السلطة تمضي في مسار تعديل الدستور دون تغيير حقيقي
الدوحة ـ”القدس العربي”: يرى المتابعون أن السؤال العميق الذي طرحته “الفورين أفيرز” عشية الانتخابات السابقة والتي أتت بالرئيس الحالي عبد المجيد تبون، لا يزال يطرح نفسه بقوة، مع استحقاق تعديل الدستور الذي تراهن عليه السلطة. وكانت المجلة البحثية افتتحت دراسة حول الجزائر نهاية 2019 تساءلت فيها: “ماذا لو تم إجراء انتخابات ولم يصوت أحد؟ يواجه الجزائر مجدداً السؤال ذاته، ونفس الظروف التي كانت حينما قررت حكومة الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح آنذاك إجراء انتخابات رئاسية في 12 كانون الأول/ديسمبر” تخيم على المشهد السياسي.
“الفورين بوليسي” قالت أن تلك الانتخابات قد تنتهي كتمرين عبثي: فقد رفضت جميع المنظمات السياسية والمدنية الجزائرية تقريبًا، تأييد المرشحين الرسميين الخمسة و دعت الجزائريين إلى الامتناع عن التصويت. وللمفارقة ، فإن فشل هذه الانتخابات سيؤشر على نجاح التطلعات الديمقراطية للبلاد، كما تعبر عنها ظاهرة هيمنت على المشهد السياسي الجزائري منذ أواخر شباط/فبراير: الحراك.
وبعد هذا الاستحقاق الذي مر، لا يزال المراقبون يعيدون نفس السؤال.
وعادت المجلة ذاتها في دراسة أخرى لتحليل المشهد السياسي الجزائري، على ضوء موجة الحراك السلمي للشعب. واعتبرت إن الانقلاب السلمي على بوتفليقة ليس انحرافاً، بل إنه يعكس اتجاهاً مفاجئاً عبر القارة: على الرغم من التصورات الشائعة لأفريقيا باعتبارها ممزقة بالعنف والصراع.
واعتبر خبراء الفورين أن من بين الحركات الاحتجاجية التي اندلعت مؤخرًا في جميع أنحاء العالم، يقف الحراك الجزائري، منفصلاً، ومختلفاً عن غيره.
وكشف “مجلس أتلانتيك” في ورقة بحثية، أنه بعد أيام من الاضطرابات والاحتجاجات الكبيرة في الشوارع في جميع أنحاء البلاد، في 13 كانون الأول/ديسمبر تم انتخاب عبد المجيد تبون – رئيس الوزراء الجزائري الأسبق الذي خدم في ظل حكم عبد العزيز بوتفليقة الذي دام عقدين – رئيسًا للجزائر بنسبة 58.15 في المئة من الأصوات. كانت نتيجة غير متوقعة لبعض المحللين. ومع ذلك، لم يكن الأمر متوقعًا بالنسبة لغالبية الجزائريين الذين، بعد عشرة أشهر من المظاهرات، يواصلون المطالبة بتفكيك نظام السلطة الذي حكم الجزائر منذ استقلالها.
وتنطلق الدراسات الأكاديمية التي تتابع الشأن الجزائري، على ضوء التفاعلات الحاصلة في المشهد السياسي، من كون الرئيس الجديد يمثل المؤسسة القديمة. في الواقع، جميعهم (تقصد الشخصيات التي تتصدر المشهد حالياً) شغلوا مناصب رسمية في ظل رئاسة بوتفليقة ومرتبطون بالسلطة – وهو لقب مشترك بين الشعب الجزائري – والذي يشير إلى النظام السياسي المتفشي والفاسد والدائرة الداخلية للجنرالات الذين يحتفظون بالسلطة الحقيقية للدولة.
ويشير المتابعون للشأن الجزائري أن السلطة تراهن على الانتخابات المقبلة، أي الاستفتاء على تعديل الدستور، وتعتبره استراتيجياً، بالرغم من المطالب التي تقدمت بها فئات من الشعب تطالب بتغيير حقيقي. ويأتي في هذا السياق تأكيد الفريق السعيد شنقريحة رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، في تصريح سياسي حول تعديل الدستور، وقوله: “هذا الشعب الأبي سيخرج بقوة للمشاركة في الاستفتاء على مشروع تعديل الدستور ويدلي بصوته السيد بخصوص التعديلات المقترحة مفوتا بذلك الفرصة على المتربصين بأمن واستقرار جزائرنا الغالية”.
التصريحات الرسمية لأقطاب النظام الجزائري حول حتمية التغيير عبر استحقاقات انتخابية لا تزال محل تشكيك، يعتبرها خبراء أنها تعاكس المطلب الأصيل للمحتجين وهو القطيعة مع النظام.
معهد واشنطن للدراسات أشار في دراسة نشرها، أن استقالة بوتفليقة بعد عشرين عامًا من حكم البلاد، شكلت في الواقع حدثًا بارزًا في الحياة السياسية المعاصرة في الجزائر. لكنه استطرد أن الأسابيع القليلة الماضية، أظهرت أن استقالته لم تكن سوى بداية سلسلة أحداث سياسية غير متوقعة، إذ خلقت مناخًا سياسيًا أكثر تعقيدًا كما اتضح اليوم.
وعلى الرغم من التظاهرات المستمرة والتي توقفت مؤقتاً بسبب جائحة كورونا، في الجزائر، ستحتاج البلاد، بحسب توقعات كثيرة، إلى المزيد من الوقت لإرساء دعائم الاستقرار، إما من خلال الانتخابات، كما ينص الدستور، أو الإجماع حول فترة انتقالية سياسية، كما تطالب بعض القوى الاجتماعية والسياسية.
ويُعزى هذا الغموض السياسي إلى ركود من جانب المؤسسة العسكرية، وعدم تنظيم لدى المتظاهرين. وفهم دوافع الطرفين بشكل أوضح سيساعد على بلورة ما يجب توقعه خلال الأسابيع القليلة المقبلة في السياسة الجزائرية، على حد تأكيد المعهد.
انتخابات عاجلة
بعد استقالة بوتفليقة، أنجرّ النظام السياسي، بعجلة نحو وضع خارج عن سيطرته، بالنسبة إلى القيادة العسكرية، وهي صاحبة السلطة الفعلية في الجزائر، حيث كشفت استقالة الرئيس السابق عن “الصندوق الأسود” الحاكم ووضعت هذه القيادة في مواجهة مباشرة مع المتظاهرين في الشارع.
لذلك، دعا رئيس أركان الجيش الراحل، أحمد قايد صالح، مرارًا إلى إجراء انتخابات رئاسية بأسرع وقت ممكن. فالقيادة العسكرية في الجزائر معتادة على الحكم من خلف الكواليس وتتطلع بالتالي بلهفة لفرض واجهة مدنية كالعادة خلال الانتخابات المقبلة. وفق ما أشارت الورقة البحثية لمعهد واشنطن.
وترى أنه بالنسبة إلى “الطغمة العسكرية” يُعدّ تنظيم الانتخابات، الاستراتيجية الوحيدة التي قد تسمح للنظام القديم بإعادة تعزيز سلطته. ولتجنب التغيرات المحتملة الخارجة عن سيطرتها، أقرت القيادة العسكرية سلسلة من الإصلاحات الرمزية ولكن غير الأساسية. ونتيجة لذلك، شهدت الجزائر سلسلة اعتقالات لمسؤولين سابقين رفيعي المستوى من الجهازين العسكري والمدني، على خلفية تهم متعلقة بالفساد والأمن خلال الأشهر الماضية، بمن فيهم كثر من رموز إدارة بوتفليقة. وكان الهدف من الاعتقالات تهدئة الحراك الشعبي في الجزائر وكسب ثقته مع تفكيك جناح بوتفليقة. ولكن عدة لاعبين سياسيين واجتماعيين اعتبروا الاعتقالات “سياسية” و”تعسفية”.
أجواء شك بين الشارع والنظام
يرى باحثون أن عدم ثقة المتظاهرين بالمؤسسة الحاكمة الجزائرية، أفشل هذه المحاولات، ومحاولات أخرى سابقة، لفرض خريطة طريق النظام نحو الانتقال في الجزائر. فقد سعى قائد الأركان الراحل قايد صالح، أن يقسم الحراك الشعبي عبر خطوط إيديولوجية وإثنية عبر التذكير بالهوية الأمازيغية، واعتبار العلم الأمازيغي تهديدًا للوحدة الوطنية. ولكن خطابه اعتُبر على نطاق واسع عنصريًا ومهينًا لأحد أبرز رموز الهوية الجزائرية. وبالرغم من الجهود الدعائية، ما زال المتظاهرون غير مقتنعين بخريطة طريق القيادة العسكرية الحاكمة ويخشون أن تسمح الانتخابات، من دون أي تغيير منهجي سابق، ببساطة للنظام القديم بإعادة التكون بحلّة جديدة.
ويشدد مركز “إريس” الفرنسي للأبحاث السياسية، التأكيد على أن حركة الاحتجاج الحالية يقودها شباب جزائريون من الطبقة الوسطى، متعلمون جيدًا وناضجون سياسيًا، يطمحون للمشاركة السياسية والتغيير. ظهرت هذه الفئة بفضل التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تم إحرازه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واعتماد نظام السوق المفتوحة، وارتفاع الأجور، والتوظيف الجماعي الضخم.
كما تلعب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، على حد تأكيد الباحثين، دورًا مهمًا في مساعدة الجزائريين على نشر الأخبار حول الفساد، كبدائل للإعلام الخاضع للرقابة، وكذلك في بث الاحتجاجات وتنسيقها في جميع أنحاء البلاد ، خارج الهياكل السياسية التقليدية.
ويعتبر خبراء المركز أن تطورات الوضع السياسي في البلاد، يستدعي التساؤل عن النموذجين الراسخين اللذين هيمنا على البحث الأكاديمي حول السياسة والنظام السياسي في الجزائر، وبالتالي معظم الدول العربية. يعتبر نموذج دولة الرفاهية، واستغلال عائدات النفط، عاملاً رئيسياً في فهم النظام السياسي الجزائري. يعتمد هذا النهج وفق خبراء الإريس، على الاعتقاد بأن عائدات النفط تعوق الديمقراطية، وتؤدي إلى تعزيز سيطرة الأنظمة الاستبدادية على السلطة، من خلال المحسوبية، وإعادة التوزيع الشعبوي للأموال العامة. أما النموذج الثاني فيؤكد على دور الجيش، بالنظر إلى أن الجزائر في ظل نظام عسكري تكون فيه السلطة الحاكمة بالكامل بيد قيادة الأركان العسكرية التي تحكم البلاد من وراء الكواليس، مثلما يؤكد خبراء مركز الأبحاث الفرنسي.
تحديات اقتصادية ووضع هش
أشارت وكالة رويترز، في تحليل للوضع الاقتصادي في الجزائر، أن البلد يواجه بالفعل أزمة مالية تلوح في الأفق، بسبب سنوات من انخفاض عائدات الطاقة، وضعف القطاع الخاص، حيث الإصلاحات قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية في البلاد.
وأضافت أنه على الرغم من إقرار الحكومة والبرلمان علنًا بالحاجة إلى إجراءات طويلة الأجل لتقليل العجز، إلا أنهما يواجهان أيضًا أكبر تحد لسلطة الدولة منذ الحرب الأهلية في التسعينيات.
وصرح جيف بورتر، المتخصص في شمال أفريقيا من مكتب استشارات، أن “هذا النهج نجح في الماضي، لكن المجهول الكبير هذه المرة هو المدة التي تظل فيها أسعار النفط منخفضة ومدة تأثير جائحة فيروس كورونا المستجد”.
وترى مؤسسة القانون المالي الدولي البحثية، في ورقة أصدرتها مؤخراً، أن تنظيم الانتخابات التي أعلنتها السلطة لتعديل الدستور، تأتي في وقت يشهد فيه البلد تحديات محورية، تطرح تساؤلات عن امكانية الخروج من النفق.
وتإكد أنه في مواجهة الضغوط السياسية والاجتماعية المحلية من أجل التغيير، وبيئة عالمية صعبة مع تراجع أسعار النفط ووباء كوفيد -19 ترسل الحكومة الجزائرية الجديدة إشارات قوية بأنها مستعدة لجذب المستثمرين الأجانب لتعزيز الاقتصاد. لكنها بالمقابل تتحدث عن المعوقات التي تحول دون تحقيق هذه الخطط على أرض الواقع.
وتراجعت احتياطات الصرف التي تعدت 194 مليار دولار في العام 2013 حيث تآكلت منذ 2014 بصورة مستمرة، لتفقد أكثر من 100 مليار دولار خلال 4 سنوات لتصل إلى 92 مليار دولار العام 2017 وتستقر حالياً في حدود أقل من 60 مليار دولار، على أن توقعات قانون المالية لسنة 2021 يحددها بمستوى 47 مليار دولار.
ويرى الخبراء أن السلطات الجزائرية لم تفكر كثيراً في إيجاد البدائل للمداخيل النفطية، ذلك أن طبيعة نظام الحكم، جعلت آلية الإنفاق العام تستخدم كوسيلة من وسائل التحكم في الوضع العام للبلاد، وذلك باتجاه التصرف في أموال الدولة بصورة إدارية لا تمت للمنطق الاقتصادي بصلة.
وتذهب الدراسات التي تتناول الشأن الجزائري، التأكيد على أن شراء السلم الاجتماعي قد دفع إلى تبني سياسات واسعة للدعم، عن طريق التحويلات الاجتماعية وذلك بتخصيص نصف ميزانية الدولة للسنة المقبلة 2021 في شكل مساعدات اجتماعية مباشرة وغير مباشرة. بما يقارب 4000 مليار دينار (ما يقابل 31 مليار دولار تقريباً). وهو ما يعني الإبقاء على صيغة الدعم الشامل دون التفريق بين مختلف أصحاب المداخيل، وهو النهج المتبع منذ العام 2011 عند انطلاق ثورات الربيع العربي. حيث رفعت السلطة آنذاك مستوى الإنفاق العمومي بـ 60 في المئة دفعة واحدة من أجل مواجهة أي اضطرابات اجتماعية في علاقة مع سوء الأحوال المعيشية.
وظلت درجة تحمل الأعباء الجديدة مرتبطة بالمداخيل النفطية أساساً، وهي الوضعية التي أصبحت لا تطاق منذ تسجيل التراجع في أسعار النفط منذ العام 2014 وهو ما أدى إلى انحصار إمكانيات الدولة في توفير الأموال اللازمة للإبقاء على نفس مستوى الإنفاق.
تضييق على الحريات
المشهد الجزائري عشية انتخابات السلطة لتعديل الدستور، تخيم عليها مخاوف عدة تبديها منظمات حقق الإنسان الدولية، التي عبرت في مناسبات مختلفة عن قلقها من تدني الحريات.
وأبدت لجنة حماية الصحفيين خشيتها من الوضع الحالي في الجزائر، وأشارت في تقرير لها أنه بعد أسبوعين من سجن صحفي جزائري معروف، صدر حكم على مراسل صحفي سابق بالسجن بسبب تعليقات نشرها على شبكة الإنترنت، مما عزز المخاوف من أن الرئيس الجزائري الجديد، عبد المجيد تبون، ماضٍ على خطى سلفه فيما يتعلق بسجله في سن سياسات تقييدية لحرية الصحافة على الرغم من وعوده بإجراء إصلاحات ديمقراطية.
ونشرت اللجنة تصريحاً لمصطفى بن جامع وهو من مناصري حرية الصحافة ورئيس تحرير موقع “لوبروفنسال” الإخباري الجزائري، أكد فيه أن “مناخ حرية الصحافة تغير كثيراً في عهد تبون، نحو الأسوأ”.
وكانت حرية الصحافة قد شهدت تراجعاً في عهد الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي دام 20 عاماً. ففي عام 2006 أصدر بوتفليقة مرسوماً يحظر فيه على الصحافة مواصلة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية من عام 1991 وحتى عام 2002 إلى جانب أمور أخرى، طبقاً لما أشارت إليه لجنة حماية الصحافيين في رسالة وجهتها آنذاك واعترضت فيها على ذلك القانون. ولاحقت إدارة بوتفليقة أيضاً الصحافيين بصفة فردية. وكان زغيلاش، وهو المراسل الإذاعي السابق الذي حُكم عليه مؤخراً في عهد تبون، قد سُجن سابقاً لمدة 49 يوماً سنة 2018 حسب ما ذكرته زميلته ليندا ناصر، والتي أفادت للجنة حماية الصحافيين إن زغيلاش استُهدف بسبب بثه لبرنامجه الإذاعي الإلكتروني، “ساباركان” دون ترخيص وبسبب إهانته المزعومة للرئيس على موقع الإذاعة.
وتزداد مع مضي السلطة في مسعى ترتيب الوضع وفق استراتيجيتها، المخاوف من انسداد الأفق بين الشارع والنظام، حيث لا يزال الحراك يدعى إلى القطيعة مع الممارسات السابقة، والمضي نحو إعادة تشكيل المشهد بنظام تأسيسي ينقل البلد نحو الأمان، بمشاركة أبنائه من كافة الأطياف والمشارب.
وسيظل المطلب يطرح نفسه مع كل موعد انتخابي جديد تراهن عليه السلطة المتهمة بصم آذانها عن مطالب الحراك الجزائري، الذي يستمر في مسعى النظام السلمي حتى تحقيق مطلب التغيير الحقيقي.