دمشق – «القدس العربي» : في مؤشر على اتساع هوة الخلافات بين روسيا وتركيا، واعتبار الأرض السورية ساحة لتبادل الرسائل الدموية بين اللاعبين الدوليين عبر الدم السوري، قتل وجرح أكثر من 120 مقاتلاً من الجبهة الوطنية للتحرير المقربة من أنقرة حسب مصادر المعارضة فيما تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن 78 قتيلاً، وذلك في حصيلة أولية، نتيجة موجة من الصواريخ والقنابل التي أطلقتها المقاتلات الحربية الروسية على معسكر لتدريب قوات «فيلق الشام» قرب الحدود السورية – التركية في ريف إدلب شمال غربي سوريا.
تكرار الاستهداف
وأمام هذا التصعيد، لم يستبعد خبراء ومراقبون لـ«القدس العربي» أن تلجأ موسكو إلى تكرار استهدافها للمناطق الواقعة تحت نفوذ أنقرة أو دعم عملية عسكرية محدودة في إدلب في حال عدم تعديل أنقرة سياساتها، معتبرين أن السبب وراء هذا القصف الأول من نوعه منذ توقيع اتفاق التهدئة قبل نحو 8 أشهر يعود إلى ضرورة كبح الاندفاعة التركية واختبار صبرها على الفاتورة التي يمكن أن تدفعها إذا ما واصلت سياساتها في سوريا والمنطقة.
في أعنف تصعيد ضد حلفاء تركيا في سوريا
وقالت مصادر عسكرية، إن طائرتين روسيتين أقلعتا من مطار حميميم العسكري، ودخلتا أجواء إدلب، ثم شنتا غارات بقنابل شديدة الانفجار على كتيبة الدفاع الجوي لفيلق الشام التابع للجبهة الوطنية للتحرير، في منطقة الدويلة في ريف إدلب الغربي، حيث قتل العشرات من المتدربين وأصيب العشرات.
المتحدث باسم الجبهة الوطنية قال لـ»القدس العربي» إن الطائرات الروسية استهدفت المعسكر التدريبي لفيلق الشام في «جبل الدويلة» قرب بلدة «كفر تخاريم» «ما أسفر عن وقوع شهداء وجرحى».
واعتبر النقيب ناجي مصطفى أن استهداف المعسكر «خرق جديد لقوات الاحتلال الروسي، بنية إفشال اتفاق التهدئة في المنطقة» وهدد مصطفى من ردة فعل «الفصائل الثورية التي لن تسكت ععلى هذه الجريمة، حيث استهدفت مباشرة مواقع عسكرية ومواقع المشاة لعصابات الأسد والميليشيات الداعمة لها». كما أوضح النقيب مصطفى موقف الجبهة من القصف، وذلك عبر المعرفات الرسمية حيث اعتبر قصف «الطيران الروسي على منطقة عسكرية تابعة لفصيل الجبهة الوطنية للتحرير في منطقة حدودية مع تركيا هو رسالة روسية واضحة واستفزاز مستمر». وقال إن «استهداف معسكر للتدريب ووقوع شهداء وجرحى في صفوف المتدربين، هو خرق لقوات الاحتلال الروسي لاتفاق التهدئة الموقع برعاية تركيا… قوات الاحتلال الروسي لا تفرق بين مدني وعسكري في خروقاتها وقبل أيام قامت باستهداف منطقة مدنية تجاربة في ريف حلب الشمالي بصواريخ أرض – أرض مصدرها قاعدة حميميم العسكرية».
استهداف مواقع قوات النظام
وأكد مصطفى أن الجبهة الوطنية للتحرير بدأت بالرد على هذه الجريمة عبر استهداف مواقع قوات النظام والميليشيات الروسية في مواقع عدة بالراجمات والصواريخ، «ولن يقتصر الرد على هذا الاستهداف بل سيستمر ويتصاعد وسيكون قاسياً».
وقال قائد عسكري في الجبهة الوطنية للتحرير، طلب عدم ذكر اسمه، لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) إن» فصائل المعارضة قصفت براجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة بعشرات الصواريخ مواقع القوات الحكومية السورية والقوات الروسية في منطقة الدار الكبيرة في ريف ادلب الجنوبي وعلى خطوط التماس وكافة محاور الاشتباك ، رداً على قصف الطيران الحربي الروسي لكتيبة الدويلة قتل خلالها العشرات من عناصر فيلق الشام».
وحول أسباب التصعيد، ترجم الخبير السياسي أيمن دسوقي تزايد الخلافات بين روسيا وتركيا، تجاه الملفات المتشابكة بين الطرفين ومنها سوريا، يعود إلى السياسة الهجومية التي تنتهجها أنقرة والتي يظهر بأنها لا تروق لموسكو. وهو الأمر الذي دفع بالأخيرة إلى استهداف مناطق تقع ضمن نطاق نفوذ وإدارة الجانب التركي، كرسائل أرادتها لكبح الاندفاعة التركية وتذكيرها بالثمن الذي يمكن أن تدفعه في حال مواصلة سياساتها في سوريا والإقليم، كذلك الضغط عليها لإضعاف موقفها التفاوضي خلال اللقاءات الروسية – التركية التي تتناول الملفات المتشابكة بين الطرفين. وفي هذا السياق، «يأتي استهداف سوق المازوت في جرابلس، وكذلك استهداف معسكر تدريبي لفيلق الشام في كفرتخاريم» يقول الخبير السياسي لـ»القدس العربي».
ورجح المتحدث تزايد احتمالات التصعيد الأمر الذي دفع بصانع القرار التركي إلى سحب النقاط العسكرية التركية في المناطق التي تحاصرها قوات النظام، مخافة أن تصبح رهينة بيد موسكو والنظام، إلى جانب تعزيز تموضعها الميداني في إدلب استعداداً للتصعيد الميداني في حال حدوثه، ويبقى الأمر مرهوناً بمدى قدرة كلا الطرفين على تدوير الزوايا وتجنب خيار التصعيد الذي يبدو قائماً وتزداد احتمالياته.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لوكالة فرانس برس «ما جرى هو التصعيد الأعنف منذ سريان الهدنة» موضحاً أن حصيلة القتلى «تعدّ الأعلى في صفوف المقاتلين جراء ضربات روسية منذ بدء موسكو تدخلها العسكري في سوريا» نهاية أيلول/سبتمبر 2015. والموقع المستهدف، وفق عبد الرحمن، هو مقر كان قد تم تجهيزه حديثاً كمعسكر تدريب، وتم قصفه فيما كان عشرات المقاتلين داخله يخضعون لدورة تدريبية.
وشيّع العشرات من سكان مدينة إدلب عدداً من القتلى، وفق ما شاهد مصور متعاون مع فرانس برس. وحُملت نعوشهم على الأكف بينما كان أحد المقاتلين يطلق النار في الهواء.
ويشكل «فيلق الشام» الاسلامي مكوناً رئيسياً في الجبهة الوطنية للتحرير، تجمع للفصائل المعارضة والمقاتلة في إدلب. واندمجت الجبهة قبل عام مع فصائل «درع الفرات» الناشطة في شمال وشمال شرق البلاد تحت مظلة «الجيش الوطني» الذي تدعمه تركيا.
تنفيذ أهداف بالقوة
العقيد فاتح حسون، رأى أن روسيا تسعى لتنفيذ أهدافها بالقوة، وقد باتت سوريا بالنسبة لها ملفاً ضاغطاً على تركيا لصالح ملفات أخرى. وأضاف حسون في اتصال مع «القدس العربي، «أن موسكو عندما وجدت أنها لم تستطع التفرد في ليبيا والحرب الدائرة في قره باغ لجأت للتصعيد في منطقة إدلب، وقصفت معسكرات تدريب للجبهة الوطنية للتحرير بكثافة أدت إلى وقوع مجزرة، وذلك لتساوم تركيا حول التهدئة، لا سيما وأن تركيا باتت منشغلة كذلك بملفات ساخنة في مناطق عديدة». وفي المحصلة، اعتبر القيادي في المعارضة السورية أنه «على روسيا أن تعرف أن خرق الاتفاقيات سيتم الرد عليه لا محالة».
والنفوذ في إدلب يتوازع أساساً بالتساوي بين هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) حالياً والتي تسيطر على حوالى نصف مساحة إدلب ومناطق محدودة محاذية من محافظات حماة وحلب واللاذقية. وتنشط في المنطقة، التي تؤوي ثلاثة ملايين شخص نحو نصفهم من النازحين، أيضاً فصائل مقاتلة أقل نفوذاً فيما يسيطر على الباقي تقريباً الجبهة الوطنية للتحرير وعمودها القوي «فيلق الشام» المدعوم من تركيا.