مصطلح الشعر الحُرّ مستورَد من تراث أجنبي أشاعَتهُ في خطأ غير مقصود الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة، وذلك عام 1949 في مجموعتها الشعرية الثانية بعنوان “شظايا ورماد”. كان قصد الشاعرة تحرير الشعر العربي من قيود الوزن والقافية المفروضة عليه على امتداد 14 قرنا،ً والالتزام بالوزن والقافية ولكن بترتيب آخر يراعي التعبير عن الفكرة والصورة بشَطرٍ من الشعر يقصُر أو يطول حسب اقتضاء اكتمال الصورة أو الفكرة، دون الحاجة إلى شطرٍ ثانٍ كما في الشعر التراثي، والالتزام كذلك بالقافية والوزن، ولكن بإيرادهما عند الحاجة في الأشطر الطويلة أو القصيرة التي يرى الشاعر أنها تعبّر عن الصورة أو الفكرة التي يريد. ولكن هذا يجعل القصيدة محرّرةً وليس حُرّة من شروط الوزن والقافية. وهذا يختلف عن الشعر الحُرّ كما قدّمه الشاعر الأمريكي والت ويتمان عام 1855 في مجموعته بعنوان “أوراق العشب”. وعدم اشتراط الوزن والقافية ليكون الكلام شعراً هي فكرةٌ موجودةٌ في التراث العربي كما نقرأ في كلام قُدامة ابن جعفر، وكما نقرأ في جواب الوليد بن المغيرة لعرب الجاهلية الذين خَشِعت أبصارُهم لمّا سمعوا الذِكر، وقالوا بل افتَراه بل هو شاعر. ولما كان ما سَمِعه عرب الجاهلية من آي الذِكر الحكيم يخلو من الوزن والقافية ولكنهم حسبوه شعراً، فهذا يدل على أن الشعر في عُرف الجاهليين الكلام الذي يأخذ بتلابيب الفكر والذائقة مع خلوّه من الوزن والقافية. لذا يكون ما قدمته نازك الملائكة من شعر يعيد ترتيب الوزن والقافية ولا يغيّبهما هو شعر تفعيلةٍ وليس بالشعر الحُرّ الذي يخلو من الوزن والقافية.
كان يمكن للشعر الحر أن يتخذ اسماً لا يغدو موضع جدلٍ لو أن أدباء العربية قبلوا بتسمية “الشعر المنثور” التي اقترحها الأديب اللبناني المغترب أمين الريحاني ( 1876- 1940) وذلك في حدود عام 1910. لقد كان الريحاني معجباً بشعر والت ويتمان لما وجدَ فيه من تعبير عن النفس البشرية والعناية المفرطة في الأسلوب الذي راح الشاعر الأمريكي يعيد النظر فيه باستمرار إلى يوم وفاته. وقد جاء هذا الاهتمام بهذا الأسلوب من كتابة الشعر المنثور في بلاد الشام في أواسط القرن الماضي، فكتب فيه عددٌ من أصحاب المواهب الأدبية الذين وجدوا في الأسلوب النثري تحرّراً من قيود الوزن والقافية، ولكن في الوقت نفسه تسلل إلى الكتابة في هذا الأسلوب عددٌ من ضعيفي المواهب، مما فتح مجالاً لمهاجمة هذا الأسلوب الجديد في كتابة الشعر.
ومن جهة ثانية، لدينا عددٌ من أصحاب المواهب العالية، تدعمُها ثقافةٌ واسعةٌ في التراث العربي، كما في تراث الشعر الأجنبي الإنكليزي أو الفرنسي، مما يجعل ما يكتبوه من الشعر المنثور، بل الشعر الحر الذي يخلو من الوزن والقافية، إلاّ ما جاء منها عرَضاً، أمثلةً من الكتابة الأدبية يعتزّ بها القارئ واسع الأفق، الذي يخلو من العَنعَنات، والتحامل الذوقي، والأحكام المسبقة.
من أبرز الأمثلة المعاصرة على كتّاب الشعر الحُر: توفيق صايغ الفلسطيني اللبناني (1923- 1971) ومحمد الماغوط السوري (1934- 2006) ومحمد بنّيس المغربي المولود عام 1948. وأنا أعرف هؤلاء الشعراء الثلاثة شخصيّاً ولديّ الكثير من أعمالهم المنشورة. إزدهر إنتاج توفيق صايغ الأدبي في أوائل الخمسينات من القرن الماضي. وقد صدر له
“ثلاثون قصيدة” عام 1954 وبعدها “القصيدة ك” عام 1960 وبعدها جاءت “مُعَلّقة توفيق صايغ” عام 1963 وجميعها نشرت ببيروت. وقد نشر توفيق صايغ كذلك “تي. إس. إليوت ورُباعيّاته الأربع” في لندن 1962 كما نشرت له في دمشق عام 1963 “خمسون قصيدة من الشعر الأمريكي المعاصر”.
وقد استرعت أعمال توفيق صايغ من الشعر الحُرّ اهتمامَ وإعجاب كبار الشعراء والأدباء في بيروت الستينات، مثل سعيد عقل وميخائيل نعَيمه ومارون عبود. وفي شهادات هؤلاء الكبار وأمثالهم دليلٌ على أن أمثلة الشعر الحر من عمل أدباء تقوم على أرضيّة من الثقافة الغنيّة ليس بنتاج من يقصّر عن إدراك موسيقى الأوزان والقوافي في الشعر العربي التراثي.
هذا مثال من “القصيدة ك” وهو الحرف الأول من اسم المحبوبة. والقصيدة هنا أشبه بابتهال وترنيمة كنَسيّة، فيها ما يشبه القافية، ولكن ليس فيها وزن سوى وزن موسيقى الأفكار، بعبارة الناقد الكبير آي.أي. رتشاردز، في وصف موسيقى قصيدة إليوت الكبرى “الأرض اليباب”. هذه الأسطر المتلاحقة أقدّمها هنا متتاليةً على السطر الواحد، توفيراً لمساحة الصفحة: “أكُلَّما مَسمَرَ الوَحلُ قدميَّ/ وشَلّني إلاّ يَدَين رفعتُهما إليكَ/ تَسَمّرتَ وشَلَلتَ يديكَ/ وطالَبتَني بالانبثاق بالارتقاء اليكَ/ أكلّما صرختُ واستَغثتُ/ واكتسبتُ عطفَ مَن حواليكَ/ عَطفتَ لكنّما اكتفيتَ/ (يَدَيك أريدُ يَديكَ)/ بتَدليةِ حبلٍ إليّ”.
وهذا مثال من “مُعلّقة توفيق صايغ”: “هَرَباً من النار جئنا الماء/أكانَ فينا وقودٌ/ يجتذبُ النار؟/ لحِقَت بنا النارُ، استعَرَتْ،/ لم يُطفئ جَذوَتَها الماء./ على ضفّةِ البحر المُقدّسِ/ تلطمُ مَوجاتهُ الجدار/ امتدّ ت إلينا النار”.
ومن أبرز من كتب قصيدة الشعر الحُرّ الشاعر السوري محمّد الماغوط (1934- 2006). التقيتُ محمّد الماغوط أوّل مرّةٍ في صيف 1963 في مقهى الهافانا بدمشق، فوجدت فيه مثالاً نادراً للشاعر الهائم على هوامش الحياة، يكتب عن مشاعرهِ الخاصة حول كل ما يرى من حوله من شؤون الناس والحياة. وقد تطوّر الشعر الحُرّعنده لاحقاً فصار يكتب المسرحيات بلغةٍ قاسيةٍ في نقدها جوانب من شؤون الناس والمجتمع. وقد استمر في تطوّره في كتابة الشعر الحُرّ حتى نال الاعتراف بإبداعهِ وكُرِّم بجائزة الشعر من مؤسسة العويس في دبي عام 2005.
هذه بعض الأمثلة من شعره المُبَكِّر من قصيدة “جنازة النسر”: “أظُنّها من الوطن/ هذه السحابة المقبلة كعَينَين مسيحِيتين/ أظنُّها من دمشق/ هذه الطفلةُ المَقرونةُ الحواجب/ هذه العيون الأكثرُ صفاءً/ من نيرانٍ زرقاء بين السفن./ أيّها الحُزن.. يا سيفيَ الطويل المُجَعّد/ الرصيف الحامل طِفلهُ الأشقر/ يسأل عن وردةٍ أو أسير/ عن سفينةٍ أوغيمةٍ من الوطن…”.
وهذا مثال آخر من قصيدةٍ بعنوان “جفاف النهر”: “صاخبٌ أنا أيها الرجل الحريري/ أسيرُ بلا نجومٍ ولا زوارق/ وَحيدٌ وذو عينينِ بَليدَتين/ ولكنني حزينٌ لأن قصائدي غدت متشابهة/ وذات لحنٍ جَريحٍ لا يتبدل/أريد أن أرفرف، أن أتسامى/ كأميرٍ أشقر الحاجبين/ يطأ الحقول والبشرية”.
وهذا مثال أخير بعنوان “شتاء”: “كالذئاب في المواسم القاحلة/ كنّا ننبُتُ في كل مكان/ نُحبّ المَطر/ ونعبدُ
الخريف/ حتى فكّرنا ذات يوم/ أن نبعث برسالة شُكرإلى السماء / ونلصق عليها/ بدل الطابع..ورقة خريف”.
أحسب أن التطوّر السريع في الشعر العربي المعاصر مَدينٌ بالكثير إلى الاطلاع على نتاج الشعراء بلغات أجنبية وأبرزها الانكليزية والفرنسية ونجد أمثلة على ذلك في إنتاج الشعراء المعاصرين في لبنان وفي بلاد المغرب العربي. وأحسَبُ أن شعراء المغرب العربي كانوا أكثر انفتاحاً على شعراء فرنسا من انفتاح شعراء لبنان. فمنذ بداية السبعينات من القرن الماضي ظهرت أعداد طيّبة من الكتّاب والشعراء في المغرب العربي تلقّحت أرضيتُهم من الشعر العربي بما تعلّموه من الشعر الفرنسي بشكل خاص. وأمامي مثال جيّد من شاعر مغربي بدأ إنتاجَه الشعري في أواخر سبعينات القرن الماضي، وراح يتطوّر بشكل سريع وينشر الكثير من المجموعات الشعرية بأسلوب الشعر الحُرّ بمعناه الدقيق الذي يخلو من الوزن والقافية، لكنّه شعرٌ يستَحوذ على ذائقة القارئ العربي المعاصر، الذي يخلو من الأحكام المُسبَقة على ما هو شعرٌ أو غيرُ شعر. بدأ محمد بنّيس ينشر كثيراً من الشعر والدراسات الأدبية منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي. وكان آخر إنتاجه مجموعة من الشعر الحر بعنوان ”يقظة الصمت” صدرت في أول عام 2020. هذا مثال من هذه المجموعة بعنوان “ليل الحروف”: “في الصمتِ يتحرّكُ الهواءُ خفيفاً مُنسَرحاً هواءُ الفجْرِ أوْ هَواءُ هضَبَةٍ تطلُّ منها على بحْرٍ ثنياتُ مائِهِ تُشعُّ تتوثّبُ تختلجُ في الصّدر شيْءٌ لا تدْري ما اسْمُه كأنهُ من الظاهرِ- لا منَ الظاهرِ دبيبٌ تمتزجُ به الأنْفاسُ تحسُّ الهواءَ يَسْتَريحُ على ساعديْك َقِسْطٌ من النّهارِ في عيْنيْكَ وأنتَ في حضْرةِ السّديم”.
الملاحظ في هذا المقطع، وفي غيره كثير، غياب علامات التنقيط والفواصل، كأنّ المطلوب أن نقرأ المقطع بنفَسٍ واحدٍ لتكتَمِل الصورةُ أو الفكرة التي يريدها الشاعر. وفي قصيدة بعنوان “بلاغةٌ مُضادّة” نقرأ قصيدة من الشعر الحر بسبعة مقاطع مُرقّمة تلتزم تفعيلة “فَعلُنْ” لكنها تخلو من القافية، وينتهي كل مقطع بثلاثة أو أربعة أسطر من النثر، كأنّه تعليقٌ على ما سبق من قصيدةٍ من الشعر الحُر. وهنا أيضاً لا نَجدُ علامات تنقيط كأن الشاعر يريد أن يقول هذه صورةٌ لا تحتمل التقسيم: ”الصّمتُ بلادٌ تظْهرُ من جهَةِ الأنفاسْ/ لا يبْلُغُها أحدٌ/ يخْشَى/ أن يَبقَى محْروماً في اللّيلِ/ وَحيداً يبحثُ عنْ/ أثَرٍ من دُونِ ضجيجٍ/ تكتُمُهُ الأحْجارُ” ويختم المقطع بثلاثة أسطر من النثر تعليقاً على ما سبق.
وقصائد الشعر الحُرّ لا تقتصر على موضوعات المشاعر الشخصية والشؤون العاطفية، بل إنها تستوعبُ موضوعاتٍ يتناولها الشعرُ التراثي بالشطرين والقافية، كما يتناولها شعر التفعيلة بالوزن والقافية المتحرِّرَتين من الأسلوب التراثي. هذه قصيدةٌ لمحمد بنّيس بعنوان “أرضٌ بدِماءٍ كثيرة” وهي عن فلسطين، وعن غزّة بالذات، وهي قصيدةٌ طويلةٌ بسبعة عشر مقطعاً: ”هناك الأرض لا أرضَ سواها متى نشأت، لا أعرف. وهُم هُناكَ أبناءُ فلسْطينَ في شَساعةِ الأرضِ كانوا. في أرضِ كنْعانَ كانوا. مع الريحِ الزرقاءِ كانوا. مع أشجارِ الزيتونِ حقولٍ مُشمِسةٍ كانوا. مع أمواج المتوسِّطِ ومَراكبهمْ كانوا. مع صَلَواتِهم في القُدسِ كانوا. هناك الأرضُ. لا أرضَ سِواها. في أول الصّباحِ يمشون. أبناءُ فلسطينَ. عيونُهم نشيدْ”
ويختم المقطع بجملتين قصيرتين: غزه في فلسطين. فلسطين فوق الأرض.
اللغةُ في يَدِ الشاعر الموهوب طيِّعةُ تستجيبُ لموضوعاتٍ لا يمكن أن تكونَ وَقفاً على أسلوب الشعرِ التُراثي أو أسلوب شعر الخطابة السياسية أو ما يشبه ذلك. وإضافةً إلى تعريف الشعر عند قُدامة بن جعفر، قد نسأل آخر شعراء الرومانسية الإنكليز أ.ئي. هاوسمن (1859 1936) ما تعريف الشعر؟ فيقول: أنا لا أستطيع تعريف الشعر أكثر مما يستطيع كلب الصَّيد تعريف الجُرذ. كلانا يعرف الشيء حين يراه.