ليبيا: مقدمات العمل وفق نهج ‘التوريط الثوري’

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

أعود إلى استئناف بعض ما حفلت به التجربة الذاتية مع حكم معمر القذافى، وكنا قد انتهينا عند معالجة إعلامه لاغتيال سيلفادور الليندي حاكم تشيلي المنتخب.. بعد أن لاحظت في بداية عملي في ليبيا مدى عمق علاقة أجهزة الأمن المصرية بالسلطات الليبية، رغم ما يبدو على السطح من تناقض واختلاف بين السياستين، بجانب أنه في اللحظة التي بدأ السادات في تصفية تراث عبد الناصر سار معمر القذافي على نفس الدرب، وجاء ظهور ‘ورقة أكتوبر’ مواكبا لإرهاصات نظرية القذافي العالمية الثالثة، وفي وقت تصفية الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر حلت المؤتمرات الشعبية محل الاتحاد الاشتراكي العربي في ليبيا. وهذه الملاحظة وغيرها جعلتني أكثر تحوطا، وكثيرا ما نصحت من يلجأون إلى السلطات الليبية في أمور سياسية حساسة أو على درجة عالية من المغامرة بالتروي وعدم الاندفاع كي يأمنوا شر تلك العلاقة الغامضة. ومن بين ما رأيت كان مجيء شاب مصري سكندري إلى طرابلس طالبا المساعدة في رؤية أحد المسؤولين الكبار من رجال الصف الأول، وحين شرح هدفه طلبت منه ألا يفعل، خاصة أنه ادعى أن لديه خطة للتخلص من أنور السادات وإسقاط نظامه، وشعرت أنها مغامرة فردية غير مأمونة العواقب، ومن الممكن أن تتسرب لأجهزة الأمن المصرية عن طريق السلطات الليبية، مما يعرضه لخطر جسيم دون أن يُحقق هدفه، وقلت له أن على من يريد الإعداد لعمل من هذا النوع أن يعتمد على الإمكانيات الذاتية، وإذا لم تكن متوفرة عليه الانتظار والعمل على توفيرها، وإذا ما نجح سيشد الآخرين، وفي حالة الفشل يقع وزره عليه وعلى شركاه؛ لم يقتنع الشاب بما قلت. وطال به الانتظار لعدة أسابيع ولم يتمكن من مقابلة أحد، وعاد إلى الإسكندرية، ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخباره.

وجاءني زميل وصديق من نشطاء السياسة في زمن عبد الناصر، وكان قد أعير للعمل بمحافظة الزاوية القريبة من طرابلس. وأسَرّ لي بأن عددا من ضباط القوات المسلحة اتصلوا به ليرتب لهم لقاء مع القيادات العليا في الجيش الليبي لمناقشة خطة لتغيير حكم السادات، وتحفظ على ذلك؛ فمن الممكن أن يقدمهم القذافي قربانا على مذبح علاقاته الخفية بحكم السادات، وبعد فترة نما إلى علمي أنهم أتوا لليبيا، وحين عادوا وجدوا من يستقبلهم على الحدود، ويختفي أثرهم بعد ذلك. وذلك الصديق نفسه زارني بعدها بمدة في بيتي، وأخبرني بأنه قرر ترك ليبيا، ولم يخطر أحدا سوى الإعلامي الراحل محمد أبو الفتوح وأنا؛ بعد أن فقد الشعور بالأمان وأصبحت حياته مهددة بالخطر. وذهب إلى المطار؛ كأنه في استقبال أحد القادمين، وتمكن من المغادرة خلسة إلى غير رجعة، وترك سيارته خلفه للتمويه، وما زال على قيد الحياة.. متعه الله بالصحة والعافية، وفي جعبته الكثير مما يمكن أن يقال حول حكم السادات والقذافي. وآخر عهدي به رئيسا لمجلس أحد المدن القريبة من القاهرة، قبل أن يحال إلى المعاش.

وذات مساء وأثناء خروجي من عملي قابلني صحافي مصري مخضرم (ف. ع.) وبدا عليه التعب والتوتر الشديد.. وسألني هل تعرف فلانا؟ وذكر اسمي.. معنى هذا أنه لا يعرفني شخصيا. فسألته ماذا تريد منه؟ فرد أريد أن أقابله؟ قلت هل يمكن أن أعرف السبب؟ يبدو أنه اعتبر ذلك تطفلا مني وقال منفعلا إذا كنت تعرفه دلني عليه؟ فعرفته بشخصي، وعدت به إلى المكتب أسمع منه ما يقول.. فذكر أنه أجرى حديثا مطولا مع رئيس المخابرات المصرية الراحل صلاح نصر، ووصفه الحديث بأنه الأخطر مع تلك الشخصية المثيرة للجدل، ونسب إلى صلاح نصر معرفته بقاتل جمال عبد الناصر، وعلمه بأن المخابرات الأمريكية بقرت بطن المخابرات المصرية وأخرجت ما في أحشائها من خفايا وأسرار، أضرت بالأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي والأوضاع الإقليمية. وأضاف أن الحديث مصور وحافل بالأسرار، ولم يكن يحمل صورة أو شريطا واحدا يعزز رأيه، وكان ذلك غريبا من صحافي مخضرم.. كيف لا يحتفظ لنفسه بنسخة من هذا الحديث الخطير وصوره؟ المهم أنه عرض الحديث على السلطات الليبية، واتفقت معه على شرائه، وتسلم الدفعة الأولى من الثمن في القاهرة، ودُعِي لزيارة طرابلس ليتسلم باقي المبلغ المتفق عليه، وفيها استقبله إثنان من رجال المخابرات ـ حسب روايته ـ ورحبا به وتركاه وحيدا في فندق منزو دون أي سؤال عنه، وانتابت الصحافي هواجس وشعر بالخطر يهدد حياته، وقيل له أنني أستطيع مساعدته في الخروج من تلك الورطة. وكرر الرجاء وهو في حالة نفسية سيئة، وتركته لدقائق، وكان أمين الشؤون الخارجية الذي أعمل معه ما زال في مكتبه، فصعدت إليه وحكيت له ما سمعت، وقلت له أنها المرة الأولى الذي أقابله فيها، ولم أكن أعرفه من قبل، ولا يحمل دليلا واحدا على ما يقول!. طلبه أمين الشؤون الخارجية واستمع إليه مباشرة، وعلى الفور بادر بالاتصال بأحد مساعدي رئيس الأركان، وحكى له الموضوع على الهاتف، وشرح حالة الصحافي النفسية السيئة، ثم طلب مني أن أصحبه إلى مكتب ذلك المسؤول في العاشرة من صباح اليوم التالي وقد حدث. ولم يكد ذلك الصحافي يستقر على مقعده حتى فوجئ برئيس الأركان نفسه يدخل الينا. فعلق مساعده قائلا يبدو أنكم سعداء الحظ، فليس من العادة أن يحضر رئيس الأركان إلى هنا، وها هو بنفسه وأشار إلى الصحفي؛ اعرض عليه مشكلتك. وعلى الفور اتصل رئيس الأركان بمدير المخابرات وكان لقبه ‘الشايبي’ قائلا له أن (ف. ع.) في حمايته ويريد حل مشاكله وصرف كل ما له من طرفكم فورا. ورد مدير المخابرات بالايجاب، وارتاح الصحافي وانفرجت أساريره، ولما خرجنا قلت له إن مثل هذه الصدف لا تتكرر، وأن يأتي رئيس الأركان في لحظة غير مرتبة فتحل المشكلة بسهولة غير متوقعة فإن هذا لا يعني أن كل الأمور تسير على ذلك النحو، ولو تقبل نصيحتي عليك الحجز على أول طائرة فور حصولك على مستحقاتك، وأضفت أن الأجهزة الأمنية لا تنسى من يشكوها أو يفشي أسرارها، وتتحين الفرص لمعاقبته والثأر منه، ولم يكترث بما قلت.. ويبدو أنه تصور أنني من أصحاب النفوذ ويمثل وجودي له ظهيرا وسندا يحميه إذا ما تعرض لمكروه، وكررت عليه أن الصدفة وحسن الطالع جعلت الأمر سهلا وليس ذلك عاديا في الظروف الطبيعية، وذهب إلى حال سبيله، وصرف مستحقاته لكنه بقي في ليبيا ولم يغادرها، وبعدها بشهور جاءني في وضع نفسي سيئ طالبا إيقاف الملاحقات ضده، وذكرته بما توقعته له وها هو يحدث بالفعل، وقد كان عليه أن يرحل من وقتها، خاصة وأنا في وضع لا أستطيع فيه حماية نفسي! ووجود أمثالي معلق على وجود مسؤولين ليبيين يحترمون الوافدين العرب، ولولاهم ما استقر عربي واحد هناك، وهم يوفرون ما يمكن أن نسميه الحماية المعنوية، وكما كان هؤلاء يحرصون علينا حرصنا عليهم، وتجنبنا إحراجهم أو التسبب لهم في أي مشكلة. بعدها اختفى ذلك الصحافي ثم علمت أنه عاد إلى مصر. إلا أن الأغرب أن الحديث وما يعززه من صور لم يخرج إلى النور رغم خطورته بما فيه من أسرار بالغة الأهمية.

وظهرت في الأفق ملامح تصرفات بدت غير مفهومة وقتها، وبدأت بموقف غير مألوف له علاقة بتعليق كلفت بكتابته للإذاعة، وكان عن مقال للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، وعادة فإن التعليق الإذاعي يعبر عن الموقف السياسي الرسمي، ولا ينسب لمحرره أو كاتبه، لكن في ذلك اليوم ذُيّل التعليق بعبارة ‘كتبه محمد عبد الحكم دياب’، وكانت المرة الأولى والأخيرة التي كسرت فيها قاعدة ثابتة تسير عليها الأعراف الإذاعية الليبية. وبدا الأمر وكأنها رسالة تقول لصاحب المقال أن من علق عليه أحد المصريين ولم يكن من الليبيين واستعصى علي فهم ذلك الموقف.

وفي مرة فاجأني أحد الضباط الأحرار (س. ق.) وطرق بابي وطلب مرافقته على عجل في سيارته، وسألته إلى أين؟ فرد إلى معهد المعلمين بمدينة الزاوية، وهي على بعد حوالي خمسين كيلومترا من العاصمة، وقال أن أهل الزاوية تجمعوا هناك في انتظار محاضرتي عن الديمقراطية في ‘النظرية العالمية الثالثة’؟ قلت كيف ولم يسبق أن أبلغت بها ولم أْعد نفسي لها؟ قال مثل هذه المحاضرة لا تحتاج منك إلى إعداد!!.. قلت هل هذا معقول؟ ورد هيا هيا.. أهل الزاوية في انتظارنا! وأسقط في يدي، وحيل بيني وبين الاعتذار. ويبدو أن هناك ودا وضعيا أمام الأمر الواقع وإجباري على قول قد يكون ضد قناعاتي تحت وطأة الإحراج أو بمنطق المجاملة. وقررت ألا أذهب وحدي. وفي الطريق مررت على الراحل العزيز محمد إسحاق وطلبت منه أن يكون معنا، ولبى الرجل فورا. بقيت ورطة المحاضرة وكيفية التصرف؟ إذا أدليت بوجهة نظري مباشرة فقد يتوتر الوضع، وهداني تفكيري إلى خطة لا تتسبب في إحراج أحد؛ حيث بدأت المحاضرة بالحديث عن أهمية الديمقراطية، وإذا كانت ‘النظرية العالمية الثالثة’ قد تطرقت إليها فمن المهم أن نتعرف على نشأتها وتطورها التاريخي وما انتهت إليه، بدءا من الإغريق، وعروجا على العصر الإسلامي، وختاما بالعصر الحديث، وانتهى الوقت المحدد للمحاضرة بالوقوف على تخوم ‘النظرية العالمية الثالثة’، مع وعد بمواصلة الحديث، وتركزت الأسئلة والمناقشة حول الجانب التاريخي. وكانت النتيجة عدم دعوتي مرة أخرى لمثل تلك المحاضرات، وكان ذلك بداية خيط ممتد أوصلنا إلى أسلوب تعامل معمر القذافي ورجاله مع المخالفين والخصوم، وهو ما عرف فيما بعد بـ’التوريط الثوري’ الذي صار نهجا شائعا منذ تلك الفترة حتى لفظ القذافي أنفاسه الأخيرة أول أمس!!’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية