فواز قادريهذه الليلة أجلسُ صامتاً كي أحكي أعتذر من صداعي الخاسر أوّلاً وأدعوه إلى طاولة مليئة بالفواكه والطعام.أقول: تسلَّ يا رفيقيفقط لا تقرب من لعبة طفليتسلَّ ودعني وحيداًعلى شرفة العالممن هنا أُشرف على بلاديكشبوط يتقافز في غدير ناشففي رأسي لا شيء مسلّلاشيء مسلّ بتاتاًيا رفيق لياليَّ الطويلةالشبّاك مغلقوالنجيمات تسبح بعيدة عن متناوليغيمة وراء غيمةتجتمع السحبوالمطر خجولاًيقرع زجاج النافذة. دعني بمحنتي وتسلَّنحن في منتصف الشهر العاشرومع ذلك لا قمر في السماءحتى لوسمحتْ الغيومالشبّاك مغلق والليل يتلفّعبأوراق الأشجار القريبةوالأضواء محايدةتنتظر أثر حركة ضائعة في المكان.**خارطة العالم أماميهنا الفرات صاحبييخفي أنينه عن الغرباء أقول: كيفك ؟كيفك يا صاحب الضفاف؟ يا خلّ البساتين والثمار كيفك؟وكيف هم ‘الربع’كيف الحارات بلا أولادهاو’ النشامى’ على أيّ دروبك يهبّونيا عزوتي ومغيثيكن منصفاً بيني وبين ‘الجبيلة’ عتاب طويلأنا طوال طفولتي لم أملك ‘نشّابة’لم أجرح خاطر عصفورولم أُفزعْ حمامة على فراخهاأعْذرني ودعنا الآن من العتابلن أسألك عن غرقاك ولا أيّ النياشين قلدتك الفصوللا عن مجدك التليدولا عن أسراب طيركلا عن الزيغان والزرازير ولاعن لوعة السمكعن الشهداء أسألك عن الشهداء.فلا تشحْ بشهدائك عنيإن كنت تخاف عليّ من البكاء؟ صدقني واسع قلبي العجوزويحتمل أكثر من موت موزع بين مدينتينويحتمل أكثر من جحيملأجلها تلك التي من أشهرلم تترجّل عن شفاه الهاتفينحلم الشعوب كانتوزقزقة العصافير في الصباح وخاتمة الأغانيلأجلهايتّسع للرثاء الجماعيّ قلبيمثلما أتّسعُ للغناء والهتاف والغضبيمرّ على كلّ شاهدةليكتب أسماء من ضاعت أسماؤهمفكلّ أسماء الشهداء ستفوح من القصيدةهناك يكتب: ‘محمد الحصني’وهنا ‘هدى المحمد’واسم شهيد مجهولهناك اسم صبيّة مقطّعة الأوصالسُمّيتْ ذات لعبة قاتلة ‘زينب الحصني’صبيّة نَسيتْ في ثلّاجة المشفى حليبَ أُمّهانسيتْ اسمها من سطوة الساطورخبّأتْ عطر ضفائرهاعن هواء الموتىوعن بشاعة الجلادخبّأتْهُ في قبر بلا شاهدةضمّ يدين غير صالحتينللاتّكاء على القدرورأساً غير قادر على الجهر بالدعاء إلى سماء تصغي.يمرّ على كلّ وردة ذبلتوعلى كلّ تراب شهيدتبخّر ماؤهفي كلّ يد غيمةوفي العينين عناقيد من الدموعيقفز من الرستن إلى الديرومن الدير إلى حمص وأهوالهابخفّة حجر في مقلاع.**لا تغرّك الدموعأنا لستُ حزيناً تماماًصرخة طفل في الشارعهلهولة امراة في جنازةكافية لتعيد الحياة إلى الحجر.** أتخاف على قلبي يا فرات؟ من حمص وجراحهاحارة حارةبيتاً بيتاً عند كلّ زاوية سمّيتُ كلّ شهيد باسم جرحهوكلّ أمّ باسم لوعتهاوشاركتها خبز حزنهاوكنتَ تشاركني كدرييا لصفائكتفرش لغيمتي الغريبة السريروتهدهدها لكي لايستيقظ الطفل فيّ فابكي وأبكي إلى أن يطلع النهار.