مع أمين المهدي كان من الممكن معرفة متى وأين يبدأ المساء، لكن مكان انتهائه، بالأحرى زمن انتهائه، لم يكن من الجدير محاولة تخمينه. “لنبدأ بالنادي اليوناني ونرى إلى أين ستأخذنا هذه الليلة”، اعتاد المهدي أن يقترح عليّ، كان دائماً مستعداً للقاء، دون خوف أو خشية. على شرفة سطح النادي اليوناني المجاور لمقهى “غروبي” في ميدان طلعت حرب، كان المهدي وكأنه صاحب البيت. عرف النادلون أطعمته المحببة وكيفية تقديمها، ولم ينسوا وضع زجاجة بيرا ستيلا أولى، ثم يتبعها المزيد.
المهدي، شخص وسيم طويل، ذو طلاقة في التحدث آسرة. أحب عرض مواقفه بصورة مطولة وبدون توقف. كان له موقف من كل قضية، موقف حاد ودقيق ومصوغ بشكل جيد، لم يكن دائماً خالياً من التآمر، ولم يكن يستند بالضرورة إلى حقائق. ولكنه كان دائماً موقفاً أصيلاً وذكياً. كان يتعبه الحوار، أو الأصح الحوار الذاتي الذي ينجح فيه الضيف بهز الرأس أو طرح سؤال، كان يقترح الانتقال إلى أحد بارات القاهرة للالتقاء مع “عدد من الأصدقاء الذين يكرهون النظام”. “لا تقلق”، كان يهدئني، “المخابرات تعرف إلى أين أذهب ومع من ألتقي. أفعل كل شيء بشكل علني ولا أخفي عنهم شيئاً”. تلك كانت اللحظة التي بدأت فيها الرحلة الليلية في بارات هادئة وشبه مظلمة في وسط القاهرة. جلسنا هناك مع عدد من رجال السينما العاطلين عن العمل وشربنا البيرة مع الصحافيين أو المحامين الشباب المحبطين ونشطاء أقباط غاضبين أو خريجي جامعات ينتظرون وظيفة حكومية، وفي هذه الأثناء يكسبون الرزق من العمل كنادلين. النظرات المتشككة نفسها، ارتباك في ملامح الوجه الموجهة نحو المهدي، التي تطلب منه توضيح من هو الضيف ومن أين جاء. كان بصوته العالي يهدئهم “هو واحد منا… مع السلامة”، وكأن الأمر يتعلق بشعار دخول سري إلى ناد سري. قبيل الساعة الثالثة أو الرابعة وأحياناً الخامسة فجراً، بالضبط في الوقت الذي يبدأ فيه النيل بالتألق والوميض من شعاع الشمس الأول، تنتهي الرحلة. هذه هي الليالي التي ظهرت فيها القاهرة بكل ألوانها الحادة، التي بزغ منها “الربيع العربي” – مشهد نادر، المهدي نفسه لم يتخيل حدوثه. “أيديولوجية الموقف الواحد التي تجمدت في مكانها، المهزومة والخالية من المضمون، والتي احتكرت لنفسها إدارة النزاع الإسرائيلي – العربي خلال خمسين سنة… هي أيديولوجية تحالف من يعادون الديمقراطية”، كتب المهدي في كتابه “الصراع العربي – الإسرائيلي، أزمة الديمقراطية والإسلام” (نشر في 1999، وفي 2001 صدر بالعبرية بعنوان “الرأي الآخر”، ترجمة مارسيل ودافيد سغيف، إصدار الكيبوتس الموحد).
اعتبر المهدي “المحب للسلام”، ولكن السلام الذي أيده ليس هو السلام الذي وقعت عليه حكومتا إسرائيل ومصر. السلام، حسب رأيه، لا يمكن أن يكون مجرد مفهوم جيوسياسي يخدم مصلحة عسكرية ضيقة، كما ترى مصر في السلام مع إسرائيل. السلام يستخدم كـ “وسيلة ضمان أو ردع أو وسيلة لتنظيم علاقاتها مع أمريكا… هذه العلاقات، التي هي غير قائمة على مضامين ديمقراطية، تجلب فائدة محدودة فقط”. أراد المهدي “سلاماً ديمقراطياً”، ومفهوماً يجعله يفكر في تأسيس برلمان لمحبي السلام، يناقش المشاكل التي تعيق مجيء “السلام الكامل”. كان يحمل في حقيبته دائماً أوراق مواقف، ومسودات مقالات، ومقاطع من الصحف، التي حاول بمساعدتها إقناع محدثيه المصريين بالحاجة إلى صنع سلام جديد. وعندما تحول “فيسبوك” إلى وسيلة تعبير بديلة عن وسائل الإعلام الرسمية، ملأ المهدي صفحته الرئيسية بعشرات المنشورات والمقالات، التي أرسل فيها سهاماً مسممة تجاه النظام. المقربون منه حذروه من النتائج، لكنه أجابهم “ما الذي يمكنهم أن يفعلوه بي؟ هل سيعتقلونني؟ يقتلونني؟ لقد شاهدت أخطاراً في حياتي في السابق”.
لم يكن النظام وحده هو الهدف، بل انتقد أيضاً الأشخاص الذين أطلق عليهم “مثقفي النظام”: الأشخاص الذين يرون دورهم في توفير أرضية مناسبة وشرعية ثقافية لأعمال الحكومة… هذه النخبة المثقفة الملتزمة دائماً بتسوية مواقفها مع الإسلام الأرثوذكسي كي لا تتم مهاجمتها من قبل الإسلام المتطرف، والمستعدة لأن تقدم شرعية لخواء مفهوم الديمقراطية في المحيط الذي تعمل فيه، والتي تتجاوز المتاريس الموضوعة ضد قوانين استهدفت تقييد حرية الصحافة، لكنها تستخدم هذه الصحف لصد الموقف الآخر”، كتب المهدي. فقهاء الشريعة والمؤسسات الدينية كانوا أيضاً هدفاً ثابتاً لانتقاده الحاد. “لقد أنتجنا ثقافة تنتمي للدين”، قال بغضب.
لم يوفر المهدي في انتقاده حتى قدس الأقداس (الجيش المصري) وحصل الرئيس السيسي منه على القدر الأكبر من الانتقاد. وليس واضحاً سبب انتظار النظام فترة طويلة قبل اعتقاله في 9 أيلول الماضي. وليس معروفاً ما مر عليه في الـ 21 يوماً من الاعتقال. ولكن بعد عشرة أيام على اعتقاله، تم نقله إلى مستشفى في الإسكندرية، وهناك توفي. قالت الرواية الرسمية إن سبب الوفاة تفاقم مرضه، لكن المقربين منه ومنظمات حقوق المواطن يشككون في مصداقية هذه الرواية ويطالبون بالتحقيق في ظروف وفاته. وحسب موقفهم، توفي المهدي بسبب ما مر عليه في الاعتقال، وهم لا يعرفون أي أمراض كان يعاني منها. مئات السجناء الأمنيين يمكثون الآن في السجون، وآلاف منهم حكموا، وما زال الحبل على الجرار.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 19/10/2020