تحقق كائنات الحداثة استمراريتها في مراكزها العالمية الكبرى، عبر تفاعلها الدائم مع توتراتها الداخلية، الناتجة عن عنف الازدواجيات المصطخبة في دواخلها. والقول بالتفاعل هنا، لا يحيل بالضرورة على الجانب الإيجابي والبناء منه، بقدر ما يتضمن الإشارة إلى ردود أفعال، تكون على درجة كبيرة من الملحاحية، التي تستدعي للحسم في إشكاليات، قد تتعلق بالقيم الإنسانية والحضارية، أو ببراءات ابتكارات مادية أو رمزية، من شأنها استحداث انقلابات جذرية لا متوقعة، في هذه المنظومة أو تلك.
ولعل أهم ما تتميز به ردود الأفعال هذه، قابليتها المنقطعة النظير للانصهار الفوري واللامشروط، في صلب الإشكاليات المحفزة لها، من أجل التعجيل بتجديد أنساقها وتحديثها، بصرف النظر عما يمكن أن تؤول إليه عملية التعجيل هذه من تداعيات.
إن مبدأ التوترات الداخلية المتحكمة في حركية المراكز الغربية ككل، هي في الواقع التعبير الضمني عن هوس غامض بلعبة تفجير المنظومات في أفق البحث عن إبدالات جديدة لها، عبر التحويل الآلي والقسري لمساراتها. ما يعني حتمية شروعها في وضع توصيفات جديدة لتوجهات العالم واختياراته، ولو كانت على حساب تأجيج ما يكفي من العنف المغتبط بمراكمة المزيد من ضحاياه. وطبعا ستكون ثمة أكثر من إمكانية «موضوعية” لتبرير لعبة النسف، عبر الاستثمار العدواني والمبيت للأعطاب المادية والرمزية، التي تزخر بها ذاكرة الشعوب المهمشة. وفي هذا السياق، سيكون للحكي أن ينكب على حفر ما يكفي من جداول المحن والمرارات. ذلك أن المراكز الغربية، واستنادا إلى إرثها الاستعماري الكبير، دأبت على تطوير علاقتها الفيتيشية بهوامش العالم، بعد أن وجدت فيها الفضاء الملائم لتطوير كفاياتها الاستغلالية، كي تأخذ شكل استثمارات «مشروعة» لا تدع للملاحظ أي مجال للتشكيك في مصداقيتها ونزاهتها. بمعنى أن المراكز ذاتها، كانت وستظل، تدين لهذه الهوامش، بأهم ما تحققه من مكتسبات على جميع الأصعدة. اقتصادية كانت، علمية أو ثقافية. ما دامت تتعامل معها بوصفها مختبرات نموذجية، لتنفيذ منجزات، يتكامل فيها الأفق البنائي مع نقيضه التدميري.
وهذه المختبرات العملية والمستباحة، مفتوحة على الهواء الطلق، لممارسة كل انواع التجارب المابعد علمية والمابعد حداثية، أي تلك التي تستهدفك بالتعايش السام والتفاهم القاتل تماما، والذي ليس لك معه سوى أن تتقبل فناءك الوشيك والمحتم، عن طيبة خاطر.
هي مختبرات تكتشف فيها هذه المراكز، حدود قدرتها على الاستهتار بالقيم الإنسانية وبمدوناتها الحضارية، بدون أن يساورها أي إحساس بالخطر أو الندم، مادام تواجدها الجغرافي بعيدا عن مضاربها، يجعلها أكثر اطمئنانا على أمنها الذاتي، خاصة حينما يتعلق الأمر بمخاطر القطاع العسكري. إنها أيضا الاستوديوهات المفتوحة على كل الاحتمالات اللامتوقعة، كما هي التعبير الرمزي عن الرحابة المعدة بسخاء لتفجير طاقات اللاعقل واللافكر، وكل ما يندرج ضمن خانة فائض الجنون الذي تنتشي المراكز ذاتها ليل نهار بتصريفه. من هنا يمكن اعتبار الهامش الحضاري ككل، فضاءها المثالي، الذي تتخلص فيه من سلطة الرقابة الإقليمية والدولية، كي تستمتع بممارسة كل أنماط الحماقات الكفيلة بتجديد دمائها الز قاء. وهي الممارسة المندرجة ضمن ما يتعارف عليه بالفوضى الخلاقة، المؤثرة بشكل مباشر في إحراق شرنقة العقل، وإحراق شرنقة الامتثال لقوانين الصيرورة الحضارية. وكما هو واضح، فإن الفوضى التي تعنينا هنا، هي بمثابة الرحم الاستثنائي، الذي يسمح للمراكز باختلاق استراتيجيات جديدة، يتم تقعيدها أولا بأول، من أجل تفريغها في قوالب تتحول تدريجيا إلى قوانين، وإلى أسس موضوعية تعتمد في توسيع مساحة نهب الهوامش وتركيعها.
وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المقولات والحقائق والمنظومات التي تتناسل يوميا حول هذا الإرهاب الجديد، الموغل في عدوانيته، يكفي أن نستشهد بكرة اللهب التي ألقى بها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية مؤخرا، وهو يعلن لساكنة المعمور، بأن الجائحة الحالية «لن تكون الأخيرة».
وتحضرنا هنا ظاهرة «الإرهاب» التي تم تصنيعها في قلب هذه الهوامش، باعتبارها المنتوج الأكثر تداولا، الذي استفادت المراكز من مردوديته السياسية والإعلامية، لعدة عقود خلت. ما ساهم في ارتفاع أرصدة امتيازاتها الهيمنية إلى أبعد مدى، حيث عمت فوبياه سوق المعاملات المركزية، إن لم نقل، إن الفوبيا أمست في حد ذاتها سوقا فعلية تعرض فيها التشوهات السياسية والاقتصادية والثقافية بضاعاتها الفاسدة. وفي اعتقادنا أن التجذر الراسخ للعنف الهيمني في مفاصل المراكز الغربية، يكشف عن حقائق جوهرية، تتخفى في تضاعيف العلاقة الملتبسة التي تربطها بهذه الهوامش، إنه نوع من الرعب الكامن في اللاوعي، والناتج عن الاستعادة الضمنية للعنف الاستعماري، الذي كانت تمارسه المراكز على هوامشها /مستعمراتها. وبتعبير آخر، إنها كوابيس الخوف من احتمال يقظة فعل الانتقام التاريخي. أيضا، هي الذاكرة وقد غدت مهددة بانبجاس تفاصيل أزمنة الإهانات، تلك التي لا يمكن أبدا إغراقها في بحار النسيان الطافحة بتموجات الحداثة. هكذا إذن أصبح الإرهاب بموجب ذلك، اللازمة الثابتة في مختلف الأحاديث والخطابات الإعلامية الرائجة، وبتناغم تام مع الخطابات الموازية، الموهمة بجدوى احترام الآخر، وتكريس فضيلة التعدد والاختلاف، بما يقتضيه ذلك من تشريعات مؤسساتية وقانونية معترف بها عالميا. في حين، ليست هي على مستوى الواقع سوى مناورات تلزم الآخر، أكثر مما تلزم الداعين إليها، حيث يتم فرضها بالقوة كلما استشعرت المراكز الكبرى ضرورة ذلك، أي بموازاة احتمال تعرض مصالحها القومية إلى خطر ‘خارجي ما. ومن المؤكد أن الإمعان في اللعب بهذه الأقنعة، لن يفلح في تبديد الكراهية الدفينة تجاه الآخر، وقد غدا شبحه جاهزا للانفلات من حنجرة القمقم.
بهذا المعنى، يكون الإرهاب بمثابة الغطاء الشرعي الذي تعتمده أجهزة الإقصاء المركزي، في إعادة ترتيب مكونات مشهدها. تحت ظل رؤية، تحرص على أن تكون مؤطرة ومكيفة بقناعاتها العقلانية، باعتبار أن مراعاة الجانب العقلاني، تندرج ضمن الاحترازات المؤدية إلى تفجير الجديد من الإبدالات. وبالتالي، فإن الإجراءات الجديدة المفضية إلى هندسة بوادر التحول، تنطلق من الاشتغال على مقالب الخطابات الإعلامية، كخطوة أساسية، لوضع إطار قانوني للبدائل السياسية والحضارية المقترحة.
وكما هو واضح، فنحن بصدد استحضار ظاهرة، هي الآن مقبلة على فقدان الكثير من بريقها، لعلها تسعفنا في قراءة التحولات الجذرية التي طالت المشهد الكوني حاليا، على إثر الجائحة الكوفيدية التي تتنقل بانتشاء كبير وبحرية مطلقة، في مجموع ما تحظى به أرضنا الصغيرة من قارات. ذلك أن التوترات العنيفة المعتملة في باطن الحداثة المتوحشة، لم تعد تقنع بمحدودية أثر الفوبيا التي تغذيها ظاهرة الإرهاب، بل أمست مهووسة بإنتاج بديل أكثر تقدما وإثارة وتعميما.
إننا نشير هنا إلى تلك الأيدي الخفية، المشتغلة ليل نهار في محترفاتها السرية، الخبيرة باستشراف مستجدات علاقة الكائن بآفاقه المستقبلية. وهو بالمناسبة استشراف يتمحور أساسا حول هاجس استحداث إرهاب «وبائي» تتجاوز وحشيته ضراوة الحروب العقدية، التي فقدت قدرتها على الإقناع جراء ما طالها من رتابة.
يتعلق الأمر في هذا السياق ببحث الأيدي ذاتها، عن أفاق أكثر سوداوية وشراسة، تتجاوز بشموليتها حدود الاستراتيجيات السياسية، التي دأبت على وضعها الأنظمة الغربية ذاتها. كما تتجاوز حدود حساباتها المؤطرة بتشريعاتها، إلى أخرى منفلتة وهلامية، بالكاد تستطيع أفلام الخيال العلمي أن تترجم ما قل من أهوالها.
وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المقولات والحقائق والمنظومات التي تتناسل يوميا حول هذا الإرهاب الجديد، الموغل في عدوانيته، يكفي أن نستشهد بكرة اللهب التي ألقى بها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية مؤخرا، وهو يعلن لساكنة المعمور، بأن الجائحة الحالية «لن تكون الأخيرة». فهذا الإعلان الذي يبدو من حيث الظاهر، مفعما بروح الأمومة التي تسهر المنظمة من خلالها على سلامة وأمن رعاياها، ليس في الواقع، سوى نعيق غرابي، يسعى أولا وأخيرا، إلى توطين حالة أبدية من الرعب في أوصال الكون، حتى إشعار آخر.
٭ شاعر وكاتب من المغرب