شعراء فلسطينيون يتحدثون عن طه محمد علي: الشاعر الذي مشى ضد التيار!

حجم الخط
0

رام الله – توفيق العيسى: ‘جاءنا بعد الفي سنة، شاهدا على صلب المسيح’، شاعرا وقاصا بطرافة الفلاح وبساطته، أرخ للحكاية ‘وضحك على ذقون القتلة’ عندما قدم لهم طعامه بيد وكتب هجاءهم باليد الأخرى.

متناغما مع تفاصيل المكان ومتماهيا مع أرضه وأمثال شعبه ببساطتها وحكمتها وسخريتها، مثل الشاعر – الراحل حديثا- قيمة شعرية تتعدى الجمالية إلى التجديد والحداثة قبل أوانها.

الشاعر طه محمد علي ابن قرية صفورية المهدمة، للحديث عنه استضفنا عددا من الشعراء ليقدم كل منهم شهادته، – وكعادتنا دائما ـ بعد فوات الأوان.

وعما يمثل في الحالة الشعرية الفلسطينية يقول الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب الفلسطينيين الشاعر مراد السوداني: ‘لقد كان الراحل الكبير صوتا استثنائيا في المشهد الثقافي الفلسطيني، يحمل الحنين الى اخره موغلا في تفاصيل صفورية المكان والمكانة حتى صار عاشقها الكفء ومجنونها الاتم.. يقف على اطلالها ويفضح الوجه القبيح للعدوالصهيوني الذي استبدلها بمستوطنة من الغرباء، لقد اعلى الجماليات ودافع عن الحق والحقيقة الفلسطينية بلغة بسيطة ثقافيه كان يسرد حكاية شعبنا ومعاناته ويورد التفاصيل عبر ارث ابداعي يستحق الدرس والمراجعة والتعميم.

يشكل الراحل الكبير علامة فارقة في الشعر الفلسسطيني والعربي بما حققه من تميز وفرادة في قصيدته وومضاتها وقصصه وسردها الكاوي تفاصيل كثيرة ويوميات وهوامش عارمة نجدها في ثنايا القصائد والمتون السردية لحكاء الوجع والحنين.. انه صاحب صوت مختلف وتجربة وافرة لها علينا الانتباه والوفاء’. أما الشاعر والناقد فيصل قرقطي فيرى أن الراحل الكبير طه محمد علي هو شاعر فاته بريد الشهادات، او هو الغريب كصالح في ثمود، عراف القصيدة، كان يعيش لسنوات في محراب صمته، كأنه ورث العزلة الكونية.. في زمن لا يقدر فيه الشعراء والمبدعون كما يجب.. وليس أبلغ من وصف له بأنه هو الرائي وذاك الرائي الذي قيض على عنق المأساة الوطنية الفلسطينية منذ يفاعة شبابة حتى كهولة صوته.

ويضيف قرقطي انه الشاعر الذي مشى ضد التيار منذ شبابة كأنه كان يتنبأ لنص قصيدة النثر مستقبلها الحتمي، اذ شكل مع رفيق دربه الراحل ميشيل حداد مرجعية قصيدة النثر الفلسطينية بامتياز.

من هنا اجد شاعرنا الكبير الراحل توا رائدا اولا أو ثانيا الى جانب الشاعر الكبير ميشيل حداد ابن مدينة الناصرة.. فهذا الثنائي الذي بدأ بكتابة قصيدة النثر منذ خمسينيات القرن الماضي.. أي قبل أن تكمل قصيدة التفعيلة دورتها.. يستحق الريادة لقصيدة النثر الفلسطينية التي حالها كحال الحركة الشعرية الفلسطينية عامة لم تلق اهتماما لائقا من قبل حركة النقد الفلسطينية والعربية على السواء. انه شاعر عاش النكبة والنزوح مثلما عاش الغربة في وطن هو وطنه.. أما الشاعر نجوان درويش فيرى أن شعر طه، في بعض مناطقه، هو المرثاة الفلسطينية الأشد قسوة. وفي مناطق أخرى، تترعه حكايات طفولته وسير أهل صفّورية، شعر يطفح بدعابات معصورة من حياة شقية. شعر طه يجمع باقتران نادر ثقافة شعرية عالية مشغولة مع أداء عفوي يبدو كأنه عفو الخاطر. يجمع جرأة وطليعية في استعمال اللغة وتناول المواضيع مع ذلك الاطمئنان والاقتدار والمعرفة بالأصول التي تسمّى الأصالة. شعره محلي بالمعنى الإيجابي للكلمة، وخلف اللغة الشعبية والأجواء والتعبيرات ‘البلدية’ يكمن الشعر الرفيع والمعالجات التي تجعل قريته ‘صفورية’- فردوسه المسروق منذ 1948- مسرحاً لعرض ملهاة الإنسان ومأساته أمام صخب العالم وعنفه.

الشاعر جمعة الرفاعي الذي قدم شهادة شخصية حول قراءة شعر طه فيقول ‘تشعر وانت تقرا لطه محمد علي بألفة العبارة وغرابة التشبيه وهذا احد اسرار الجمال في نصوص طه الشعرية، كأن الشاعر كان يكتب ذواتنا التي عجزت عن اصطياد المعاني، فالتقطها وقولبها في انساق شعرية؛ انه يشبه حرف النون عند حسين البرغوثي حين قال ‘هل تعلم ان النون في وسط انا هي بداية ونهاية نحن’. ويضيف الرفاعي ‘فعلاقة طه محمد علي بالمكان علاقة سيميائية وعلاقة حنين مستمر تصل جماليتها درجة المحنة من فرط الالتصاق به، لهذا كانت صوره مستمدة من مكونات المكان، الحجل والخبز والموقد والزعفران والزعنر والحقول والجدائل وطائر السمان والنبع والزيتون والسنابل واللوز والعنادل؛ حتى الانثى في اشعاره ليست سوى ذاكرة لتوثيق وتثبيت الحق فكان يحاور المكان من خلالها وربما كان اغتصاب المكان من قبل العدو حافزا كي يقصد الشاعر تفكيك ادعاء العدو بامتلاكه من خلال توثيق الاصل، فكانت الصورة مركبة من قطبي المكان والمقاومة’. في قصيدته ‘عبد الهادي الأهبل’ يرسم الشاعر شخصية كانت مثار جدل بين بساطتها أو سذاجتها، فهل عبد الهادي الذي ‘لو رأى المارينز لقدم لهم البيض المقلي’ كان ساذجا إلى هذا الحد أم أنه كان يدين الاحتلال بطريقته الخاصة؟

يجيبنا قرقطي ‘هذا سؤال يفتح عيني مجددا على الثيمات التي حددت شعر المقاومة الفلسطينية قبل نصف قرن وأنا اسخر منها الان.. لأن فعل المقاومة في النص الشعري كان قبل نصف قرن محددا، بل وضمن قوالب جاهزة.. ولم تهتم هذه القوالب انذاك لطرائق وأبواب مقاومة من نوع انساني، أليس الاهتمام بالارض وشجرة الزيتون هو شكل من أشكال المقاومة؟! أليس الاهتمام ببتلة الورد في فيرندا بيتك هو شكل من مقاومة الاحتلال؟!

أما بالنسبة لقصيدته ‘عبد الهادي الاهبل’ فانه من خلالها كان يرمي الى واقع فلسطيني.. وعربي متهتك الوعي.. ومن خلال هذا التهتك نستطيع ان نرى تأخر حل القضية الوطنية الفلسطينية وهذا ما اكدته حركة التاريخ التي جاءت من خلال ثورات الربيع العربي، تلك الثورات التي فضحت ارصدة بعض الحكام العرب وكم كانت القضية الفلسطينية منهوبة مثلما كانت شعوب هذه الانظمة منهوبة أيضا.

ان أيما نص شعري لشاعرنا طه محمد علي يغري بتعدد القراءات وهذا التعدد هو الذي يعطي هذا النص الخلود وما عدا ذلك هو كلام مكرور لا يغني ولا يسمن.

لذلك فعل المقاومة في النص الشعري غير مرتبط بالمفردات.. بقدر ما مرتبط بشعرية عاليه وكثيفة تمتح ثيمات افكارها وجملها من مفردات الحياة المعاشة وتفاصيلها الوجودية. لذلك وصل الحال بشاعرنا الراحل الى ان يهجو أرض فلسطين لا كرها! بل حبا مركبا، كان يتعاطى مع الارض الفلسطينية، أي الوطن فلسطين كحالة واقعية مجسدة، ملموسه في ثنايا اضلعه وقلبه بذلك كان يخاطبها ماديا في شعرة. وبذلك هو انزل قصيدة النثر من مولدها التاريخي، الى مولد جديد واقعي وملموس وعصري بامتياز’. ويجيب درويش بقوله:’في جميع الأحوال شعر طه محمد علي يدين الاحتلال ويؤكد تمسك اللاجئين بأرضهم المسروقة، فكل قرية محتلة ومهجرة هي ‘صفّورية’. صحيح أنه أحياناً كان يتقمص شخصيته الشعرية ‘عبد الهادي الأهبل’ وقد يكون فيه بعض ملامح هذه الشخصية، وربما تجد مآخذ سياسية على نوع الخطاب الذي قدمه وبعض مشاركاته هنا وهناك، ولكنه في العمق ووراء طبقات الطرافة والفلكلورية شاعر مقاومة، حفظ ذاكرة القرية فلسطينية مسروقة ووضعها أمامنا نابضة بناسها وحكاياتها. بالنسبة إلي كان الرجل بشعره وبسيرته وقامته المنحنية مثل شجرة أثقلتها السنين جزءاً من جغرافية فلسطين’. وبكون الشاعر من رواد قصيدة النثر في فلسطين كما يخبرنا الناقد فيصل قرقطي في ما سبق من حديثه فهل كان هذا هو سبب تعلقه بالماغوط إلى حد اتهامه بالماغوطية أو وصفه بها؟

وعودة لقرقطي فيقول: ‘من العسير ان أحدد هذا الأمر أو أعترف به لأن أمامي شاعرين كبيرين كل له مدارة وحتى لا اظلم روح شاعرنا الكبير الراحل الان فانني لا أعتقد أبدا أن شاعرنا قد تأثر بالماغوط.. بل على العكس تماما.. لما لا نطرح السؤال معكوسا إذا كنا نريد ان نبحث في مصادر الرجل؟ انه تأثر بالفيلسوف بسخرية الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وكذلك بسخرية ابي العلاء المعري.

حسما للامر قد تكون مصادر التأثر مشتركة بين الشاعرين لإن كلاهما أثر في أجيال.. روحا وشكلا بالنسبة لقصيدة النثر.

ان شاعرنا الراحل كان يقرأ بعيني نسر وهو واسع الاطلاع رغم تعلمه الاكاديمي المتواضع لكنه ثابر على صقل روحة الشعرية وثقافتة الشمولية متعددة الاتجاهات واللغات. وبذلك كان الشاعر الرائي.. المطبوع، أي الشاعر الذي يقطف من الوردة سرها ومن القرية نبضها ومن الوطن دالية العنب.

انه ظاهرة شعرية ظلمها النقد الفلسطيني والعربي على السواء.. ويخطئ من يصنفونه انه تأثر بالماغوط لأنهم لم يلقوا نظرة على مصادر الشاعرين. رغم ان تأثر شاعرنا بالماغوط لا يقلل من قيمته أبدا.. مثلما ان تأثر الماغوط بشاعرنا.. لا يضيره ابدا أيضا.

لكني أميل الى ان كلاهما رائد بامتياز لقصيدة النثر مع تفاصيل خاصة يتمتع بها كلاهما.

الصورة الشعرية عند شاعرنا جارحة أحيانا.. ويتيمة.. مثلما هي تقشفية.. لكنها عنيدة في تأطير صورتها التي ترتهن الى ذكريات الماضي بكل أبعاده التاريخية والميثيولوجية.. والواقع.. والحاضر.. بل والمستقبل.. انها صورة جارحة.. تنبني في أتون مجمر حطبه من الماضي السالف.. والحاضر المعاش.. والمستقبل الآتي.

لذلك هو شاعر الوطن.. والحب.. والأمل. ربما يأتي يوم ينصف فيه نقديا الشعراء الفلسطينيون بدل تجاوزهم.. ببله اجوف.

في اتصالنا مع الشاعر مراد السوداني حول مشاركته الحديث حول الشاعر طه محمد علي قال لنا ‘طه شاعر مظلوم فأنصفوه’ وللتعرف على ظلم الشاعر بادرنا السوداني عن سبب هذا الظلم والظالم فأجابنا: ‘طه محمد علي شاعر مظلوم بامتياز اسوة بجمرة الاسماء العالية التي كان قدرها ان تعطي وتضيء وتمنح عطاياها الشعرية والقصصية.

بما يليق بهذه الفلسطين.

فثمة من الشعراء والمبدعين من لا يحسنون تقديم أنفسهم وطه محمد علي واحد من هؤلاء الذين طالما حفروا مجرى ابداعيا وثقافيا بصمت وفعالية بعيدا عن الاضواء.. اما دائرة الثقافة والاعلام في م.

ت.

ف فهي منذ اوسلو وحتى اللحظة وهي مختطفة في يد مقاول الثقافة والاعلام في المنظمة الذي تعنيه شريحة بعينها من الكتاب والادباء ويغدق على من يريد بالطريقة التي يريد والجائزة التي يريد، من هنا فلا مكان لطه محمد علي وغيره في قاعة الدائرة التي هي غائبة عن اداء واجبها.

ودائما نتذكر ـ ان فعلنا – مبدعينا بعد رحيلهم اما آن ان تخجل من تقصيرنا قليلا وهذا برسم الجميع’. ويعلق قرقطي بقوله ان تصدع الروح في الغربة ينتج نصا منزاحا الى الوجع الانساني على نحو ما، لذلك هو ذهب في نصة الشعري الى مناطق متعرجة.. ومتفردة.. مناطق لم يسبقه احد اليها، لأنها مناطق عاشها بكلية احساسه.. وعضت انيابها جلد روحه، ولو ان هناك ثمت حركة نقدية فلسطينية جادة، وليست مراهقة.. لأعطت هذا المبدع الكبير، وكذلك المبدعين الاخرين حقهم.. لكن النقد الفلسطيني ما زال يراوح بين استعراضية هشة.. وبين تشابك مصالح علائقية فاسدة! وإلا ما معنى تجريد فلسطين من شعرائها الكبار نقديا ولم يتم الا انصاف اسمين أو ثلاثة على ابعد تقدير؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية