بيروت ـ ‘القدس العربي’: إذا ما قيست الثلاثون سنة الأخيرة في التاريخ السياسي للجزيرة العربية، بعمر التاريخ البشري عموما، فإنها قد لا تشكل سوى فاصلة طازجة لم تتغير فيها الأجندات العربية والاولويات والمستجدات المفروضة على أرباب الحكم. فالجزيرة العربية، بما يشمل في ذلك دول الخليج عموما، مثلت رقعة شديدة الإغراء للكثيرين من كاتبي الأحداث في الغرب. رأى أولئك في المسألة النفطية أولا، ينبوعا قادرا على إطالة عمر الإمبراطوريات الغربية الكبرى، وتطوير قطاعاتها الصناعية والتجارية والعسكرية وحتى العلمية والثقافية، بالإعتماد على ما يختزنه رمل الصحارى الكسول والبرّاق. في مقابل ذلك، فإن العرب وجدوا أنفسهم قبل ثلاثين سنة، خارجين إلى باب العالمية، كجهة يتحتم عليها أن تعلن كيانها المستقل، والقوي، والجاد والواثق لتحجيم الأطماع الغربية بالنفط. إلا أن حدثين سياسيين كانا في ذلك الوقت، لا يزالان في أوج طزاجتهما وحماستهما، وهما اتفاق كامب دايفد الذي قلَّب العرب على مصر وأخرجها من مؤتمر بغداد، إضافة إلى الصراع الأمريكي ـ السوفييتي، الذي لم يكبح طرفاه نفسيهما في أن يمتدا ويعقدا تحالفات مع جهات عربية ولبنانية، سواء من منطلق إيديولوجي، أو سياسي، أو حتى لضرورة تصريف المنتج الاقتصادي (بما في ذلك قطاع السلاح) في ما بعد. لا يخفى في ذلك، المسألة الفلسطينية، التي حشدت حولها معسكرا شيوعيا ويساريا ضخما في العالم، كما وضَّح وجود ممثليها (أو من اعتبروا ممثليها في ذلك الوقت، أي منظمة التحرير الفلسطينية) العداء الذي كنه أرباب المعسكر الآخر، وانتاجهم سياسة النفور المقصودة، يبررها المخاوف التي نجمت عن تجاوزات المقاتلين الفلسطينيين في الأردن ومن بعدها لبنان. هذا ما وضع أصحاب الحق على جدول سياسات أرباب الخليج وحكامه، إضافة إلى مسألة الوجود السوفييتي في أفغانستان وطزاجة نشوء الجمهورية الإيرانية التي أضيف إليها مصطلح ‘إسلامية’ تأكيدا على دخول إيران في منعطف تاريخي مختلف سيلقي بظلاله على المنطقة جمعاء. ويمكن القول أن هذه الثلاثية السياسية (الوجود الإيراني بما في ذلك تهديده دول الخليج ومسألة مضيق هرمز المتنازع عليه/ الحرب الباردة بين السوفيات والأمريكيين/ المسألة الفلسطينية) بالإضافة إلى عامل النفط الخليجي، ترك حكام الخليج الآخذ في التنامي في ذلك الوقت، أمام طروحات شتى، ابرزها كيفية حماية البلاد وإقامة التوازنات في التحالفات الحساسة ما بين الإتحاد السوفييتي وأمريكا، كما حتمية قراءة الثورة الإيرانية من باب هويتها المذهبية، والتوسع الذي تحتاجه، كنَفَسٍ لا ينضب من أجل استمرارها. كانت تلك المسائل، ستفضي حتما إلى متغيرات سوسيولوجية سياسية على الصعيد المحلي لكل دولة، ومن المهم ربط آثارها بربيع العالم العربي. الناشر والصحافي رياض نجيب الريس، يعيد إلى الواجهة هذه المسائل، في أربعة أحاديث أجراها قبل نحو ثلاثين عاما من الآن، مع كل من السلطان قابوس بن سعيد، الشيخ الراحل زايد بن سلطان مؤسس اتحاد دولة الامارات، الشيخ خليفة بن سلطان، والأمير سعود الفيصل. الكتاب الذي يحمل عنوان ‘أوراق منسية/ أحاديث هزت الخليج (1979- 1985)’ (دار رياض الريس) مهدى إلى الصحافي الراحل نبيل خوري، إلا أنه يتوجه أيضا إلى حاضر العرب، وهو يعتبر منفذا هاما لقراءة التاريخ وربط ما يجري اليوم في العالم العربي، بوقائع أقلقت الخليج والمنطقة العربية. يقدم رياض الريس أوراقه، للإسهام في التاريخ، وبحدس الصحافي المخضرم، يشدد المؤلف على أهمية الربط بين نشاط الشعوب العربية الرامي إلى الحقوق والحرية، وبين تراكم تاريخي خلال ما يزيد عن نصف قرن. إلا أنه يترك للقارئ، من خلال الحوارات الأربعة، دخولا مرنا ومنطقيا في سلسلة التاريخ. كتابه يأتي كتشديد على أهمية الميكاميكا التاريخية، التي تدحض منطق تلقائية الحدث.