حراك الجزائر: كسب معركة وخسر أخرى

محمود بلحيمر
حجم الخط
1

السلطة صنعت نخبًا وتنظيمات سياسية واجتماعية مزيّفة

انتهى أم لم ينته؟ ذلك هو السؤال الذي يُطرح اليوم في الجزائر بشأن ما يُعرف بالحراك، تلك التظاهرات العارمة غير المسبوقة التي شهدتها مدن الجزائر في 22 شباط/فبراير 2019 ردا على عزم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية خامسة وهو مريض على كرسي متحرك، وتواصلت تلك التظاهرات لعدة شهور رافعة مطالب سياسية واجتماعية، أهمّها الشروع في مسار انتقال ديمقراطي يفضي لإقامة دولة القانون ويضمن الحقوق والحريات الأساسية. وباختصار انتفاضة من أجل الكرامة.

حقّق الحراك أشياءً كثيرة وأخفق في أخرى، بل ربما كان يُراد له تحقيق أشياء خارجة عن طبيعته. وفي الواقع، كان سقف التوقعات من الحراك كبيرا للغاية منذ البداية، لا سيما عندما يُنظر إليه كحركة سياسية تعود لها الكلمة الفصل في رسم مسار الانتقال السياسي في البلاد وبناء نظام جديد. لكن، عمليا، نجح الحراك في طرد بوتفليقة من السلطة وتسبّبَ في إطلاق حملة ضد الفساد، شكك فيها البعض، لكنها قادت كبار مسؤولي الدولة، من بينهم رئيسا وزراء، وقادة أمنيين ورجال أعمال إلى السجن، وأعاد طرح الأزمة العميقة والقديمة لنظام الحكم في البلاد. وفي المقابل، لم يكن للحراك دور في القرار السياسي الحاسم الخاص بمسار بناء النظام السياسي (الجديد) عندما فرضت السلطة خيارها بتنظيم انتخابات رئاسية، عارضها ناشطون من الحراك ومن الأحزاب باعتبارها، حسبهم، لا تختلف عن الانتخابات السابقة. وتمضي السلطة الآن، أحاديا دائما، في تعديل دستوري يرفضه رموز الحراك وعددٌ من أحزاب المعارضة، ولا يرى مراقبون أنه يحمل إضافة من شأنها أن تُسهم في حل المعضلات الأساسية والمستعجلة لجزائر اليوم.

لقد تحوّل الانشغال بشأن الحراك من: كيف يمكنه أن يشكّل قوة سياسية موّحدة تجتمع على أرضية سياسية، تُفاوض على أساسها السلطة في عملية إعادة بناء النظام السياسي إلى: هل الحراك انتهى أم لا يزال حيًا؟ بمعنى إلى أي مدى يمكن التعويل على زخم التظاهرات العارمة واستراتيجية احتلال الشارع لإرغام السلطة على قبول مطالب الشارع؟

هناك عدة عوامل ساهمت في تراجع زخم الحراك أذكر منها عاملين رئيسيين، أولا: وباء كورونا الذي أدّى إلى وقف التظاهرات في الشارع كلية خوفا من انتشار عدوى المرض، ثانيا: عجز الحراك عن الانضواء في شكل تنظيم سياسي، بأرضية سياسية منسجمة وبمسؤولين معروفين يكونون محاورين رسميين للسلطة. لقد طُرحت أفكار متضاربة بهذا الشأن لكن النقاشات داخل الحراك لم تُفلح في معالجة هذا الخلل. البعض لا يعتبره خللا إطلاقا على أساس ان الحراك ليس مطالبا بتشكيل تنظيم أو حزب أو قيادة وإنّما هو أداة ضغط لتحقيق مطالب التغيير السياسي. لكن كيف؟ وهل هناك توافق على تلك المطالب، لاسيما المسائل المثيرة للجدل السياسي في المجتمع، كالهوية والدين والثقافة إلخ، وهي مواضع حساسة ولا يمكن أن نزعم أن هناك توافقا حولها؟ ولا ننسى الإشارة هنا إلى المضايقات الأمنية والمتابعات القضائية التي طالت عددا من النشطاء والتي أثّرت سلبا على الحراك. هل يعني كل ذلك نهاية الحراك وأنّه لن يُحرّك الشارع مستقبلا ولن يُؤثر في الحياة السياسية للبلاد؟

الشارع وسيلة ضغط

بالنسبة للكاتب الصحافي الجزائري عابد شارف فإن الحراك وصل إلى نهايته. ويقول في تصريح خاص لـ”القدس العربي”: “بمعنى أن طريقة الاحتجاج التي كانت تجنّد الجزائريين بشكل إجماع وطني انتهت، وذلك لأن الأسباب التي انتجت تلك الديناميكية زالت، أسباب تتلخص في وضع حد لعهد بوتفليقة وإزالة (تبهديلة) الحكم السابق واستعادة حد أدنى من كرامة الجزائريين مع إعادة الاعتبار للفعل السياسي”.

هل يعني ذلك انتفاء الأسباب التي تدفع الناس للخروج مجددا إلى الشارع؟ يجيب عابد شارف: “أعتقد أن عددا من أسباب الاحتجاج ما زالت قائمة لكنها ليست بحدّة ما عرفناه قبل 22 شباط/فبراير 2019 وإمكانية تجنيد الجزائريين ضدها بأعداد ضخمة تراجعت. يبقى الشارع وسيلة ضغط قائمة، لكن البلاد ستعود إلى وسائل ضغط تقليدية، خاصة إذا تم تنظيم انتخابات تشريعية مقبولة. غير أن حدّة الضغوط لن تبلغ ما وصل إليه الحراك. مع الإشارة إلى أن الضغوط ستتضاعف لكنها ستكون جزئية أو فرعية، إما اقتصادية واجتماعية، إما متعلقة بالهوية، لكنها لن تكون وطنية شاملة، إلا إذا عادت السلطة إلى سلوك يشبه ما عشناه في عهد بوتفليقة، وأعتقد أن ذلك مستبعد في المستقبل القريب”.

في المقابل يرفض المتحمسون للحراك التسليم بصدقية هذا التحليل؛ فهم يرون أن السلطة في حالة تخبط وسترضخ في نهاية المطاف لمطالب الحراك، المرشح لكي يستمر بعد القضاء (المحتمل) على كورونا. وهذا الفريق يحنّ لتلك الملحمة الجميلة التي صنعها الجزائريون في الأيام الأولى للحراك بطبيعته السلمية والواعية والتي بشّرت بساعة التغيير، لكنه لا يلتفت لما تقتضيه الواقعية السياسية، فما هو مأمول يختلف كثيرا عمّا هو واقع بالفعل. ومن هذا الفريق يرى رضوان منصوري، وهو طالب دكتوراه في العلوم السياسية في الجزائر، أنه “بما أن الحراك هو هبة شعبية ضد الاستبداد والطغيان شارك فيه مواطنون من مختلف توجهاتهم السياسية والإيديولوجية، فليس مطلوب منهم التكتل في تنظيم أو حزب سياسي معين ذا توجه معيّن، بل هم يشكلون قوة ضغط لدفع النظام للرضوخ لتحقيق المطالب المتمثلة في دولة الحق والقانون وبناء مؤسسات شرعية يختار فيها الشعب ممثليه”. وبالنسبة لمنصوري فإن الحراك سيستمر بأشكال مختلفة “ما دامت نفس المسببات لا تزال قائمة والمطالب لم تتحقق” مضيفا أن “الموعد الانتخابي القادم هو شأن يخص السلطة لوحدها”.

ما هو واضح أن الحراك كسَبَ المعركة الرئيسية التي وُجد لأجلها عندما ثار كبركان غضب على تعنّت بوتفليقة في البقاء في السلطة وعلى تصرفات فساد مقرفة، لكنه يسجّل إخفاقا في معركة أخرى سطرها لنفسه، خلال الطريق، وهي لعب دور رئيسي في مأسسة جديدة للنظام السياسي. سبب ذلك مرتبط بصرامة النظام حيال هذه المسألة وبتناقضات الحراك وظروف كورونا.

تبّون والرهان الصعب

لكي يكسب الرئيس عبد المجيد تبّون الزخم السياسي المطلوب لإنجاح مرحلة انتقالية سلسة وليفرض نفسه، والسلطة، أمام المناوئين من الحراك والمعارضة، فهو يحتاج لتوسيع قاعدته السياسية بكسب التأييد من فئات اجتماعية واسعة، والظهور بمظهر الرئيس القادر على فعل أشياء ينتظرها قطاع واسع من الجزائريين وكانت عبّرت عنها بشكل واضح تظاهرات شباط/فبراير 2019. وهذه المسألة تحديدا تمثل تحديًا بالنسبة للرئيس تبّون والمحيطين به؛ فالأحزاب التقليدية، لاسيما تلك التي كانت منضوية في الائتلاف الحاكم في عهد بوتفليقة، تبدو جليا بقياداتها وخطابها، فاقدة لأي مصداقية، بل ومثيرة للشفقة. فالتغييرات التي مسّت قياداتها لم تفرز شخصيات لها القدرة على الاقناع وإنتاج خطاب جديد وإحداث القطيعة المطلوبة. فهذه الأحزاب، ومعها جمعيات أخرى مما يسمى بـ “المجتمع المدني” التي كانت تستغلّها السلطة لتبرير شرعيتها، تُسيّر، ببساطة، وفق آليات تقليدية سلطوية لن تُفرز قيادات قادرة على الاقناع وتقديم أفكار جديدة.

وهنا تحديدا ينبغي أن نتوقف عن تلميع السراب؛ فتلك الأحزاب صُقلت منذ عقود لتخدم نظاما سياسيا تسلطيا وعلى أن تلعب دور “بني وي وي” كما هو في التعبير الجزائري والذي يُقصد به التأييد المطلق لما يأتي من أعلى. وليس أصدق على ما نقول من تلك الصورة الباهتة لقادة تلك الأحزاب، مثل حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وتجمع أمل الجزائر “تاج” وأحزاب أخرى مشابهة، التي سبق وأن رشّحت بوتفليقة لولاية خامسة، وهي تجتر كلاما مثيرا للسخرية مفاده أنها كانت مع الشعب في تظاهرات 22 شباط/فبراير وأنها جادّة في بناء جزائر جديد!

 وهذا في حد ذاته يمثل تناقضا صارخا؛ فلا يمكن بناء جزائر جديدة بخطاب خاوٍ ووجوه قديمة من عهد الفساد البوتفليقي. فالتمادي في فرض نفس الوجوه ونفس الخطاب الأجوف يمثل انتحارا سياسيا للسلطة، فهي بذلك تحبط معنويات الجموع التي خرجت في شباط/فبراير متطلعة لتغيير جذري في البلاد حتى تنطوي على نفسها مجددا أو تلتحق بالحركات الاحتجاجية تعبيرا عن رفض الوضع القائم. وما يلاحظ في هذا المجال أن السلطة الجديدة لم تبذل جهدا في تطوير خطاب جديد، عقلاني وجذاب، ولم تتخلّص من بعض الوجوه التي توحي بأن العهد البوتفليقي لا يزال حيا بيننا. فعدم الانتباه لمثل هذه التفاصيل يوحي بأننا أمام عمل “هواة” يفتقد للإتقان ولحد أدنى من الجدّية.

وعلاوة على ذلك، لن يكسب تبّون رهان الظهور كرئيس قادر على إحداث التغيير المطلوب إلا باتخاذه إجراءات جريئة لتنشيط القطاع الاقتصادي الذي طاله الركود ونخره الفساد، تُعيد بعث الاستثمار وتوّفرَ وظائف جديدة لأعداد كبيرة من الباحثين عن العمل، بما يسمح بامتصاص غضب الشارع. وتبدو يد السلطة مقيّدة إلى حد ما في هذا المجال بنقص الموارد المالية.

تكمن أزمة النظام السياسي الجزائري، وهي أزمة كل الدول النامية التي تسعى لتحقيق الانتقال الديمقراطي، في أن السلطة صنعت، خلال عقود، نخبًا وتنظيمات سياسية واجتماعية مزيّفة لا تمثل تطلعات المجتمع وتدير ظهرها للتطلعات والمطالب الاجتماعية الحقيقية التي يجري التعبير عنها، إما علنا في الشارع أو تحملها أحزاب وتنظيمات معارضة. كما وضعت  نمطا خاصا من “شبه ممارسة سياسية” يوحي بوجود شرعية للنخبة الحاكمة، لكن الكل يدرك أن القرار السياسي في يد جهة أخرى لا تقبل تقاسم السلطة ولا الرقابة عليها ولا حتى الاحتكام لأبسط قواعد القانون. هذا ما رأيناه مع “البوتفليقية” وهذا ما يجب أن تتجنّبه الجزائر مستقلا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية