دمشق ـ «القدس العربي»: فوق دمشق, ومن حيثما كنت ناظراً إلى تلك المدينة الإسمنتية المُغلقة على أحزانها وأسرارها, من قاسيون أو مشروع دمر أو أي مرتفع آخر ستلاقي عيناك غيمة واسعة, ضبابية الهيئة, تُرابيّة اللون أو رمادية, تكاد تبتلع المدينة وتطمس ملامحها في ساعات الصباح الباكر. مزيج من مُكوّنات مختلفة مجهولة بالنسبة إلينا ـ نحن العابرين ـ أسفلها. وفي الواقع, قلائلٌ من العابرين يومياً إلى عملهم في دمشق يشغلون أنفسهم بمدّ أعناقهم وإطلاق نظرهم في سماء يومهم المحفوف بخطر الموت المجاني. قد تكون قذيفة, تفجير, أو حادث مؤسف ما سيغيّر خريطة حياتك أيها المواطن العادي.
غرس الأقدام في الأرض والنظر لا يمتد أبعد من مدى خطوتك القادمة هو سياسة اليوميّ لمن يعيش زمن حربٍ مفتوحة, لا ملجأ في التاريخ ولا مهرب في الروحانيات بعد أن اكتسحت مفردات الحرب البلاد, وغيّرت الظروف الحياتيّة القاسيّة المليئة بالوجع طبيعة أهل البلاد وهم وقود أيّ حرب. الهروب إلى الأمام, إلى غدٍ قد لا يكون وقد يكون, لكن لا هيئة مُشتهاة له, ولا ملامح, هو غدٌ لا يُسار إليه إلاّ تحت وطأة أنّ الثبات في المكان أكثر استحالة وأكثر ألماً وأكثر ضرراً. البعض يقول إنّ العمل هو المهرب الأوّل من التفكير. اشغل نفسك بالعمل كي لا يشغلك التفكير عن العمل. من هذا المنطلق, وفي محاولة لكسر قسوة الواقع, أطلقت المؤسسة العامة للسينما في دمشق مهرجاناً سينمائيّاً جديداً بعنوان «مهرجان بورتريه نجمات» كسبيل من سُبلِ الهروب إلى الأمام. حيث يمتدّ برنامج عروض المهرجان ليغطي روزنامة شهر نوفمبر/ تشرين الثاني كاملةً بثلاثة عروض يومياً في صالة سينما «الكندي» في دمشق, وقد افتتحت المؤسسة يوم الأحد 2 نوفمبر برنامج عروض المهرجان بفيلم «بعيداً عن المنزل « الذي يعود إنتاجه إلى عام (1996).
تسعون فيلماً من أبرز الإنتاجات العالمية الهوليودية طوال أكثر من نصف قرن تستعيدها المؤسسة العامة للسينما. أفلام من بطولة أبرز نجمات السينما, أفلام بعضها شكّل علامة من علامات تاريخ الفن السابع, ممثلات غدون أيقونات في تاريخ هذا الفن, يُدرّس أداؤهنّ الفني في المعاهد والجامعات المُختصة, وممثلات هنّ نجمات شباك تذاكر يكفي حضور اسم إحداهنّ كمشاركة في أي فيلم ليحصد إقبالاً جماهيرياً واسعاً ربما لا يرافقه إقبال نقدي. من الفيلم الشهير للممثلة إليزابيث تايلور المأخوذ عام (1967) عن مسرحية «شكسبير» بذات العنوان «ترويض الشرسة» إلى ميريل ستريب الممثلة الحائزة أعلى عدد من ترشيحات وجوائز أكاديمية علوم السينما الأمريكية – الأوسكار في فيلم «قبل وبعد», مروراً بأفلام «السيدة داوتفاير» لسالي فيلد, و»الأم والطفل» لآنينت بينيغ, و»كات بلو» لجين فوندا, و»المرأة ذات الوجهين» للممثلة والمُغنية باربرا سترايسد.
اختيارات سينمائية ليست مرهونة بجودة الفيلم وحدها, بتاريخه مع النقاد أو عائداته في شباك التذاكر بقدر ما كونها مرهونة بتنويع أدوار البطولة النسائية, التي شملت تسعين ممثلة ساهمن في تشكيل الصورة التي نعرفها عن السينما الأمريكية والصناعة السينمائية في هوليوود منذ الستينيات وحتى اليوم. بعض الخيارات الفنيّة ربما لم تكن الأفضل مثل اختيار فيلم «النار تندلع في الحديقة» لجوليا روبرتس وفي تاريخها الفني خيارات أكثر تفضيلاً جماهيرياً أو نقدياً من طراز «امرأة جميلة» وهو الدور الذي أطلقها عالمياً عام (1990) مع ريتشارد غير إلى «نظرية المؤامرة» عام (1997) مع ميل غيبسون أو «ملف البجع» عام (1993) مع دنزل واشنطن. إلاّ أنّ غالبية الخيارات اعتمدت على الفيلم الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ الممثلة فنياً مثل «فريدا» (2003) للممثلة المكسيكية الأمريكية ذات الأصول اللبنانية سلمى الحايك، ونالت عنه أوسكار أفضل ممثلة, أو «فتاة مضطربة» لأنجلينا جولي، الذي حصدت عليه «أوسكار» أفضل ممثلة مساعدة عام (2000), أو «جود» للممثلة البريطانية كيت وينسلت و»نهاية علاقة» لجوليان مور.
خيارات المؤسسة العامة للسينما راعت الظروف الجديدة وابتعدت في برامجها عن النشاطات المسائية مثلها مثل دار الأوبرا للثقافة والفنون, والمراكز الثقافيّة التي لم تزل تغزل على منوالها القديم ذاته. فكانت أولى حفلات البرنامج السينمائي تبدأ في منتصف اليوم في الثانية عشرة ظهراً, بعدها بساعتين ونصف الساعة الحفلة الثانية, والعرض الأخير في الرابعة والنصف. لكن الأهم هو ما عكسته الأفلام المُختارة من نهج الإدارة الثقافية الذي اتبعته المؤسسة في تعاطيها مع الأزمة التي تعيشها البلاد منذ ثلاث سنوات, فمهما اختلفت عناوين المهرجانات التي تطلقها المؤسسة يُلحظ في غالبية أفلام البرامج غياب الأفلام السياسية, أو المرتبطة بمواضيع الحريّات العامة أو التي تتحدّث حتى عن شخصيات عامّة مثل «المرأة الحديدة» الصادر حديثاً من بطولة ستريب أو سواه. علماً أنّ سياسة النأي بالنفس تكاد تكون مستحيلة, على الرغم من محاولة المؤسسة التمسّك بدرجة أو أخرى من المرونة بالقدر المُتاح أمامها كما تمثّلت في مهرجان «سينما الشباب والأفلام القصيرة» الذي أقامته في حزيران/يونيو هذا العام بمناسبة احتفاليّة اليوبيل الذهبي على تأسيسها.
إلاّ أنّ هذه السياسة لم تنقذ من إشكاليّة التشوّش, إذ ربما كان الأثر أكثر فعاليّة لو أنّ المؤسسة تشجّعت على الاحتفال بالمرأة ليس فقط من زاوية كونها ممثلة قديرة ونجمة لشباك التذاكر السينمائي وجزءا من الذاكرة الثقافيّة الجمعيّة ضمن زمنٍ مُحدّد, بل كذلك كما عاشت في الحرب التي نعرف يومياتها, أمّاً ومقاتلة ومُعتقلة ومخطوفة وسياسية وحقوقيّة, وفاعلة إيجابيّة في مُجتمعها وظرفها, حقيقة كونها مُنتجة وفاعلة أكثر من كونها مُجرّد مُتلقية ومُتأثرة بالفعل الخارجي.
للبعض سيبقى السؤال الأساسي: هل يمكن لنجمات البورترية في صالة الكندي أن يُغطينّ على وجع الحرب؟ وإلى أي مدى يمكن للسوري أن ينسى في عتمة السينما وبريق الشاشة ذاكرة السنوات المرّة الماضية؟! ولآخرين, نسير إلى غدنا.. (ولا نسأل هذا الطريق من أين لملم خُطانا ولا إلى أين يسير بنا.. فحسبيّ وحسبك أنّا نسيرُ) *.
* من قصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش «أجمل حب». بتصرّف.
يارا بدر