المصالحة المصرية القطرية… الأعداء يمتنعون

حجم الخط
15

قبل نحو عام، وإذ بدا نفق الخلافات العربية بلا نهاية ولا ضوء، كتبت في هذا المكان، أن الصراعات الدولية بطبيعتها متحولة، وأنها تميل إلى إعادة إنتاج المواقف باتجاه التحاور ومن ثم التقارب، وأن الوضع العربي ليس استثناء. ولم يكن ذلك رأيا، بل حقيقة يعرفها كل من درس علم إدارة الصراعات السياسية، وتذكرتها مجددا أمس الأول فيما كنت أقرأ البيانات الرسمية العربية، التي أجمعت على ضرورة فتح صفحة جديدة من التضامن، ثم شاهدت برنامجا تلفزيونيا بمشاركة صحافيين: مصري وقطري، فاذا بهما يتفقان حول أهمية المصالحة بين القاهرة والدوحة، ويحاولان احتواء اختلاف الرأي حول التفاصيل، مع الحرص على تبادل عبارات ودية.
وعلى الرغم من هذا التطور الإيجابي، وهو بالغ الأهمية بدون شك، فإن التجربة الطويلة تجبرنا على التزام الحذر عندما يتعلق الأمر بقدر التفاؤل الذي يمكننا استثماره، بالنظر إلى محيط سياسي مزدحم بأعداء معروفين، أو مجهولين لهذه المصالحة، سواء محليا أو إقليميا. وحسب رؤية شخصية بحتة، ومن منطلق عروبي ووطني أيضا، هذه قراءة في ملامح رئيسية لمسار سياسي عربي جديد، قد تلعب القاهرة والدوحة معا دورا حاسما في تشكيل ما سيؤول إليه من تضامن عربي مأمول.
أولا- بغض النظر عن أي خلافات سياسية، يجب أن أكرر ما كتبته من قبل بالفعل، من أن البذاءات التي جاءت على ألسنة بعض المحسوبين على الإعلام المصري ضد الأسرة الحاكمة في قطر، خاصة الشيخ تميم والشيخة موزا، تمثل عارا حقيقيا بأي مقياس، ولا تعبر بأي حال عن قيم المصريين او أخلاقهم. وقد أحسن الرئيس السيسي بالاعتذار عن تلك الإساءات لدى لقائه الشيخ تميم في نيويورك. إلا ان هذا ليس كافيا، بل يجب تفعيل ميثاق الشرف الإعلامي الذي تعهدت به خريطة الطريق، كما قرأها بنفسه على المصريين في الثالث من يوليو/تموز العام الماضي. هذا استحقاق لا يقل أهمية عن إجراء الانتخابات، وسنظل نطالب به حتى بعد انتهاء الخلاف مع قطر، باعتبار أن استمرار تلك الوجوه القبيحة وبذاءاتها وخطابها الفاشي المستفز، يمثل إساءة لمصر وشعبها وتاريخها وسمعتها وقيمها ومكانتها، قبل ان يسيء إلى أي طرف آخر.
وليس غريبا ان واحدا من تلك الأصوات الشاذة بلغ من «البجاحة» أن أعلن انزعاجه من أنباء المصالحة مع قطر، بل هدد الرئيس السيسي بعدم البقاء في السلطة (..) إن هو استمر في هذا المسار. أما تفسير هذا فهو أن مجرد احتواء الخلاف يفقد اولئك سبب وجودهم، ويحرمهم من «الذخيرة» التي يغطون بها عجزهم المهني.
وليس غريبا ان أعلن رئيس قناة الفراعين استقالته منها بعد ساعات من البيان الرئاسي المصري بقبول المصالحة. وقد يكون هذا أول الغيث في بوادر التهدئة الإعلامية من الجانب المصري، وإن كان مثل اولئك اصبحوا يفتقدون الحد الأدنى من المصداقية، وقد تجدهم على الشاشة مجددا خلال ايام، ولكن على أي حال فانه لم يعد واردا استمرار تلك البذاءات تجاه قطر تحديدا. وبدورهم سيتطلع المصريون إلى بوادر تهدئة من جانب الإعلام القطري، إلا أنه من الإنصاف ملاحظة ان ذلك يجب ألا يمنعه من ممارسة حقه الطبيعي والعروبي في الاهتمام بالشأن المصري، باعتبار انه كان وسيظل ذا اهمية خاصة ومؤثرة في المحيط العربي.
ثانيا – من الخطأ تصوير المشكلة بين القاهرة والدوحة على أنها «إعلامية فقط» على الرغم من الدور الذي قامت به بعض وسائل الإعلام في الجانبين من تأجيج للتوتر وشحن للنفوس، وهو ما يجعل التهدئة الإعلامية أرضية حتمية للتقدم نحو تفكيك اشتباكات سياسية معقدة. ومن منطلق حرص القيادة السياسية في البلدين على إنجاز المصالحة، لن نستغرب إن تتحقق توقعات متداولة في الأوساط الدبلوماسية حاليا بانعقاد قمة مصرية قطرية قبل القمة العربية المقررة في نهاية شهر مارس/آذار المقبل. ومن المهم أن تكون الأسس التي ستنعقد عليها واضحة، وان تراعي المعطيات الجديدة في موازين القوى العربية، التي لم تعد تسمح إلا بالتعددية السياسية كما الإعلامية، لكن على ان تصب جميعا في دعم المصلحة العليا العربية، بدلا من أن تنحدر إلى متاهة التناحر والتشرذم التي لا تخدم إلا مصلحة الأعداء. ولا يمكن التظاهر هنا بأن الأمور ليست معقدة، بل انها كذلك. وتتعلق أساسا بمستقبل الإسلام السياسي في المنطقة، وهذا يرتبط عضويا بملف جماعة الإخوان في مصر. وربما لا يكون واقعيا التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن في المستقبل القريب، إذ سيتطلب إجراء نوع من «التفكيك» لحالة مركبة يتداخل فيها الأمني مع السياسي والحقوقي، ليتسنى الخروح بـ»رؤية سياسية» تقوم على الاحتواء وليس الإقصاء، لكن في اطار من احترام القانون، بالإضافة إلى حلحلة لملفات إقليمية ومنها الوضع في قطاع غزة والعلاقة مع حركة حماس.
ثالثا- بغض النظر عما يجري تداوله حاليا من تكهنات بشأن إجراءات محددة، قيل إنها في طريقها للتنفيذ، خاصة في ما يتعلق بما يسمى وقف الدعم لجماعة الإخوان، وهو ما نفته مصادر من الجماعة، حسبما نشر في صحف مصرية، فإن ثمة «كيمياء» مطلوب من الجانبين التعامل معها بمبادرات تقدر «الحساسية المفرطة» لهذا الوضع الهش. ومن المهم ان تتأكد القيادة المصرية من الرد على أصوات من داخل مصر وخارجها بدأت فعليا في تصوير موقف قطر بأنها «اضطرت إلى المصالحة تفاديا للعزلة»، بوضع الأمور في نصابها الحقيقي، وهو ان الأساس الوحيد الممكن لأي تضامن عربي، إنما هو الاحترام المتبادل للأدوار والمصالح في إطار من التكافؤ والتعاون، وليس الانفراد او الإملاء أو التناحر.
ومن الجانب القطري، سيكون مفيدا بل ضروريا «تفكيك» الحالة النفسية التي نتجت عن الشحن الإعلامي المتواصل خلال الشهور الماضية، عبر مبادرات محددة قد تكون سياسية او إعلامية أو اقتصادية. وتأخذ في الاعتبار حقيقة قد لا تبدو واضحة لكثيرين، وهي ان الرأي العام في مصر لا يتكون من فصيل واحد، ولا يملك تشكيله أي مسؤول او جهاز او مؤسسة سيادية او سياسية واحدة، وان الأغلبية الساحقة من المصريين اصبحوا غير معنيين اصلا بالصراعات السياسية، لكنهم مستعدون للتحشد في مواجهة ما يبدو لهم وكأنه تهديد غير مسبوق لوجودهم، الذي يرتبط في وعيهم بوجود الدولة منذ آلاف السنين. وبالتالي فإن التأثير في مجريات الأمور يصبح أسهل كثيرا من داخل الدولة وليس من خارجها، او بإزالتها او بالانحياز إلى تيار دون اخر.
وأخير لابد ان يسجل للحكومة القطرية انها لم ترد على سحب السفير المصري وتصاعد التوتر او حتى الاساءات من اولئك المتطفلين على الاعلام، باتخاذ أي إجراء ضد عشرات الآلاف من العمال المصريين في قطر، بل استمرت في معاملتهم بكرامة، وهو ما يؤكد حسا قوميا عروبيا للقطريين شعبا وقيادة، نراهن عليه في ألا يصح إلا الصحيح في النهاية رغم كيد الأعداء والمتربصين.

٭ كاتب مصري

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية