الودع خزف البحر الحامل للخوارق ومفتاح الغيب الخاص بقراءة الطالع

عبد الله مولود
حجم الخط
0

استخدم عملة في الصحراء ومنه تصنع ماسكات تنضير الوجه

نواكشوط-“القدس العربي”: لا تستهن بالخزف الأبيض الصغير الذي يرميه البحر، والذي هو في أصله بيت الحلزون؛ ففي هذه القطع التي تسمى “الودع” والتي توجد مرمية على الشواطئ، خوارق غريبة: فالودع بنصاعته وطهره الذي اكتسبه من تجاويف البحر، يعتبر لدى شعوب كثيرة، مفتاح الغيب الخاص بقراءة الطالع والكشف عن المستقبل.

وتحدثت المصادر التاريخية عن دور كبير للودع في الحياة الاقتصادية، فقد أكد ابن فضل الله العمري في القرن 14م، الذي استقى معلوماته من حُجاج مملكة مالي والمناطق الصّحراوية الدّائرة في فلكها ورُوّادها من التّجار العرب “أنّ المعاملات في بلاد الزنج كانت تتم بالودع، بل إن كبار التجار كانوا يتحلون بالودع تبركا بهذه القطع العجيبة، فينظمون قلائد من الودع يجعلونها في رقابهم وفي معاصمهم”.

وكانَ التُجارُ الزنوج يستخدمون الودع كعملات لبيع الأقمشة والأسلحة والعنبر والملح، وبهذه العملة يشترون الذّهب خلال النّصف الأول من القرن 19م.

ويجلب الودع الممتاز ذو اللون الناصع إلى غرب أفريقيا من المُحيط الهندي عن طريق البرتغاليين الذين كانوا يبيعوه نوعه الجيد في القرن 16م.

ويقول فيليب دي كارتين وهو رحالة أوروبي شهير “أن استخدام الودع قد عم ابتداءً من القرنِ 17 بفعل اتساعِ التّبادلِ البحري مع الأوروبيين”.

وفي المغربِ الأقصى، تحدثت المصادر التاريخية عن تفريغ كميات كبيرة من الودع بميناء الصويرة المغربي بداية القرن 18م وحتى نهاية القرن 19م، حيث تراوح سعرهُ ما بينَ 40 إلى 45 فرنكا للقنطار سنة 1870م، بينما بلغ في تنبكتو  50.12 فرنك للألف.

ولعل في هذا البعدِ التّاريخي للودع كوسيلة لقياسِ القيّم والتعبير عنِ الثّروات، وفي أصله الهندي، ما قد يساعدنا على تفسيرِ ما انبنى على الودع من ممارساتٍ رمزية وما يعزى له، إلى اليومِ من خصائص طوطمية لدى بعضِ الأوساطِ النّسوية في المناطقِ التي ألفت التعامُل به أساساً.

ويحظى الودع بتقديس كبير في موريتانيا؛ فبقطعه تمارس الموريتانيات عمليات التنجيم لمعرفة الطالع وعبره يستطلعن الغيب لمعرفة أسباب المشاكل وبقطعه يقمن بالاستخارات لإخبار زبنائهن بما يخبؤه لهم المستقبل.

وتقوم المنجمة بضرب الودع وقراءة عزائم عليه قبل إلقائه وتحريكه بشكل عشوائي لينتج عن ذلك تموقع لقطع الودع تستخرج منه المنجمة أو “الكزانه” كما تسمى، تفاصيل الطالع: فإذا ظهرت قطع مقلوبة فمعنى ذلك أن الزبون ستتغير أحواله وإذا تراكبت القطع فتلك أموال قادمة للزبون وإذا تفرقت القطع فذلك طلاق منتظر وإذا تجمعت فتلك مشروعات سيتيسر إنجازها، وإذا قفزت قطع إلى الزبون فذلك حظ كبير ينتظره.

وعادة ما تكون المواضيع التي تبحث عنها الذاهبات إلى قارئات طالع الودع هي الرغبة في معرفة أسباب مشكلاتهم مع أزواجهم مثلا وأحيانا درجة حب الحبيب ودرجة إخلاص الصديق وغيرها، وليس شرطا أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما.

ومن الطريف أن بعض قارئات الودع يشترطن أن توضع قطع النقود التي ستدفع لهن مع الودع حيث أنها تساعد في قراءة الطالع.

وأخذت ظاهرة “ضرب الودع” في الانتشار بصورة واضحة داخل التجمعات الراقية في السودان، خاصة الأماكن المعروفة بأن قاطنيها من الأثرياء أو الأجانب الذين يسكنون في الأحياء الراقية بالعاصمة مثل العمارات وغاردن سيتي والمنشية والرياض.

وتبدأ ضاربة الودع في الدخول على مرادها من الزبائن بوجه بشوش وكلمات تجذب الفتيات وتستهوي الشباب المتلهف على معرفة المستقبل.

وتبدأ ضاربة الودع طقوسها على الفور، حيث تفترش الأرض وتمد ملاءتها من الرمل الأبيض ثم تنثر الودع وبعد لحظات من الإثارة تجذب المريد “الزبون” بالكثير من الأشياء عن حياته العامة والخاصة، والغريب أن بعض ما تقوله المنجمة يكون حقيقيا.

وتعتمد المنجمة على تفاعل الزبون معها وعلى تصديقه لبعض ما تكشف له عنه، فتعتمد على ذلك لإعطائه المزيد من المعلومات التي لا يعرفها غيره، ومن هنا تستحوذ المنجمة على قلب الزبون.

وتدعى بعض ضاربات الودع بأنها صديقة لأحد مردة الجن الذي يساعدها في مهنتها بدليل حسبما تقول إحداهن أن كلاما مما تذكره للزبون يصيب كبد حقيقته، وتسند المنجمة وجهة نظرها بآيات من القرآن والأحاديث النبوية، كما تستند على طقوس خاصة بعالم الجن وعلاقته ببني آدم.

ولا تتوقف استخدامات الودع عند هذه النواحي بل إنه يستخدم كبودرة تصنع منها ماسكات تعالج المشاكل الجمالية التي تُرهق المرأة اليوم كظهور الكلف أو البقع الداكنة على الوجه أو مختلف مناطق الجسم، ويعتبر التخلص منها صعبا ويتطلب وقتا ووصفات أكثر، لكن بخواص الودع وبركاته يتحقق للمرأة من ما تصبو له من نضارة وجمال ومن قبول.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية