‘ثلاث برتقالات مملوكية’ لحجاج أدّول: الرواية تستنفر التاريخ ضد الفساد والاستبداد

حجم الخط
0

أحمد المديني1ـ بات الموقع الذي يشغله التاريخ في وضعنة الرواية وتطريز نسيجها معلوما، ومتواترا في آداب مختلفة، وعلى مرّ مراحل تكوينها وتطورها، إلى حد أن إثارة هذه المسألة تحيلنا مباشرة إلى تاريخ الرواية، ثم التدرج الذي عرفته تباعا وهي تتنضد مضامين وتتنمذج رؤىً وتتشكل في صيَغ وصياغات. بعبارة أدق، فإن التاريخ بوصفه سلسلة من الأحداث والمحصلات الموضوعية للدول والشعوب والأبطال ضمن منظومات سياسية وحضارية، وفي قلب لواعج فردية وحركات جماعية، هو مادة أساس في تكوين رواية العصر الحديث، وأحد أعمدتها الكبرى، سواء رام موضوعه مباشرة واختص به، أو اتخذه ذريعة ومَعْبرا نحو ما هو أبعد.2ـ لاشك أن المذهب الثاني، القاضي بجعل المادة التاريخية وحَدثِيتها مطية لتسويغ الأبعد منها الخفي، ليخرج بهذا الصنف من التجنيس العام إلى التجنيس النوعي، ويستدعي في الآن، عبر التحوير الذي يأخذه النوع نفسه على يد المنشئ الأدبي، ولمُرام يتقصّدُه، إعادةَ فهم النوع وتأويل تشغيله على النحو الذي يظهر فيه متجاوزا استتباب التاريخي، ذاهبا في أفق تطويره الذي لابد أن يأخذ معنى قدحٍ لزناد دلالة وتأليف مغايرين، كي لا نقول جديدين في سياق الكتابة الروائية العربية المعاصرة، هذه التي يتم فيها تسفيه هذا المفهوم وابتذاله بشكل مهول!3ـ أجل، هو ابتذال وتبخيس لكل ما قاد تجربة النثر السردي الحديث تقريبا، ليضعها اليوم على حافة العبث الأدبي أو ما يجوز أن يحمل اسمه، في صورة اختلاط وتمييع لا مثيل لهما ولا سابق في أدبنا، ولا يهم أن يتكاثر المتشاعرون، ولا أن يتسلل إلى محافل الرواية قوّالون من كل نوع، آتين من كل لغو وصوب، وإنما الأدهى ما يجره هذا الانحشار من إسفاف في القول، وتزوير في القيم وهدم مريع للمعايير، باسم حرية مزعومة في القول وتفتّح كاذب لمواهب في الظل، مثلا، وأشنع منه تطاول من لا موهبة لهم في ساحة الأدب وتزاحمهم بالمناكب والسمسرات على أبواب دور النشر والجوائز للابتزاز والمساومة على ما لا حق لهم فيه، وحين يُوارى الثرى عملاق روائي من عيار خيري شلبي تعود الندامة على كرادلة النقد، من يروجون لهذه السوق، ولهم فيها دكاكين وأسهم، وهم فيها عيّارون بمكاييل مغشوشة. 4ـ يفرح المرء، لا بد، حين يلتقي في طريق قراءته بأعمال تذكره بالرواية حقا، وتعيد إلى جادة صواب البحث فيها عن المختلف والمغاير المطور للنسق، المنبثق من صلب خبرة مراكمة ومواصلة، لا تتأتى إلا لمن يقنعك بأن القول السردي لديه، وعلى يديه، لم يُخطّ اتفاقا أو كسيحا، وإنما لضرورته، لا بديل عنه لرسم الصورة المتجلية أولا في ذهنه، القابلة للتشكل لُغويا، والتبلور تشخيصاً وأنسنةً، والإيحاء مجازاً، والظهور صناعة فنيةً، تستمد من الفن ما يناسبها من أدوات، ومن الحياة الخبرةَ الأنسب، فكيف إذا وجدت في التاريخ المضمار القابل لإظهار وجوه وعناصر رؤيتها، وأكثر من ذلك تحويله إلى استعارات وكنايات وأقنعة وقناديل تجوس بها دهاليز وأقبية الحاضر، الواقع المتفسخ، بما يسوده من فساد واستبداد، ومن حيث تبدو الرواية تكشف عورة تاريخ برح، هي تعرّي حاضرا فاحش التعفن، وتدينه حتى النخاع.5ـ لا بأس من هذا التعميم أولا، لنسمي إثره رواية الكاتب المصري حجاج أدّول الأخيرة ‘ثلاث برتقالات مملوكية'(دار العين، القاهرة، 2011). فهي حقا مُفحمة من نواح كثيرة، يقع في قلبها الاهتمام الذي توليه لمرحلة دقيقة وثرية سياسيا واجتماعيا من حياة مصر، من حياة شعب وحضارة وثقافة ومصير ووجدان، وتتوفر بحكم تتبعها لمنحنيات هذا المصير ورسم عدد من محطاته وتكويناته، ظاهرة وخفية، مفضوحة ومولدة، على الخيط الناظم الذي تحتاجه الرواية لكي تستقيم محكيا، ثم محكيات، تتقدم في سردية خطية تتغذى بالمادة الأولية لتاريخ زاخر، كثيف مندفع في خضم لجب من الأحداث والأفعال والشخصيات والأطياف والحبكات، فيما هي تتغذى وتنتعش ثانية من السردية التخييلية، حيث ملتقى الواقعية بالخيال الروائي، ومناط رهان السرد الحديث إجمالا، في تخوم الواقع والممكن والمحتمل والتخييلي ُطرّا. 6ـ إذا كان عنوان الرواية اعتباطيا بالدرجة الأولى، كما سيتبين عند القراءة، أي غير وظيفي، فإنه هنا يشير مباشرة إلى مصدره ومناطه، إلى أول إشارة تحيل إلى فضائه وزمنه بما يربط القارئ بسياق قراءة وأفق انتظار، فضلا عن وضع لعبة دوال العتبات، وتشغيل مخيلة القارئ التي لن تلبث أن تنطلق بحثا تقلب في مجموع المتن الورقي (287 ص من القطع الكبير) عن مكان وجود البرتقالات، ودورها في محكي الرواية لتتصدر عنوانها، آخذة بفضوله من تلابيبه، وهي تملك ذلك حقا، يلاحق فصولَها وفقراتها، أحداثا متتالية، ومشاهد أخاذة، وحبكات متداخلة، ولحظات متوترة، ومواقف متضاربة بين السمو والانحطاط، النبل والغدر، الهوى والفجور، العزة والمذلة، العظمة والانكسار، الجبروت والانهيار، حدثان الدهر وعوادي الأيام.

وبين هذا وذاك، حيث تضارب المواقف، وتصادم الحالات الإنسانية، وفيما تبجل المعنى/ المعاني تعلي القيم، تخاطب متلقيها مناورة ومباشرة، أيضا، واجدة في لعبة التعليب التاريخي طريقة مثلى، لحجاج أدول’سوابق’ فيها، وفي كل مرة يعود إليها ليختبرها على نحو يخدم ‘رسالة’، لنقل خطابا يرى لا مناص من إبلاغه، لا خطابة ولكن روائية، لذا فهو يستجلى بالوصف وعين التدقيق لا بالكلم أو لغو التعليق، وإنك لترى مسرح التاريخ يمتد هو كلٌّ وبعضٌ، شمولُ، تأخذه إن أردت، متاح لك، بوصفه المرجع، وجزء، تفصيل هو بضاعة الروائي التي يقترحها عليك، وهي ما يعنينا من متنه المصنوع على قدر همه وطبيعة رؤيته، وكذلك مبتغى رسالته، باعتبار المرجعية الأخلاقية القيمية للكتابة، وهي مسددة الهدف في النص بلا مواربة، بل هي محرك هذا التاريخ، أخذناه كلا أو جزءا، شمولا أو تفصيلا. تتابعه حريصا على إقامة التوازن بين المسرود المعروض وطريقة عرضه، وإذا كانت مناصرته للحق ضد الباطل، والعدالة على الظلم والاستبداد جلية حتى لا مزيد، فإن انتصاره كذلك لوسائط الفن الروائي أقوى من غيرها، وحرصه بيِّن في جعلها تتبارى مشحوذة في كل حين، خاصة، خاصة وهو يلعب في ملعب سردي نراه شديد الانزلاق، مريبا بانزلاقاته، ملعب رواية إطارها التاريخ في مرحلة بعينها، ومرامها تحفيز حدثيته في اقتراح نقيض أطروحة الماضي. رواية تكتب في وبمادة ومحكي الزمن القديم عن الزمن الحديث، أو للغمز منه والتنديد بالقيم والعاهات السائدة فيه، وعليها أن تفعل ذلك بلغة الزمن والرواية أيضا، فأي رهان هذا، وأية مجازفة تقوم لا في وجه أدّول وحده، بل في وجه مقترح وصفناه منذ البداية بالمغاير، ونزعم أنه من مقومات الرواية العربية المعاصرة، حين يتولى شأنها الراسخون في الفن. وبالطبع، فالعمدة عندنا هو القوام الفني في كل حال، حتى والتاريخ باد لُحمة لها وسَدى.7ـ تجري وقائع الرواية، إذن، في العصر المملوكي، بلا تحديد تاريخي مدقق، والأغلب في عهد المماليك البرجية (الذي ابتدأ من 1399) عقب المماليك البحرية، واتسم بسيادة الظلم والتعدي على الحقوق وفساد الحكم، الخ.. وهو ما سنرى يسود مطلقا في الفترة الزمنية المشمولة بالإحاطة التاريخية والوصف الروائي، وهي مديدة بعض الشيء، وإن تشابهت أحداثها وتماثلت أنماطها، منمذجة في أدوار ذات وظائف محددة في النهاية، لتمثل تقابلات متضادة. لذا يمكن اختصار حكاية الرواية بدون أن يضر بها الاختزال: تبدأ من زمن ومكان غير معلومين، في جغرافية سديمية(بلاد السهول الثلجية والبحيرة البحر)حيث تعيش أسرة من زوج وزوجة ينتميان إلى (قبائل شقراء محاربة) مقسمة طبقيا إلى أغنياء وعامة وفقراء، ونساء هذه الأخيرة من حصة الأغنياء، لذا تؤخذ الزوجة وهي الجميلة إلى سُررهم، وتُطرد منبوذة في الأخير، لتعود فتُرسل بدورها ابنتها للعمل عند هؤلاء الميسورين الذين يتداولونها أبنا وأبا وجدا، ثم يرمونها وقد صارت حاملا، وتتحسن حالتها المادية من تعاطي الدعارة، وتهدد أسياد أمس بنسب ابنتها بعد إنجابها إليهم، فينتزعونها منها وتباع في سوق الرقيق، لتصل إلى القاهرة، هنا حيث ستبدأ قصة الأميرة شمس. معها سندخل عالم حكم المماليك ونتفرج على أوضاعهم ونتابع دسائس الحكم وتراتبياته، وفي المشهد العام صورة مصر كخلفية اجتماعية، بمرايا متعددة، قابلة لإرسال انعكاسات شتى. 8ـ لا تشذ حكاية شمس عن كل ما نعرف في الروايات التاريخية حيث تتصدر المرأة دور البطولة كعقدة غرامية، وتتحول إلى بؤرة لتجمع وتقاطع الحوادث والمواقف الفارزة للشخصيات وأحوالها وصداماتها المنعقدة حول موضوع الصراع على الحكم، والفوز به مع الحبيبة أو بتدبير منها أو مكر. وقصة المماليك جلها سلسلة مكر ومؤامرة، أبطالها في هذا العمل شمس، وحبيبها حفيظ السلولي، والداودار كمال الدين(الرجل الثاني بعد السلطان، مرتبة ومكرا، يلعب في جميع الشؤون) وهو من سيختار سلطانا من قش (السلطان بنبان) وهو صديق السلولي، سيتزوج شمس عشيقة هذا الأخير سرا، وتصبح سلطانة، آمرة ناهية، ويلي هؤلاء أشخاص نافذون في تراتبية القلعة المملوكية الحاكمة، أقواهم أمين التجار عزالدين دائم التآمر مع الداودار في اللعب بالسلطة ورجالاتها، يرمزان لتدبير شؤون السياسة والمال، ثم أمير الجيوش البهاء اليوسفي، الذي سيتزوج ابنه كريمة السلطان بنبان(وهي في الحقيقة من صلب السلولي) علاقة يفتح بها الكاتب باب الاتصال بالشعب، (ناس التحت، الفلاحين والغلابة والحارات) يطلعنا على بؤس عيشهم وصور من حياتهم وأحوال معاناتهم، خليط من عَنَت واضطهاد ودجل وفولكلور، ومؤثثات إناسية وأنتربولوجية للتعريف بثقافة وشعب وتقاليده. فتكون الفتاة نجية، عقدة غرامية تُسلك فيها حكاية الناس اللي تحت، موازاة بعقدة الناس اللي فوق(الحاكمون في القلعة) جسر الربط بين الإثنين، والمرآة الصقيلة لإظهار تناقضات عالمين، بتسلط أقواهما على الأضعف، والانشغال بالدسائس والنهب وممارسة الاستبداد. وهو ما ينتهي بسقوط رموز السلطة تباعا نتيجة المكر: تآمر الداودار على نائب السلطان شندر، ثم على السلولي، يلقيان موتا زؤاما، ليحصل على مراد السلطنة، وتنتهي العقدة، المأساة إلى ذروتها بإصدار حكم أقسى من السجن الذي رميت فيه السلطانة شمس، بطردها من جنة القلعة المملوكية، وإبعادها إلى حيث أتت (البحيرة البحر المثلجة)، وهكذا تكتمل الدائرة، وقد حصل العقاب ضد الظلم، من جهة، وبصورة مثالية يفوز المظلومون في وضع نجية بنعمة استرداد أرضهم الفلاحية وأبناؤهم يتذوقون طعم البرتقال الطازج، ولتنتهي الحكاية في صيغة رواية رعوية حيث تعم الغبطة وينتصر الطيبون(!) بينما المماليك هم أنفسهم دائما في القلعة يحكمون، وفي أرض مصر، التي فيها ‘النيل النجاشي’، فسادا يعيثون!9ـ سيلاحظ القارئ النابه أننا استعملنا أكثر من مصطلح لتوصيف هذا السرد وتعيينه، متراوحين بين’رواية’ و’حكاية’خاصة. في الأول، استنادا على التجنيس المعلن على غلاف الكتاب، وبالطبع جملة أداءات فنية معلومة للنوع الأدبي، وبناء على تصور كلي لمفهومه ومقاصده. في الثاني، اعتمادا على إواليات مستخدمة في طريقة اشتغال هذا النوع، تعيده إلى ما قبله، أي الشروط الموضوعية والثقافية المنتجة له. فنكون عندئذ بين نصين يحتاجان في كل مرة، أي بحسب مقتضى التلقي وأدواته، إلى مقاربة باستنتاجاتها المخصوصة، يساعد على هذا كون النص ينشط هذه الآلية باستخدامه لتعديد المدونات والسجلات اللغوية والدوال البلاغية والمرجعية، وفتحه باب التأويل، بعد ذلك، مشرعا أمام تعددية الدلالات وامتداداتها. وما لنا لا نذهب إلى أننا نقرأ النوع الأصغرـ البدْئي (الحكاية) في الأكبر(الرواية) العصري، وهو توفيق مسوَّغ على أكثر من مستوى. نقتصر على عناوين للتمثيل، أولها تجريد المكان والزمان، ثم العودة لتحديدهما في آن؛ تغريب العوالم والأحداث وتخصيصها معا. النهل من مصادر المرويات الشفاهية والتدوينات الحكائية، المستخدمة في متون تراثية، من تأليف ومخزون المخيال الجماعي؛ وضع للسارد في موقع الراوي، واكتساب صفات هذا الأخير؛ تنضيد جملة حوافز هي وحدات، بحسب مفهوم بروب، تنتظم في كل حكاية وتحدد مجال اشتغالها وأعمال الفاعلين فيها، من قبيل الشجاعة والوفاء والإخلاص والدهاء، الخ… هي ما يمثل نماذج تمثيلية في العمل المقروء، وتحيل على أمثال لها في قصص متواترة في آداب كثير من الشعوب. ولا شك أن لغة/ لغات الراوي وأساليب حكيه تمدنا بدورها، في تطابقها مع المستنسخ، بما يُسوِّغ هذا المنزع التقليدي الموروث، ويزكيه على نحو مريح، وهو ما سنقرؤه لاحقا من منظور علاقة الشكل بالمضمون في تحقيق التناغم للعمل الفني، أو توهمه.10ـ لكننا مع حجاج أدّول أمام رواية، معلنة، مهيكلة حسب قواعد هذا الجنس الأدبي، أو واحد من تطبيقاته وتنويعاته، وحتى لو أخلّت أو تخلخلت فهي تتوفر على ما يضمن لها الانتماء، تصميما، وتشخيصا وحبكا وحياة وسردا محبوكا لعوالم متضافرة، ومصائر متضاربة بما يرسم في النهاية عالما واقعيا وتخييليا نابضا باحتمالاته المنتجة ناهضة على قاعدة تاريخية صلبة. هذه القاعدة التي تمثل تارة خلفية للوحة الكبرى، وتارة أخرى بُعدا، وطورا تورية تناور على الواقع الفج لتوحي بما هو أقوى منه، وأشد فجاجة وفظاظة، كما هو الواقع المرسوم لحال المماليك، أو مماليك رواية أدول، نراها وهي مشغولة برسم عالمها منشطرة بين طرائق وسيناريوهات تتنازعها بين رواية الفروسية والمغامرات والشطارية والرعوية والسيرية، علاوة على الحكائية التي هي نبرة وطقس وأسلوب كتابة (شفاهية). إذا أمعننا النظر في هذه التسميات والنعوت المعطاة لتيارات ومنازع روائية، محقبة ومنمذجة، فسنجد أن نص أدول متسم بخصائصها كلا وجزءا، ومشبع بمعانيها حتى ليجسدها في نمطيات مثلى.

وحين نزيد إمعانا وتحكيكا لهذه النمطيات، فلا بد ستقودنا، على نحو ما، للتساؤل إن كانت ‘ثلاث برتقالات مملوكية’ تنسجم أكثر مع رؤى وعوالم وصياغة كتابة ما قبل روائية، إما ذهبت إلى هذا المقصد بوعي كامل من منشئها، أو لأنه لم يكن له محيد عنها، وفي الحالتين فإن البحث عن التناغم المطلوب لكل عمل روائي، وهو حصيلة كيمياء وصهر معقدين، أو رحيق الوردة، قاده إلى الصيغة التي عليها النص، ويفترض أن نتقبلها صناعة برؤية روائية حديثة، نغض الطرف عن المفارقة، ونقبل بتصالح أجنس وطرائق، لأن الغاية تبرر الوسيلة.11ـ قبل الوصول إلى الغاية القصوى، لا تفوتنا الإشارة إلى عنصر بنيوي في البنية التعبيرية لهذا العمل، والمكلفة بإنتاج الخطاب الروائي جملة وتفصيلا، يتمثل في الأسلوب وبلاغة التوصيل، وهي مندرجة في السجل الكلاسيكي لمرحلة من النثر العربي، مطبوعة بالأسجاع، ومغموسة في المحسنات البديعية، والزخارف اللفظية والعبارات المقعرة، كانت طغت في فترة تساوقت مع مراحل تفكك الدولة العربية إلى دويلات، وهي الموسومة في مدونات العهد المملوكي، يغرف منها الكاتب غرفا، ولا نقول ينسج على منوالها بل يستنسخها استنساخا، حتى ليمكن حشرها في أي مادة مع شرط تطابق الغرض لتوتي أكلها. وهو منهج ذهب إليه الكاتب بقصد ووعي فني، منسجما مع تعريف الفصاحة بأنها مطابقة القول لمقتضى الحال، وأساسا، وهو الأهم، بجعل زمن تاريخي متفسخ ومتدهور، يرتديه ويسوقه لبوس أسلوبي من جنسه. يتعزز هذا المنهج باستنساخ الأسلوب المسكوك عن العهد المملوكي ما يمكن الوقوف عليه في مصنفات تاريخية للمرحلة، يظهر هنا موثقا فعلا بمجهود، صورة لغوية وبلاغية هي الظهر لعملة واحدة. وبصرف النظر عن رأينا الصميم في هذا المنزع فهو اختيار فني، واضح ومُنضّد، وفيه يتحمل أي كاتب تبعاته، على أن يقنعنا عمله فنيا بنجاعة اختياره.12ـ ونحن نحب القول بأنه اختيار أبعد، لكونه يتصل في رأينا بسعي عدد من الكتاب/ الروائيين العرب، إلى اجتراح تجربة/ تجارب مغايرة عن النماذج المتداولة قديما وحديثا في سردنا العربي الحديث، مناط اجتهادها الرئيس هو محاولة إبداع رواية عربية تأصيلية، مغموسة في تربتها اللغوية والثقافية والحضارية، تصبح فيها صناعتها الأجناسية الغربية واحدة من صناعات، وتعبيرها جزءا من صياغات، لكي تنسجم مع رؤية تخص المجتمعات التي تنتج فيها، فيتناغم عندئذ شكلها بمضمونها، ما شاكل. إن هناك عديد مقدمات في رسم هذا المسار، بين أجيال(المويلحي، الغيطاني، عزالدين المدني، إبراهيم الكوني، واسيني الأعرج، بنسالم حميش…) ويقدم لنا حجّاج أدّول، تحت عباءة التاريخ، نموذجا متفردا آخر.13ـ يزداد التفرد حين نأخذ بالاعتبار الغاية والرسالة المبتغاة من هذا العمل الأصيل، هذه التي يعلن عنها الراوي (من خلفه الكاتب) مذ مطالع الكتاب واصفا حال مصر أمس، وكأنه يقول ‘ما أشبه اليوم بالبارحة’:’مصر، المحروسة كما تتصاعد في سرعة مع السلطان ذي الحكم الرشيد، وتصير مهابة للقريب والبعيد، فهي تتدهور أسرع، وأسرع تحت السلطان الظالم الفاسد، فيصير ناسُها في نكد، وثراؤها في بدد، تصير’مصر’ ملطشة لكل غريب حاسد. يأتي الفقر والمرض فيحُلان، ويضربان الناس، ويسحقانهم ذُلا. وبألف سبب وسبب هل يفتقد شعب ‘مصر’ بعضا من دمدمات الغضب؟'(27). ومن غير إطالة فإن هذه الرواية وهي تستبطن رسالتها، رسم مؤلفها خطتها، وشحن مادتها، مستنفرا التاريخ المملوكي في مواقفه ومشاهده المخصوصة بالفساد، الصارخة بالاستبداد، الفاضحة للتلاعب بالسلطة وتسخيرها لصالح أفراد أو فئات، على حساب الظلم الفادح للشعب، وبإذلاله، ومن ورائه إذلال البلاد والتفريط في سيادتها، ووضع مقاليد أمورها في يد الأغراب والوسطاء. هكذا يكون خطاب أمس، موجها للجارة، لمرسل إليه في الحاضر، لم يجد المرسل، لعديد أسباب، من اللجوء إلى تقية الماضي، ومدونات التاريخ، كي يشحذها يبغي شجب واقع، واقع مصر، وإيقاظ الضمائر ووعي الشعب الذي دمدم اليومَ غضبُه، وكان وسيبقى دائما حاضرا في وجدان كل كاتب مصري، عربي، لم ينفصل إحساس كتابته أبدا ولا مضمونها وأفقها عن هذا الوجدان وطموحه. 14ـ هذه الرواية هي بلا جدال إرهاص للانتفاضات وحركة الغضب التي انفجرت وتتواصل في العالم العربي، وهي دليل آخر على استمرار يقظة الأدب، الرواية في قلبه كأقوى جنس أدبي ملتقط ومعبر عن النبض المجتمعي، وهي تكذب القول المتهافت بأن الأدب والأدباء، والمثقفين العرب عموما، انسحبوا من ميدان الصراع، أو لم يحسبوا لزمن الغضب أي حساب. إن الأدب يعمل باستمرار في خط الحفر العميق والمثابر، ويؤتي ثماره بسقي التقطير لا بالتهريج والتهويل، والروائيون، على الخصوص، لا يحملون لافتات تمشي في المواكب ادعاء، ولا هم متسللون لسرقة الشعارات وابتزاز المناسبات، وتفريخ ملفق الكلمات، بل هم، وهم قليل، يرقبون من منارة في قلوبهم، وفي الجذور، ومنها يرسلون الضوء، ليخرج سردا منسقا، محكم الحبك والتنزيل الفني والرسالي، وما أحوجنا إلى تذكّر هذه المثل في زمن استشرى فيه التهريج والفساد في ميدان الأدب، والتنديد بهما لا يقل مسؤولية عن مواجهة الفساد والاستبداد الذي تخوضه شعوب العرب حاضرا وغدا. تنتهي ‘ثلاث برتقالات مملوكية’ بموّال وصورة رومانسية، لتفتح أفق فرح وأمل، كأنما لتعلن بأن العالم ولا الأدب، أن المستقبل، ليس قاتما، والدليل ما تقوله نجية رمز هذا الأمل كبشارة، بعد كل ما مر من محن: ‘ياااه.. لسّه البنات بترقص، وتغني!’ ومع أدول نضيف: ياااه لسّه فيه أمل في الرواية!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية