قراءة عراقية لملف أمريكا النووي مع إيران

من قرأ وتابع أخبار العراق منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، أيقن بأن النظام الإيراني كان ومازال المستفيد الأول والمباشر من عملية تدمير البلاد وتمزيقها طائفياً، رغم أن هذه الجريمة أثلجت صدور غيره من الأنظمة الإقليمية، بعد أن قلبت عملية تفتيت العراق وخروجه من دائرة التأثير السياسي والعسكري الكثير من الموازين.
ومن يقرأ ويتابع تداعيات الأحداث الساخنة للمشهد العراقي في يومنا هذا، يجد صعوبة في تفسير الدور الأمريكي وعلاقته بإيران، في ما يتعلق بالسماح بتدخل النظام الثيوقراطي في طهران بالشأن العراقي، وتورط مليشيات حرس أجهزة «الولي الفقيه»في تعميق الثقافة الطائفية، عن طريق القتل وتشريد العرب السنة وبشهادة المسؤولين الأمريكيين أنفسهم من جهة، ومن ثم تعاون أمريكا العسكري مع إيران عن طريق نظام بغـداد التابع لطهران، وتحت غطاء الحرب الدولية ضد تنظيم «داعش» المتطرف. وهذا ما قد يضعنا أمام حقيقتين: الأولى، أن أمريكا هي من سلمت العراق على طبق من ذهب إلى إيران. هكذا يقول العراقيون وهم أصحاب الأرض وأهلها الشرعيون. أما الثانية، فإن إيران هي المسؤولة عن إرسال الأسلحة والمليشيات إلى العراق وتحتل البلاد، وهذا ما صرح به كبار المسؤولين الأمريكيين، إذن لماذا هذا الموقف المزدوج للولايات المتحدة من تدخل إيران في العراق؟
يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية، انطلاقا من مشروع الهيمنة على سوق النفط العالمية، ومن خلال تسليم العراق الغني بثرواته إلى إيران في 2003، عمدت إلى صياغة معادلة نفطية للتوازن الطائفي، تفصل العالم الإسلامي السني الممثل بالمملكة العربية السعودية وإمارات الخليج العربي، عن طريق خلق قوة نفطية إسلامية شيعية بين طهران وبغداد، التي من خلالها يسمح لها بالتحكم بالمصادر الثلاثة الأولى من احتياطي النفط في العالم، بين المملكة العربية السعودية وإمارات الخليج من جهة، إيران والعراق من جهة ثانية، ليضاف إلى ما تم إنجازه سابقا، بعد السيطرة على جميع طرق خطوط النفط والغاز. وقد نجح هذا المشروع لحد ما وهذا ما يفسر تغاضي الإدارات الأمريكية المتتابعة وسماحها للنفوذ الإيراني بالتغلغل في عمق المؤسسات الأمنية والاقتصادية العراقية. إلا أن الولايات المتحدة اصطدمت على ما يبدو أيضا، ونتيجة لهذه التسهيلات، بجشع النظام الإيراني ومن ثم تعنته وإصراره على بناء قوة نووية، ترجع له حلم إعادة الإمبراطورية الفارسية في المنطقة.
من هذا المنطق كان لهذا التعنت والمبالغة الإيرانية في بناء قوة نووية الأثر الكبير في بروز نوع من الانفصام في الموقف الأمريكي تجاه النظام الإيراني، إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الازدواجية بين الموقف الأمريكي المؤيد من وجود إيران في العراق، وإصرار إدارة الرئيس أوباما الدؤوب على إفشال برنامج إيران النووي والمفاعلات الذرية الواقعة تحت سيطرة الحرس الثوري. وهذا ما أغاض أمريكا والغرب ودحض في الوقت نفسه ادعاء إيران بالطبيعة المدنية لهذا الملف المهم.
لا شك ان هذه الازدواجية في الموقف الأمريكي هي نتيجة طبيعية تترجم حقيقة تعدد مواقف القوى المؤثرة للنظام الإيراني وتنوع واجهاته وقنواته الدبلوماسية.
الواجهة الأولى، واجهة المؤسسات الرسمية للدولة، التي يمثلها الرئيس حسن روحاني، الذي جاء أصلا لرفع العقوبات وإصلاح الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه إيران، وتحسين العلاقات مع الأسرة الدولية، ومن ضمنها الملف النووي عن طريق وزير الخارجية والخبراء والدبلوماسيين، بعد ان أدى استمرارها إلى استياء الشعب الإيراني، نتيجة الهدر الكبير لأموال الشعب التي صُرفت تحت غطاء الثورة الإسلامية في العراق وسوريا ولبنان، ناهيك عن المبالغ الطائلة في ما يتعلق بالملف بالنووي. وهي الجهة المسايرة والمسيرة من قبل الحرس الثوري والولي الفقيه، ولكنها لا ترجع إليه فقهياً .
الواجهة الثانية، واجهة الولي الفقيه والحرس الثوري وهما من يقف وراء المشروع النووي، ومليشيات قاسم سليماني في العراق وسوريه و»حزب الله» في لبنان. وهي مؤسسات أمنية وعسكرية مسؤولة عن حماية النظام الإيراني وخامنئي شخصيا، وهي مركز قوة هرم السلطة التي تحاول الولايات المتحدة إجباره على إنهاء المشروع النووي.
لا شك أن التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني قد يكون بمثابة انتصار دبلوماسي للرئيس الأمريكي باراك اوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني، اللذين جعلا من عودة العلاقات إحدى أولويات سياستيهما الخارجية. رغم ان واشنطن وطهران لا تزالان بعيدتين عن هذا الهدف، حيث قد لا يمحو هذا الاتفاق استمرار غليان الشارع الإيراني وقلق الأسرة الدولية، على صعيد حقوق الإنسان ودعم إيران للمليشيات في العراق وسوريا، خصوصا أن المناخ السياسي الجديد أصبح أقل تأييدا للتقارب مع إيران منذ فوز الجمهوريين الأخير في انتخابات الكونغرس التشريعية.
أصبح من الواضح ان استمرار هذه الازدواجية في التعامل مع إيران سوف لن تدوم طويلا، وأن الولايات المتحدة في محاربتها للمشروع النووي الإيراني تسعى إلى تحجيم قدرة الولي الفقيه والحرس الثوري في المضي لتحقيقه، وبالتالي احتمال انهياره شعبياً، ما سوف يُرجح الكفة الأولى المتمثلة في مؤسسات إيران الرسمية التي تمثلها الدولة، والتي من المنطق سوف تدير ظهرها عن النظام الثيوقراطي في لحظات سقوطه وانهياره. وعلى هذه الواجهة تبني الولايات المتحدة موقفها الوحيد والأخير مع إيران. وهذا ما قد يعيدنا شئنا أم أبينا للمشهد العراقي نظراً لارتباط النظام العراقي الحيوي بإيران ونظامها السياسي.
السؤال المطروح الآن هو عن مستقبل النظام العراقي المرتبط بإيران أو بالأحرى مع أي واجهة إيرانية يرتبط حكام العراق؟
مع واجهة إيران الدولة وشعبها التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية التعامل معها لاحقا؟ بالطبع لا. أم اجهة الولي الفقيه المسؤولة عن الملف النووي المخيف للغرب وحرس الثورة ومليشيات سليماني في العراق؟ أسألوا العراقيين فلديهم الأدلة والرد اليقين.

٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي

أمير المفرجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية