في اليوم الثامن من شهر محرم 1218هـ/1803م، كانت قوات الأمير سعود بن عبد العزيز قد وصلت إلى تخوم مكة. قبل ذلك ببضع سنوات، بدا أن العلاقة بين حكام الحجاز (الأشراف) وأبناء الدعوة الجديدة في نجد هادئة ظاهرياً، بعد توقيع اتفاق يضمن للسعوديين أداء مراسم الحج، وترسيم حدود مناطق الصراع بينهما، بيد أنّ حالة الهدوء لم تستمر سوى لبضع سنوات، وها هي الأيام تمرّ لتتقدم القوات النجدية إلى المدينة. لم تكن دعوة السعوديين يومها دعوة سياسية وحسب، أو مجرد غزوة من غزوات العرب، التي حسب سعد الصويان كانت شكلاً من أنواع الرياضة التي مارستها القبائل في هذه المنطقة، بل كانت أيضاً دعوة تحمل في أبعادها أفكاراً للتوحيد الجغرافي والديني، ولذلك لم يضم جيش ابن عبد العزيز بعض البدو الغزاة وحسب، وإنما رافقهم مقاتلون/دعاة من آل الشيخ، الأسرة التي تحالفت مع أمراء الدرعية، وكست أحلام هؤلاء الأمراء بإطار وأفكار متماسكة، ومجددة في حينها.
وسيكون من بين هؤلاء الدعاة، الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، الذي لم يقتصر دوره على حمل العدة الشعائرية للدعوة الوهابية، بل سيكون له دور كبير في توجيه المقاتلين وقيادتهم، حينها كان قد تجاوز عقده الخامس بقليل، وقد تلقى العلم على يد والده لفترة طويلة، قبل أن يغادر إلى مكة والمدينة، طلباً للمزيد، ومما يذكره ابن بشر، أحد أهم مؤرخي الفترة السعودية الأولى، أنه كان يجلس بجانب الإمام سعود بن عبد العزيز، ويتولى القراءة في مجلس الدرس العلمي، كما يذكر المؤرخ السعودي المعاصر حمد العنقري الباحث في تاريخ مكتبات ومخطوطات الدعوة الوهابية، أن ابن الشيخ كان محباً للعلم ومصادره، وهذا ما بدا من خلال مكتبته التي عُدّت من أكبر المكتبات في الدرعية، وكان حريصاً على اقتناء أمهات الكتب، وتزويد مكتبته بها.
وقد جعل منه، هذا الحضور والقرب من دوائر الحكم، واجهةَ الأحداث المهمة التي شهدتها الدولة، كما يتضح من رسائله وردوده العلمية، ومنها الرسالة التي أنشأها عند دخول قوات ابن عبد العزيز لمكة 1803. فعند دخول المدينة، بدا له أن هناك لغطا كبيراً حول حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولذلك وجد من الضرورة الخوض في بعض الصور والأفكار الوهابية، والالتباس الحاصل حولها في جزيرة الإسلام الأولى، ورغم أن هذه الرسالة جاءت مختصرة، لكنها حملت الكثير من الدلالات عن رؤية الوهابيين آنذاك للآخر المسلم، وعلاقتهم بالواقع والبيئات المحلية التي دخلوها.
وانطلاقاً من هذه الأهمية، حاول البعض في السنوات الأخيرة نشر هذه الوثيقة المهمة (بدون تحقيق في الغالب) إما بشكل مختصر أو ضمن أعمال أخرى، وأحياناً عبر تقطيعها لأكثر من جزء، كما في مثال النسخة التي نشرها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ضمن مؤلفه الضخم الذي سماه «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» ولذلك سيندفع قبل سنوات قليلة المؤرخ السعودي عبد الله بن محمد المطوع/جامعة الملك سعود، إلى البحث من جديد في تاريخ هذه الرسالة وظروفها والنسخ المتوفرة منها، فبدلاً من وجود نسخة واحدة من هذه الرسالة، سيخبرنا هذا المؤرخ عن وجود نسختين، الأولى في مكتبة فهد الوطنية، والثانية مخطوطة في قسم المجموعات الشرقية في المكتبة البريطانية، وخلافاً لما يفعله عادة بعض المؤرخين من تفضيل نسخة على أخرى، سيحاول المطوع، الاعتماد على النسختين، أثناء تحقيقه للمخطوطة الأولى، وهذا ما سيلاحظه القارئ، الذي سيكتشف أيضاً أثناء قراءته للنسخة المحققة والهوامش، أنه ليس أمام وثيقة قيمة وجديرة بالقراءة والتأمل حول تلك الفترة المبكرة من حياة الوهابية وحسب، بل إنه كذلك أمام محقق ومؤرخ ذي مهارات ودقة عالية في التعامل مع النصوص والمخطوطات التاريخية.
في هذه الرسالة، التي نُشِرت قبل فترة عن دار جداول بعنوان «رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حول دخول مكة المكرمة / 1218هـ/1803 م» سنعثر كما ذكرنا سابقاً على فصول من رؤية الوهابيين آنذاك لدعوتهم، والأهم من ذلك ربما، أننا سنتمكن من خلال بعض تفاصيلها الاقتراب أكثر من مشهد اللقاء بين الوهابيين وعلماء مكة، وأيضاً موقفهم من التدين الشعبي وعادات وتقاليد المكيين، التي عادة ما صُوِّرت بشكل قاتم، في حين نجد في هذه الوثيقة، أن مواقف الوهابيين لم تكن بتلك القسوة، أو كانت تعبر عن تدين بدوي فقير، كما ذهب لذلك بعض الباحثين الحضريين، وإنما نعثر على مواقف قريبة ومدركة للواقع، وهذا ما نراه مثلاً من خلال رفضه إخراج الناس من دائرة الإسلام، مهما كبرت خطاياهم، وأيضاً موقفه من شرب القهوة، فهو لا ينهى عن هذا الأمر، بل يضع شروطاً جديدة حول شربها.
غزاة وهابيون
يذكر الشيخ في بداية الرسالة، أن معاشر «غزو الموحدين» قد دخلت مكة نصف النهار يوم السبت الثامن من شهر محرم سنة ألف ومئتين وثمانية عشر، ومما يلفت نظر المحقق هنا، أن الشيخ اختار صفة لأتباع الدعوة فسماهم بـ«الموحدين» وهذا أمر يستحق الانتباه لأنه جاء من أحد رواد الدعوة الأوائل. وعودة لرسالة الشيخ، نجده يؤكد أنهم لما دخلوا المدينة، قاموا وأحرموا بعمرة، وبعدها رفعت المكوس، وكسرت آلات التنباك (الأركيلة) ونودي بتحريمه، وأحرق مكان الحشاشين، والمشهورين بالفجور، ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعة، وعدم التفريق في ذلك، بأن يجتمعوا على إمام واحد، خلافاً لما كانت تسير عليه الأمور، إذ كانت الصلاة تقام سابقاً خلف أربعة أئمة، ويبرر الشيخ هذه الموقف من باب توحيد الكلمة، وتحقيق الألفة بين المصلين.
بعد هذه الإجراءات، يذكر الشيخ أنه رفعت لأهالي مكة الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد، وفي سياق شرحه لأصول هذه الدعوة يعود بنا، كما يفعل عادة غالب الأبطال التاريخيين، إلى البدايات (العصر الذهبي) ليمد خيط وصل عبر التاريخ، أو ليضفي طابعاً شرعياً على دعوته. ولذلك سنجد أنفسنا أمام المواجهات التي حدثت بين المشركين والنبي، ولعل ما يلفت النظر، ويتوجب الوقوف عنده، أنه لم ير في (المشركين) أصحاب رؤية لا دينية، أو عقلانيين لا يؤمنون بالأساطير والأديان (أصحاب رؤية تعليلية وفق تعبير محمد أركون في سياق حديثه عن أبي جهل) أو مجرد أشخاص لم تكن لهم اهتمامات بقصص الكون والآخرة، جاهليين، وهي سردية ستتعزز لاحقاً في خطاب الجماعات الدينية (وحتى العلمانية أحياناً) خلال القرن العشرين، بل يراهم خلاف ذلك، أصحاب إحساس وإرث ووعي ديني، «يقرون بأن الله هو الخالق.. الذي أبرزهم من حيز العدم إلى حيز الوجود، الرازق.. المحيي، المميت، المدبر لجميع الأمور» لكنهم حسب ما يذكر، توجهوا بعد ذلك إلى غير الله يدعونه من دونه.
وفي سياق تفسيره لهذا الموقف، يكرر الشيخ مواقف بعض المشركين الذين كان يقولون «ما توجهنا إليهم بالدعاء.. إلا لطلب الشفاعة عند الله» بل نجده يؤكد على أن المشركين كانوا يؤمنون بالله وحده في أسفارهم ورحلهم، و(لذا أخلصوا لله في الشدايد ونسوا ما يشركون، كما قال تعالى: «فإذا ركبوا في الفلك» أي السفن السائرة في البحر، «دعوا الله مخلصين له الدين» كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يتذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه لعلمهم.. فلما نجاهم إلى البر إذ هم يشركون، ناجأوا لمعادة الشر).
وفي سياق موقف دفاعي كما ذكرنا، خلافاً للصورة الدرامية بوصفهم غزاة عنيفين، يؤكد «إنّا لا نرى سبي العرب، ولم نفعله.. وأما ما يكذب به علينا.. بأنّا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح.. وأنّا لا نعتمد أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب.. وأنّا نكفر الناس على الإطلاق».
وبعد تقديمه لهذه الصورة الجديدة، وغير المألوفة عن المشركين، سيذهب الشيخ إلى توظيفها في سياق مقارنتها بموقف من يدعوهم بـ«مشركي زمنه» إذ يؤكد «أن المشركين في زمن النبي أخف شركاً من عقلاء مشركي زماننا، لأن أولئك يخلصون في الشدائد، وهؤلاء يدعون مشايخهم في الشدة والرخاء والله أعلم». وعلى الرغم من أن هذه المقارنة قد يراها البعض دليلاً حيال جوهر الوهابية (العنيف/ الإقصائي) تجاه معتقدات الآخر المسلم، لكن من يسير قدماً في قراءة الرسالة، قد يحتار ويتشكك حيال هذا الموقف الصلب، وما إذا كان قد انعكس فعلياً على الأرض، إذ يُخيّلُ لنا من خلال الحجج والمواقف التي يأتي على ذكرها لاحقاً، أن مقارنته السابقة لم تكن تعبر في تلك اللحظة بالذات عن محاولات لصناعة واقع ديني آخر، أو محاولة لتهميش الآخرين وتكفيرهم، بل كانت أقرب ما تكون للرؤية المثالية، وهي رؤية عادة ما تتسم وتنطلق منها كل الحركات الدعوية/ الدينية، وحتى السياسية، ولعل ما يدعم هذا الاستنتاج، أن الشيخ سيبدو في كلامه اللاحق عن «مشركي زمنه» أكثر ليونة وهدوءاً، خلال حديثه عن علماء مكة وعاداتهم، كما نراه في عدد من أوراق الرسالة لا يقف موقف الغازي، الذي بإمكانه فرض شروطه، بل نجده في موقف المدافع والمصحح للصور المغلوطة والسلبية حيال أفكار والده. فعلى صعيد أفكار الصوفية وتقاليدها، يؤكد ضرورة عدم إتلاف شيء من المؤلفات أصلاً، إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك ككتاب «روض الرياحين في حكايات الصالحين» لمؤلفه عبد الله بن أسعد اليافعي المتوفى سنة 768 هـ ، كما يؤكد «أننا لا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادة، لا حال الحياة، ولا الممات» وبذلك نجده هنا لا يتبنى موقفاً إقصائياً من الصوفيين، بل هو موقف مشروط، وهو بذلك يختلف عن مواقف «الفتاوى الحربية» التي عبّر عنها بعض الجهاديين في السنوات الأخيرة حيال أفكار الآخر المسلم، والتي كما يقولون جاؤوا ببعضها من كتابات الدعوة الوهابية، وهي مفارقة سيلاحظها المؤرخ الأمريكي ديفيد كومنز صاحب كتاب «الدعوة الوهابية» الذي وجد أن الإشكاليات التي طرحها الجهاديون حيال عقائد الآخرين وتبرير قتلهم، لم تكن مطروحة بهذا العنف في التاريخ الاجتماعي الوهابي، وأن الوهابية ورغم محاولاتها خلق صور تدين أكثر التزاماً، لكنها في المقابل لم تقدم نظرية شمولية ثورية، كما فعل بعض الإسلاميين (فكرة الجاهلية) ثم الجهاديين المعولمين في العقود الأخيرة.
موقف دفاعي
وربما ما يدعم هذه القراءة الكومنزية هو موقف الشيخ من موضوع التكفير، إذ يرى «أن من فعل أنواعاً من الكبائر، كالقتل للمسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك: ولا يخرج بفعل ذلك من دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحداً لله في جميع أنواع العبادة».
وفي سياق موقف دفاعي كما ذكرنا، خلافاً للصورة الدرامية بوصفهم غزاة عنيفين، يؤكد «إنّا لا نرى سبي العرب، ولم نفعله.. وأما ما يكذب به علينا.. بأنّا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح.. وأنّا لا نعتمد أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب.. وأنّا نكفر الناس على الإطلاق» وعلى الرغم من تأكيده ورعايته قرار هدم بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا الصوفية، إلا أنه يعود مرة أخرى ليؤكد على موقفه التصالحي من خلال الحديث عن اقتنائه واعتماده على كتب ابن حجر الهيتمي، وهو فقيه شافعي أشعري العقيدة، وله ميول إلى التصوف، كما يذكر في سياق تقديمه لصورة أخرى عن الوهابية، إنهم ورغم نهيهم عن البدع المتخذة ديناً وقربة، لكنهم في المقابل لا يبدون أي اعتراض على البدع الأخرى غير الدينية، مثل شرب القهوة، وفي هذه المسألة نرى من الشيخ موقفاً أكثر اعتدالاً، وأكثر تفاعلاً مع ميول المجتمع، إذ يبدو من خلال هذا التسهيل أن القهوة غدت خلال تلك الفترة في مكة المشروب الاجتماعي الأول، وهذا ما حدث في دمشق خلال القرن الثامن عشر أيضاً، كما لاحظ ذلك سامر عكاش في سياق قراءته لعلاقة الشيخ النابلسي بالقهوة، ولذلك يبدو أن الوهابيين قد أدركوا هذا المعطى، ولذلك لم يحرموه شريطة ألا يخلط به شيء، وهو بهذا الموقف (الشيخ) كان يعكس حيويةً في النص الوهابي مقارنة بالمواقف التي حرّمت القهوة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وربما ما يدعم هذه الحيوية أو التصالح مع بعض عادات المجتمع الحجازي، جواز الشيخ بدف العرس، انطلاقاً من قول الرسول الكريم «ليعلم اليهود أنّ في ديننا فسحة» فكيف الحال إذا كان الأمر متعلقاً بمسلمين لم يوافق على إخراجهم من الملة.
وفي نهاية رسالته، يبدو أن الهم اليومي بقي يشغل الشيخ أكثر من الدعوة بوصفها تعاليم وأفكارا، لذلك يؤكد أنه لم يقم بمراجعة هذه الرسالة «فأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من الغزو» في إشارة لمشاركته في شؤون الجيش وترتيب الأمور في مكة، وكأنه بهذه العبارة يُظهِرُ أن الوهابيين لم يكونوا مجرد دعاة مثاليين/طهرانيين،، بل كانوا في سلوكياتهم أكثر دنيوية وعملية، وقرباً من الواقع وأزماته، وربما هذا ما مكنهم لاحقاً، وليس لنجاح حلفائهم السياسيين وحسب، من توسيع نفوذهم داخل المجتمعات المحلية في الجزيرة العربية.
٭ كاتب سوري