما يساعد على التفاعل مع العرض والانفعال به، حيث ترمز شخصية نادية لمصر، التي تتعرض لمحاولات تشويه، تسعى إلى فقدانها هويتها، وتبديلها بأخرى، لا تتناسب مع تاريخ مصر وحضارتها وفنونها، لذلك فقد اختار خالد جلال أن تؤدي شخصية نادية أكثر من ممثلة حتى يؤكد على هذه الرمزية، وكذلك شخصية شاكر زوجها الذي أداها أكثر من ممثل، فهو رمز لأصحاب تلك المحاولات المشبوهة، التي تهدف إلى إحلال هوية مغايرة لهوية مصر وشخصيتها، وترمز الخياطة والشخصيات التي استخدمها شاكر لخداع نادية إلى كل المستفيدين من تراجع مصر وتبديل ملامحها.

وتبحث المسرحية مع نادية عن هويتها أو بالأحرى هوية مصر، من خلال الدمج بين أحداث الفيلم، وعدد كبيرمن مشاهد الأفلام التي تمثل علامات في تاريخ السينما المصرية، فالسينما والفنون والثقافة بشكل عام من أهم مكونات الشخصية المصرية التي ساهمت في تشكيل هويتها التي يبحث عنها العرض، حيث اختار خالد جلال مجموعة من أشهر المشاهد في السينما المصرية عبر تاريخها، والتي تتلائم مع رؤيته للعرض، وتتناسب مع تطور عملية البحث عن الذاكرة والهوية، والتصدي لكل محاولات تزوير هذه الهوية. وكان الشباب يعيدون أداء هذه المشاهد على المسرح، بشكل يتطابق مع المشاهد الأصلية، ما جعل الجمهور يشعر بحالة من النوستالجيا والحنين للأفلام التي شكلت تكوينه وللفترات التي أنتجت فيها هذه الأفلام، حيث كانت مصر مزدهرة فنيا وثقافيا، وقد كان اختيار خالد جلال للممثلين في كل مشهد مناسبا له وللممثلين الأصليين، وشعر الجمهور أن الفنانين الكبار حضروا بالفعل مثل فاتن حمامة وشادية وعبد الحليم حافظ واستيفان روستي واسماعيل ياسين وزينات صدقي وهند رستم وماري منيب وغيرهم.

ديكور بسيط

وبعد عرض المشهد الافتتاحي من فيلم “الليلة الأخيرة” كان هناك استعراض حلاوة شمسنا، للثلاثي المرح من ألحان علي اسماعيل، وهو استعراض يتغنى بجمال الطبيعة والجو المصري مقارنة بكل بلدان العالم وهو أحد عوامل الجذب لمصر.

وبالتزامن مع هذه اللوحة الاستعراضية تستيقظ نادية داخل أحداث الفيلم لتتذكر هويتها بعد أن استعادت ذاكرتها المفقودة، وكأن مصر تتذكر شخصيتها وسماتها وملامحها الخاصة. وهو الإسلوب الذي اتبعه خالد جلال طيلة العرض، فمع كل مشهد من فيلم سينمائي محفور في ذاكرة المصريين تستعيد نادية جزءا من تاريخها، حيث يلي الاستعراض مشهد من فيلم “الناصر صلاح الدين” للمخرج يوسف شاهين، وهو مشهد علاج صلاح الدين لريتشارد قلب الأسد وهو في سرير المرض، ثم مشهد من فيلم “دعاء الكروان” عن قصة بنفس الإسم لطه حسين وإخراج هنري بركات، موسيقى أندريه رايدر وبطولة فاتن حمامة، ثم مشهد من فيلم “رد قلبي” حول تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة تموز/يوليو عام 1952 إضافة لمشهد المحاكمة الشهير لفيلم “جميلة بوحيرد” المناضلة الجزائرية المعروفة بطولة ماجدة وإخراج يوسف شاهين، وتستمر المشاهد من عدة أفلام مثل “شيء من الخوف” و”الزوجة الثانية” بطولة سعاد حسني وشكري سرحان إخراج صلاح ابو سيف، و”زقاق المدق” عن رواية نجيب محفوظ وبطولة شادية، و”بداية ونهاية” المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ أيضا إخراج صلاح أبو سيف، بطولة عمر الشريف وفريد شوقي وسناء جميل، و”الكيت كات” للمخرج داود عبد السيد بطولة محمود عبد العزيز وشريف منير، و”خلي بالك من زوزو” بطولة حسين فهمي وسعاد حسني، و”باب الحديد” بطولة هند رستم وإخراج يوسف شاهين.

لم يخل العرض من المشاهد الكوميدية التي تجسد خفة الدم التي تميز الشعب المصري عن غيره من شعوب الأرض مثل “ابن حميدو” لإسماعيل ياسين  و “عفريتة إسماعيل يسن” و”سكر هانم” و”سلامه في خير” و”غزل البنات” بطولة نجيب الريحاني وليلى مراد وإخراج أنور وجدي. ظهر إبداع الممثلين الذين اختارهم خالد جلال، في قدرتهم على التنوع خلال العرض الواحد، حيث قدم كل منهم مشاهد مختلفة بعضها تراجيدي وبعضها كوميدي وكانوا متمكنين في الحالتين، وان وقع بعض منهم في فخ التقليد في بعض المشاهد القليلة، ويمتلك كثير منهم أصواتا جميلة، استمتعنا بها خلال مدة العرض، فخالد جلال يجيد تقديم الموهبة ووضعها في أحسن إطار، كما يجيد الترويج لهذه المواهب، من خلال دعوته لكل صناع السينما والمسرح والدراما التلفزيونية لمشاهدة العرض، وهم يلبون الدعوة ثقة منهم فيما يقدمه خالد جلال دائما، حيث أصبح اسمه علامة جودة، لذلك فإنهم عند صناعة أعمالهم يكون في ذهنهم هؤلاء الفنانين الموهوبين الذين شاهدوهم يتألقون مع خالد جلال فيستعينون بهم في أعمالهم لينطلقوا إلى عالم النجومية والصفوف الأولى.

تتميز أعمال خالد جلال دائما بالديكور البسيط الذي يتلائم مع المساحة الصغيرة للمسرح، ولكنه رغم بساطته يؤدي الهدف منه، وينقل الأجواء للجمهور من خلال ديكور خفيف سهل الحركة، يتم تغييره بكل بساطة أثناء العرض من دون توقف وبدون ان يشعر الجمهور، كما يسمح للممثلين بالحركة في الظلام، ولا يتأتى هذا إلا بعد تدريب طويل يحرص عليه خالد جلال دائما قبل أي عرض.

 وينتهي العرض بمشهد تحاصر فيه الفتيات اللائي جسدن دور نادية الممثلين الذين جسدوا دور شاكر طيلة العرض، والفتيات يرتدين الزي الفرعوني، في تأكيد على الهوية والرمزية التي تحدثنا عنها، فيسقط شاكر على الأرض وتنتصر نادية “مصر” وتردد الفتيات اللائي جسدن دورها عبارة “أنت تعرف أنا مين، أنا لي أصل وحضارة”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية