مع نهاية الشهر الماضي انتهى أجل معظم برامج التحفيز الاقتصادي التي أعلنتها الدول العربية، لمواجهة تداعيات الإغلاق الوقائي بسبب انتشار وباء كورونا. تلك البرامج كان قد تم العمل بها منذ شهر اذار/مارس الماضي ولمدة ستة أشهر، باستثناءات محدودة، حيث اقتصر بعض الإجراءات على ثلاثة أشهر، بينما يمتد البعض الآخر إلى نهاية العام الحالي. ومع نهاية أجل هذه البرامج يقف صناع السياسة الاقتصادية في الدول العربية، وكذلك قيادات القطاع الخاص وجها لوجه أمام عدد من الحقائق الصعبة، أهمها عدم اكتمال برامج إنتاج لقاح للوقاية من وباء فيروس كورونا المستجد على المستوى العالمي، وضعف الدولار الذي ترتبط به معظم عملات الدول العربية، وكذلك ضعف أسعار النفط والغاز، وهما الثروة الرئيسية التي تتمتع بها الدول العربية الغنية التي تلعب دورا مهما كقاطرة للنمو في العالم العربي، من خلال التبادل في أسواق السلع، وفرص التشغيل للعمالة الماهرة وغير الماهرة، التي لا تجد لنفسها فرص عمل في بلدانها الأصلية، ومن خلال تدفقات رؤوس الأموال والإستثمارات. كذلك فإن هناك عوامل جيوسياسية تلعب دورا سلبيا في الوضع العام للمنطقة ككل بتاثير التوترات في سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن والخليج ودول القرن الأفريقي.
وتطرح الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية الحالية تحديات ضخمة على عملية صنع السياسة الاقتصادية وجهود التنمية الهادفة إلى تحقيق الاستقرار في أسواق العمل، وانتظام عجلة التبادل في الأسواق، وتوفير احتياجات تمويل الإنفاق العام. وسوف نتناول فيما يلي نتائج برامج التحفيز الاقتصادي في الدول العربية حتى الآن، والفرص المتاحة للمحافظة على استقرار أسواق العمل والسلع والتمويل في الأجل القصير، خصوصا بعد أن تضاءلت احتمالات حدوث انتعاش اقتصادي عالمي سريع يأخذ بيد اقتصاد الدول المعتمدة على تصدير النفط والغاز والمواد الأولية بشكل عام. ونقول إن استمرار ضعف الدولار والنفط والغاز يهدد الاستقرار الاقتصادي للدول العربية، ويقلل فرص العمل المتاحة للشباب، ويزيد من حدة تأثير التباطؤ الاقتصادي، ويعزز استمرار الضغوط الانكماشية، مما سيترك آثارا سلبية على تحقيق الكثير من طموحات التنمية في دول عربية قائدة مثل رؤية 2030 في السعودية التي تترنح حاليا وتتراجع فرص تحقيقها طبقا للجدول الزمني الذي كان معلنا من قبل.
أولا: نتائج برامج التحفيز
بلغت قيمة برامج التحفيز المالي والاقتصادي للدول العربية حسب تقدير صندوق النقد العربي حوالي 232 مليار دولار. وتضمنت هذه البرامج آليات لتقديم مساعدات مباشرة للقطاعات الاقتصادية المختلفة للمحافظة على فرص التشغيل، ومنع حدوث بطالة على نطاق واسع، كما تضمنت تسهيلات ممتدة لمدة 6 أشهر للإعفاء من مستحقات أقساط القروض، ورسوم إدارية وضريبة وخدمية أو تأجيل سدادها. وشارك القطاع المالي في تقديم حوافز لضمان استمرار النمو ومنع وقوع أزمة سيولة، وذلك بإتاحة قدر إضافي من السيولة المالية بواسطة السلطات النقدية، وتخفيض أسعار الفائدة وتأجيل سداد الديون المستحقة على الأفراد والشركات. وتضمنت برامج التحفيز أيضا تقديم مساعدات للأسر الفقيرة لتمكينها من الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، مثل دفع 500 جنيه شهريا للعمالة غير المنتظمة في مصر، الذي تم تمديده إلى نهاية العام الحالي. كما أسهمت المخصصات الإضافية لتعزيز قطاع الرعاية الصحية في زيادة الطلب العام والخاص.
وكان من نتائج برامج التحفيز تجنب حدوث ارتفاع صارخ في معدلات البطالة، خصوصا بين المواطنين في الدول الخليجية، والحد من احتمالات حدوث انهيار اقتصادي في بعض القطاعات، خصوصا الأكثر تضررا من الجائحة مثل السياحة والطيران والنقل والفنادق. ومع ذلك فإن الدول العربية على وجه الإجمال باستثناء مصر تعرضت لانكماش اقتصادي في النصف الأول من العام، من المرجح أن يستمر حتى نهاية العام الحالي حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
ويقدر الصندوق حسب آخر المراجعات أن دول الخليج العربية ستتعرض لانكماش اقتصادي بنسبة 7.6 في المئة حتى نهاية العام الحالي، مقابل تقدير بانكماش أقل حدة بنسبة 2.3 في المئة كان قد اصدره في نيسان/أبريل الماضي. وقد تم هذا التعديل طبقا لمؤشرات الأداء الفعلية خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهي الفترة التي تعرضت فيها دول الخليج لضغوط خارجية وداخلية بسبب الهبوط الحاد في أسعار النفط، والغاز، وتراجع كميات التصدير، وتذبذب أسعار الدولار، والتأثير الحاد لإجراءات الإغلاق الاقتصادي الوقائي الكلي أو الجزئي. أما الدول العربية المستوردة للنفط فإنها تعاني أيضا، باستثناء مصر، من انكماش اقتصادي بنسبة 2 في المئة تقريبا، في حين سيحقق الاقتصاد المصري طبقا لتقديرات الصندوق نموا بنسبة 2 في المئة.
ومن الملاحظ بشكل عام أن تمويل برامج التحفيز الاقتصادي والمالي تم من خلال إجراءات صارمة لتخفيض الإنفاق العام، وزيادة الضرائب والرسوم، وزيادة الاقتراض من الخارج. ففي السعودية على سبيل المثال تم تخفيض الإنفاق العام بنسبة 17 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي وبنسبة تزيد على 30 في المئة خلال الربع الثاني. وفي الوقت نفسه قررت الحكومة مضاعفة نسبة ضريبة القيمة المضافة بمقدار ثلاثة أمثالها إلى 15 في المئة اعتبارا من بداية الربع الثالث من العام مقابل 5 في المئة قبل ذلك، كما قررت كذلك وقف بدل غلاء المعيشة. كذلك فإن مشاريع البنية الأساسية الطموحة الواردة في رؤية 2030 السعودية تعرضت للتوقف أو تأجيل تنفيذها وذلك نتيجة اقتطاع ما يقرب من 100 مليار ريال سعودي من الموارد المخصصة للتمويل. وفي الدول العربية الأقل دخلا وفر صندوق النقد الدولي برامج تمويل عاجلة بقيمة 8 مليارات دولار لمصر، و1.7 مليار للأردن، و745 مليون لتونس و395 مليون للصومال، و260 مليون لموريتانيا و13 مليونا لجزر القمر.
ثانيا: تأثير ضعف سوق النفط
قطاع النفط والغاز هو أكبر القطاعات الاقتصادية في الدول العربية ككل؛ فهو يسهم بنسبة 27 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبنسبة 42 في المئة من الصادرات، وبنسبة تتجاوز 60 في المئة من موارد الميزانيات الحكومية. وترتفع أهمية هذا القطاع في بعض الدول العربية مثل ليبيا إلى ما يزيد عن 95 من الصادرات و 90 في المئة من الإيرادات العامة الحكومية. ولذلك فإن أي هزة في أسواق النفط والغاز تترك تأثيرا قويا. وقد تحملت الدول العربية المصدرة للنفط وحدها ما يزيد عن نصف تكلفة الإنهيار في سواق النفط والغاز العالمي في الربع الثاني من العام الحالي، بسبب نقص كميات التصدير والهبوط الحاد في الأسعار.
وعلى الرغم من تعافي سوق النفط اعتبارا من ايار/مايو 2020 إلا أن الأسعار ما تزال عند مستويات منخفضة تقل بنسبة 40 في المئة تقريبا عن مستواها في العام الماضي حسب تقديرات أوبك.
ويعاني الطلب على النفط في الوقت الحالي من ثلاثة عوامل سلبية في وقت واحد، الأول هو عدم اليقين بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على التعافي، ومن ثم عودة الطلب إلى المستويات التي كان عليها قبل ظهور وانتشار وباء كورونا المستجد. العامل الثاني هو وفرة المخزونات المتاحة لدى الشركات والدول المستوردة، التي كانت قد عمدت إلى زيادتها لحدود قصوى خلال فترة انهيار الأسعار في أبريل الماضي. أما العامل الثالث فإنه يعود إلى اعتبارات بيئية تعكس الضغوط المتنامية للحد من تغيرات المناخ على مستوى العالم.
وطبقا لاتفاق أوبك والدول غير الأعضاء المصدرة للنفط، فإن تخفيض الإنتاج بكمية تبلغ 8 ملايين برميل يوميا من المتوقع أن يستمر حتى نهاية العام الحالي، إلا أن ذلك سيتوقف دائما على نتائج المراجعات الدورية لأوضاع السوق. وكانت أوبك والدول غير الأعضاء قد اتفقت على تخفيض الإنتاج حتى نيسان/أبريل 2022 بهدف المحافظة على توازن السوق والحد من احتمال هبوط الأسعار، أو زيادتها بنسبة كبيرة. وتضمن هذا الاتفاق الاستمرار في تخفيض الإنتاج بمقدار 6 ملايين برميل يوميا اعتبارا من أول العام المقبل وحتى نهاية الربع الأول من عام 2022. وهذا يعني أن برامج التحفيز الاقتصادي والمالي ستستمر تحت ضغوط قوية بسبب الأوضاع في سوق النفط، وكذلك بسبب ضعف الدولار.
ونتيجة لضعف أسواق النفط والدولار فإن بعض الدول العربية اضطرت إلى اتخاذ إجراءات لتقليل الواردات، نظرا لانخفاض موارد النقد الأجنبي، منها الجزائر على سبيل المثال التي قررت تخفيض الواردات بنسبة 25 في المئة.
ثالثا: خيارات السياسة الاقتصادية
مع تأخر إنتاج وإتاحة لقاحات للوقاية من فيروس كورونا المستجد؛ فقد تجددت احتمالات اللجوء إلى أشكال من الإغلاق الاقتصادي الكلى أو الجزئي. هذا في حد ذاته من شأنه أن يعطل التعافي الاقتصادي ويزيد الحاجة إلى تمويل برامج تحفيز جديدة لمواجهة تداعيات الإغلاق. ونظرا لأن أوضاع المالية العامة للدول العربية، بما فيها الدول النفطية، ليست في حالة جيدة، ولا تسمح لصانعي السياسة المالية بهامش ملائم للمناورة، فإن الأشهر المقبلة ستشهد على الأرجح لجوء الدول العربية إلى مواصلة برامج التحفيز الاقتصادي، ولكن مع تحميل المواطنين بأعباء أكبر، وكذلك تحميل الميزانيات الحكومية بالمزيد من الديون المباشرة، المحلية والخارجية، وأيضا إلى زيادة السحب من الاحتياطي النقدي لدى البنوك المركزية ومن الصناديق السيادية، كما ستميل السياسة الاقتصادية إلى خيارات صعبة على المستهلكين وذوي الدخل المحدود.