القاهرة ـ «القدس العربي»أخيراً قدر لدعاة الفتنة في الفضائيات والصحف المصرية أن يتوقفوا، وأن يخبئوا بضاعتهم الفأسدة،.. كتاب الغفلة والندامة الذين ظلوا يمثلون شاهد الزور صبيحة كل يوم من أجل أن يشعلوا الحرائق ضد العواصم العربية، آن لهم الآن التوقف عن تقديم بضائعهم المسمومة، التي كانوا يرسلونها للقراء المخدوعين على أمل أن يحصدوا الغنائم.. ونظرة عابرة لصحف الجمعة سترى تغييراً لا تخطئه العين، فالذين كانوا يكتبون بالدم بدلاً من الحبر تحولوا في غمضة عين لملائكة يدعون للوحدة بين العواصم العربية ويتحدثون عن الدوحة، وكأنهم يتحدثون عن «يتيمة» لا بد من العطف عليها والتودد إليها، بعد ان كانوا يرون فيها «الشيطان الرجيم». هي ساعة السلام إذن حلت على بلاط صاحبة الجلالة، حيث تحول القتلة إلى ملائكة يتحدثون عن حق المسلم على المسلم وأهمية القضاء على الفرقة ونبذ الخلاف بين العواصم العربية والتطلع لغد يسوده الوئام والمحبة.
تبددت السحب السوداء عن الصحف في ما يخص العلاقات العربية ـ العربية، وإن كانت روح العاشق تلك التي تقمصها الكثير من الكتاب لم تعرف طريقها عند الحديث عن الإخوان وأنصارهم، فهؤلاء لازالوا الخطر الاكبر الذي ينبغي تصعيد الهجوم ضده على مدار الساعة. وإن كان معظم دعاة الفتنة قد ابتلعوا ألسنتهم إلا ان قليلا منهم لازالوا يشعلون النار كنوع من المزايدة، فراحوا يشككون في إمكانية التوصل لصلح مع قطر، وظلوا على عنادهم داعين الرئيس وأركان حكمه لليقظة والحيطة، وقد شهدت صحف أمس المزيد من الهجوم ضد سائر التيارات الإسلامية، خاصة تلك التي أعلنت دعمها لانتفاضة الشباب المسلم المقرر أن تتم في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، ودعا الكثيرون من الكتاب الشرطة لقتل المتظاهرين بالرصاص الحي، لقمع تلك الانتفاضة. كما تناولت الصحف العديد من القضايا واستمر الكتاب الداعمين للرئيس السيسي في تهنئته بعيد ميلاده وإلى التفاصيل:
وشهد شاهد من أهلها.. السيسي انقلب على مرسي
لا يستطيع المراقبون الذين يتمتعون بالحيادية بين المعسكر الداعم للرئيس السيسي، أن يصمتوا للابد، عما حدث من إنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين، وها هو عمرو الشوبكي، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يؤكد، ان الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، تمت بطريقة غير شرعية. وأضاف الشوبكي خلال جلسة لمؤتمر معهد الشرق الأوسط، بعنوان «متاعب التحول في مصر وتونس وليبيا واليمن»، أن العملية الديمقراطية في البلاد تسير بشكل خاطئ. وأشار إلى أن الأزمة التي تمر بها البلاد راجعة في الأساس إلى فشل التجربة الأولى. وأضاف: «هناك مؤيدون داعمون للرئيس الحالي للبلاد، وهم قارنوا الوضع بما يحدث في سوريا والعراق وليبيا، واختاروا الدولة الوطنية السلطوية أفضل من الفوضى». وفي سياق مواز حلت حالة من الصدمة على المهتمين بحقوق الإنسان على إثر اعتقال القيادي الاخواني محمد علي بشر، وقد أعربت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، عن قلقها لإلقاء القبض عليه، مطالبة بالافراج عنه وعن الذين لم يرتكبوا أعمال عنف أو قاموا بالتحريض عليه. وكانت قوة من مباحث قسم شبين الكوم والأمن الوطني والأمن العام، ألقت القبض على الدكتور محمد علي بشر، بتهمة التحريض على العنف والتظاهر ضد الدولة. وجددت المنظمة في بيان لها، مساء الخميس، رفضها للدعوة لمظاهرات يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني، وأكدت على ضرورة مواجهة هؤلاء الذين يدعون للعنف بشكل واضح وانزال حكم القانون عليهم. ومن جانبه، أكد حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة، أن الدعوة للتظاهر ليست جريمة طالما انها سلمية، مشيرًا إلى أن بشر من الشخصيات التي ترفض العنف».
هل يكبح العاهل السعودي دعاة الفتنة داخل مصر
تباينت ردود الفعل في مصر تجاه النداء الذي وجهه العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ودعا فيه مصر شعبا وقيادة، وقادة للرأي والفكر والإعلام، إلى مساعدة مجلس التعاون الخليجي على رأب الصدع ووقف الانقسام العربي، في وقت صعب تمر به الأمة، وكانت إشارة «بالغة الحذر» كما يقول رئيس تحرير «المصريون» جمال سلطان إلى اتهام الإعلام المصري والسياسات المصرية الحالية ضمنيا بأنها سبب أساس في الانقسام العربي وتهديد مصالح الخليج، بعض الأصوات المقربة من السلطة أو التي درجت على العيش في ظلها أو تلمس رضاها، أصدرت بيانات مجاملة تكبر من مبادرة خادم الحرمين وتثني على استجابة مصر لها، مثلما فعلت الحركة الوطنية. والبعض الآخر رفض رفضا باتا وقال إن الدم المصري الذي أريق لا يمكن التسامح معه، وهو ما يعني أنهم يحملون قطر المسؤولية عن هذا الدم، من دون أن يوضح هؤلاء أي دم تحديدا، يتساءل سلطان: «هل هي دماء رجال الشرطة والقوات المسلحة، الذين يسقطون في عمليات إرهابية، أم يقصدون الدم الذي سال في المظاهرات والاحتجاجات المعارضة للسلطات الحالية. وهناك أطراف ثالثة حاولت إمساك العصا من المنتصف كما يقال، فهي لا تدري توجهات السلطة الفعلية في المرحلة المقبلة ومدى استجابتها «الحقيقية» للمبادرة السعودية، فقالت إن المصالحة لها شروط وعلى الجانب القطري أن يثبت أنه ملتزم بتلك الشروط لكي «تقبل» مصر المصالحة. اللافت في ردود الأفعال أن الكل يتحدث باسم «مصر»، حتى أحد الصحافيين المعروفين بالصوت العالي وصناعة الكراهية، تحدث أمس بأن «مصر» لن تقبل كذا وكذا، و»مصر» تشترط كذا وكذا، وهي لغة ومفردات يفترض أن تصدر عن الجهات الرسمية المسؤولة المخولة بالحديث باسم مصر، ولكن في ظل الفوضى العارمة التي تشهدها الساحة السياسية والإعلامية فكل شيء منتهك، وكل شخص يريد أن يتزلف للسلطة».
السيسي ينزع سم الإعلاميين
ونبقى مع القضية نفسها ومحمد عبد الهادي علام رئيس تحرير «الأهرام»، الذي يؤكد أن المصالحة العربية لم تكن لتتم لولا جهود السعودية ومصر، معترفاً بخطورة جهاز الإعلام على تلك المصالحة: «مصر تدرك أن الإعلام صار سلاحا لا يقل خطورة عن أسلحة الحروب التقليدية، وهو ما يدفعها إلى عدم الانزلاق وراء المهاترات الرخيصة. ولعل الرئيس عبد الفتاح السيسي كان سباقاً قبل أسابيع عندما دعا الإعلاميين المصريين إلى الابتعاد عن التلاسن والخروج عن اللياقة عند تناول شؤون الآخرين، وهي دعوة لم يقدرها من يستخدمون إمكانات فضائياتهم وصحفهم كطفل صغير يعبث بلعبته»! ويرى الكاتب انه «قد يكون من المهم أن تدعو مصر إلى عقد قمة عربية استثنائية لمن يحضر للبناء على اتفاق الرياض لتصفية الأجواء ولوضع الالتزامات أمام الرأي العام العربي والقادة العرب مجتمعين، ولوضع كل دولة أمام مسؤولياتها، بما في ذلك تشكيل لجنة متابعة لتحديد من سيخرج عن هذه الالتزامات… حتى يتطور اتفاق الرياض إلى اتفاق عربي شامل لمواجهة التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية، والتي سيدفع الجميع ثمن التخاذل أو التواطؤ في مواجهتها بدون استثناء، وتلك رسالة إلى أطراف إقليمية، خصوصا تركيا إن أمكن فربما أيضا تتحول الأمنيات إلى واقع؟… فالخلافات أكبر بكثير من حملات إعلامية، فهل تتعلق كذلك بتهريب السلاح وتمويل يصب في عمليات إرهاب تذهب ضحيتها أرواح بريئة وجنودنا البواسل من رجال الجيش والشرطة، كما تتعلق بإيواء إرهابيين وهاربين من العدالة ومحرضين على الإرهاب». وحول مساعي مصر لتأمين حدودها قال علام: «بينما تراقب القاهرة مشهد التقارب الخليجي تسابق الدبلوماسية المصرية الزمن لاستعادة الدور والمكانة على أصعدة عدة، فهي حققت تقاربا مع دولتي اليونان وقبرص، في قمة ثلاثية مطلع الأسبوع الماضي، وخلقت فرصا حقيقية للتقارب مع الاتحاد الأوروبي عبر بوابة البلدين، من دون أن يكون في نيتها توجيه التعاون الثلاثي ضد دولة تركيا».
بشر علي بين دور
المحرض وحمامة السلام
وفي «المصري اليوم» يهاجم سليمان جودة القيادي في الجماعة محمد علي بشر، الذي أصبح قيد الحبس: «عندما عرفت، صباح أمس، أن أجهزة الأمن ألقت القبض على «بشر» في شبين الكوم، تساءلت بيني وبين نفسي عما إذا كانت تهمة التحريض على العنف، ثم تمويل هذا التحريض، من بين التهم الموجهة إليه أم لا؟ وهذا، على كل حال، ما سوف تثبته التحقيقات معه، خلال الساعات المقبلة، ثم ان هذا ما سوف تثبته أو تنفيه، الأيام وحدها قبل التحقيقات. ويشير الكاتب إلى أن «بشر» كان هو القاسم المشترك الأعظم، في عدة مبادرات بين الدولة من جانب، والجماعة من جانب آخر، على مدى الفترة الممتدة من 30 يونيو/حزيران إلى هذه اللحظة.. وكلها باءت بالفشل، وكان سليمان يراهن على أن يعمل «بشر»على أن تفيق جماعته، مما هى غارقة فيه، من أوهام الخلافة وغيرها، فإذا لم تكن تريد أن تفيق، فقد كان الأمل في واحد عاقل مثله، أن يقول لمرشدها على الملأ: هذا فراق بيني وبينك.. كان الأمل في أن يكون «بشر» عند مستوى الظن فيه لدى كثيرين في هذه الاتجاه، وأن يظل ينصح مرشد الجماعة، مرة ومرتين وثلاثاً، فإن لم يستجب، وهذا ما حدث، كان على «بشر»، والحال هكذا، أن يهجره علناً، ويعريه لعل الناس يعرفون أن العاقل، أي عاقل، لا مكان له داخل هذه الجماعة على أي مستوى كان، هذا هو الأمل فيه، ولكنه بدده تماماً، وبدد فرصة دامت أمامه عاماً ونصف العام، وأثبت أن التهمة الأولى التي لا بد أن تذهب بها هذه الجماعة كلها، إلى المحكمة كما يقول الكاتب ليست العنف، ولا التحريض عليه.. فهذا كله مفهوم.. وإنما الغباء في الأول وفي الآخر، قبل العنف وقبل التحريض عليه».
قطر من العدو إلى حبيبة القلب.. في غمضة عين
لابد أن من أشعلوا النار ضد قطر طيلة العام الماضي يشعرون بورطة الآن كما يرى وائل عبد الفتاح في جريدة «التحرير»: «ماذا ستفعل كتيبة الصراخ ضد قطر؟ وهل سيحذف اسم «الشقيقة الصغرى» من قوائم «المتآمرين» لتبقى قليلًا في قوائم انتظار قبل التحول إلى «الأصدقاء والأشقاء»؟ طبل المعركة الإعلامية يعلو ولا يُعلى عليه، ورغم أن التمهيد للتحول مع قطر كانت له بشائر متعددة (لقاء واشنطن بين السيسي وتميم/ الصمت القطري عن المطالبة بوديعة الـ2 مليار/ تسريب أخبار عن قائمة مبعدين جدد تشمل 50 من المعارضين المقيمين في الدوحة التي ستشرف على إقاماتهم الجديدة في إسطنبول وعواصم أخرى)، التمهيد أربك حملة الطبول الزاعقة، وأحدهم أو أكثرهم ميلًا إلى عالم الزومبي صرخ صرخته المثيرة للضحك (لو لعبتو كرة يد مع قطر.. هاهاجر) ويبدو أنه لم يكن متوقعًا أن الموضوع أكبر من لقاء رياضى/فالأوامر تصل إليه على قدر استعراضه اليومي، وعلى حجم قدرته في تسميم المجال العام.الزومبي ظهر بعد الاستجابة/ المصالحة بطبول ارتخت ولم يهاجر ولم يحاول فهم ما حدث مكتفيًا: بـ«أنهم يفهمون مصالحنا أكثر». ويرى وائل ان أزمة الزومبي وأشباهه فاضحة، لأنهم تحولوا في معركة قطر إلى منصات إطلاق شتائم بأوامر وبدونها، وهو ما جعلهم يشعرون بأنهم ليسوا «مرتزقة بالأجر أو الرضا» ولكنهم شركاء أو مستشارون يسمع لهم صوت غير التطبيل والنفاق والنباح على ما يعكر صفو أسيادهم في الأجهزة الأمنية أو الآلهة من «المجموعة الحاكمة». ويصف الكاتب مهاجمي قطر في الإعلام المصري بأنهم أصبحوا يتامى الآن يبحثون عن «هدف أو عدو جديد» ينبحون عليه باسم «المصلحة الوطنية» التي تأكد من جديد أنها تعني لهم ما يقوله الجالس على مقعد السلطة/ أو بالتحديد القادر على إصدار الأوامر بالنباح/ وإلا فما الذي تغير لتنتقل قطر من إبليس يهدف إلى تدمير مصر إلى شقيق عرف الخطأ الذي وقع فيه (كما قالت فرق المبرراتية على استحياء)؟. الانتقال من النقيض إلى النقيض يحمل دلالة العقليات القديمة التي تدير علاقات مصر بمنطق «العداوات القبلية» وليس بمنطق «المصلحة والسياسة» ليست المشكلة في إعادة العلاقات مع قطر بقدر ما هي عملية (الانتقال من العداوة وصناعة المؤامرات إلى الأخوة العربية)».
هل يخذل الكتاب المصريون الملك؟
ثم نذهب إلى صحيفة «الوطن» لنرى عماد الدين اديب قلقاً: «ومن الواضح أيضاً في بيان خادم الحرمين الشريفين «رجاء» أو «عشم» سعودي من المصريين وبالذات وسائل الإعلام للمساعدة في تنقية الأجواء مع قطر، حتى تنجح مساعي المصالحة التي قام بها، وكأن الملك عبدالله يقول لنا لقد بذلت كل الجهود لإقناع القطريين بموقف إيجابي تجاه مصر، لذلك أريد منكم ألا تعطوا أي طرف أي أعذار لعدم الالتزام باتفاق التهدئة والالتزام بدعم مصر، تحت دعوى «كيف نصلح الأمور مع دولة تشن هجوماً ليل نهار علينا» والحقيقة كما يعتقدها الكاتب أن الموقف المصري كان رد فعل لما حدث في الماضي بتوجيه واضح من الدوحة. والحقيقة أيضاً أن مصر ليس لديها أي مصلحة، وبالذات في الوقت الحالي، في الدخول في مهاترات إعلامية وصراعات سياسية مع أي قوى في المنطقة، لأن سلم الأولويات المصرية هو إعادة بناء الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لشعب مصر الصبور.
لابد من التعامل بوعي وتقدير لجهود خادم الحرمين الشريفين تجاه مصر، ولكن أيضاً لا بد من «المراقبة العاقلة والحذرة» لمدى الالتزام القطري بالتعهدات التي اتخذها الأمير تميم في الرياض، آملين أن يتمكن من مواجهة عناصر «النظام القديم» في قطر التي تدعم دائماً فكرة مناصرة جماعة الإخوان. ويؤكد اديب على أنه إذا ما تم الالتزام القطري بالتعهدات فكما يقولون: «يا دار ما دخلك شر». أما إذا كانت المسألة هي مناورة بهدف تهدئة مؤقتة من أجل إنجاح قمة قطر الشهر المقبل، فإن مهزلة استمرار الخلاف بين الدوحة والقاهرة سوف تستمر، لذلك نقول، فلندخل هذه المرحلة بقلوب مفتوحة ونوايا صادقة، ولكن أيضاً بمراقبة دقيقة لسلوك الدوحة».
مصر وقطر النظر إلى الأمام
وعن الموضوع نفسه كتب لنا رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين مقاله الذي قال فيه: «الزميل عبدالله العذبة رئيس تحرير «العرب» القطرية، كان يتحدث من الدوحة في الثامنة من مساء يوم الأربعاء لفضائية بي بي سي العربية، بشأن مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل السعودية، لحل الأزمة بين قطر ودول الخليج ومصر.
العذبة حاول التدليل على عدم تدخل الدوحة في الشأن الداخلي المصري بقوله: إن أمير قطر تميم بن حمد، هنأ الرئيس المؤقت عدلي منصور عندما تولى منصبه، كما هنأ الرئيس عبدالفتاح السيسي عندما فاز بمنصب الرئاسة. كنت ضيفا في نفس البرنامج متحدثا من مكتب بي بي سي في القاهرة، وقلت للزميل العذبة كنا نتمنى لو أن الأمير لم يهنئ الرئيسين بالمناصب، لكنه في الوقت نفسه لم يساعد الإخوان في تحدي الدولة والشعب… ليست القضية أن تستضيف قطر قيادات الإخوان، بل ماذا يفعل هؤلاء هناك؟ ليست القضية أيضا في التهاني الرسمية أو الرسائل الودية الشكلية أو التصريحات الوردية الخالية من أي مضمون، بل هي ما يحدث على أرض الواقع.
عموما ما فعلته السعودية ببيان ملكها صباح الأربعاء الماضي أمر يستحق الإشادة، وما ردت به مصر من بيان رئاسي بعده مباشرة أمر يكشف أن القاهرة قررت أن تستجيب للمناشدة السعودية، والمؤكد أن هناك تعهدات قطرية محددة قيل إنها سوف تتحقق عمليا خلال شهر من الآن.
لنترك الماضي وراء ظهورنا….من العدل والإنصاف أن نعطى فرصة للجهود الخليجية، ونرى إلى أي مدى سوف تتغير الأمور على الأرض.
وبغض النظر عن تحسن العلاقات المصرية القطرية من عدمه في الأيام المقبلة، فعلى «المنفلتين» في الإعلام المصري أن يراعوا ضمائرهم ويتوقفوا عن الخوض في الأعراض بلغة لا أجد فعلا محترما لوصفها.
استمرار البذاءات يسيء لكل المصريين، وليس من الشهامة الخوض في الأعراض بهذه الطريقة. وإذا كان ضمير بعض الإعلاميين قد مات، فعلى النيابة العامة أن تتحرك، لأنه لا يعقل أن يتحكم أربعة أو خمسة أشخاص في توجيه ورسم السياسة الخارجية المصرية مع البلدان العربية.
هذه اللغة البذيئة لم تفيدنا بل أضرتنا كثيرا، وجعلت الإعلام القطري يتعامل مع الأمر باعتبار أن السباب الإعلامي هو أصل المشكلة، وليس تدخلها في شأننا الداخلى.
مرة أخرى، لننظر إلى الأمام، ونتمنى أن تنجح المساعي الخليجية، وأن تدرك قطر أن تربية الثعابين والعقارب ستجعلها هي أيضا تدفع ثمنا. مرة أخرى، ليس من مصلحة مصر أن تخسر قطر أو أي بلد عربى آخر، وليس من الأخلاق أو المروءة والشهامة أن يدخل بعضنا في «حفلات ردح» تسيء إلى الجميع. نتطلع إلى صفحة جديدة لمواجهة المخطط الأكبر لتفتيت كل المنطقة».
الشعب المصري تم تجريفه ليعيش على هامش الحقل السياسي
لسان الحال أبلغ من أي مقال، ولسان الحال في مصر يقول الآن إن الدين للأزهر والوطن للعسكر، كما يؤكد السعيد الخميسي في «الشعب»: «ليس تهكما أو سخرية أو استهزاء من أحد، بقدر ما هو واقع يبصره كل ذي عينين، ويشعر به من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. الواقع يقول إن الوطن تم اختزاله في مؤسستين من مؤسسات الدولة ألا وهما الأزهر لفرض الوصاية الدينية، والمؤسسة العسكرية لفرض الوصاية السياسية. أما الشعب المصري من ألفه ليائه فهو بعيد عن المشهد، وتم تجريفه ليعيش على هامش الحقل السياسي كالأصم الذي لا يسمع والأعمى الذي لا يرى. ولست هنا بصدد نقد الأزهر كمؤسسة، لان فيها أوفياء بالعهد والوعد. ولكنى بصدد علماء السلطان الذين ينامون على سرير كل نظام من فصيلة علماء «أضرب في المليان» ويلفت الكاتب الانتباه إلى أنه لا ينتقد الجيش بأكمله، بقدر ما انتقد نفرا قليلا من القادة دسوا أنف الجيش في تراب السياسية، وغبروا وجهه بغبارها. ولاينسى التاريخ الشيخ علي عبد الرازق كما يشير الخميسي، وهو من علماء الأزهر وكتابه الذي صدر عام 1925. وقد رفض الشيخ في هذا الكتاب أن يكون الإسلام دينا ودولة. وزعم أن الإسلام دين فقط. كان في هذا الوقت في مصر علماء يزنون ثقل الجبال في العلم والفهم والفقه. فوقفوا له بالمرصاد وأدحضوا حججه وفندوا مزاعمه. لقد أدى هذا الكتاب إلى ضجة سياسية ودينية كبيرة آنذاك، ما جعل هيئة كبار العلماء بالأزهر تنعقد لمحاكمة علي عبد الرازق، وتخرجه من زمرة علماء الأزهر، وتسحب منه رسالة الدكتوراه وتفصله من العمل كقاض شرعي. ويرى الكاتب ان هناك شريحة من علماء السلطان اليوم يريدون أن يحتكروا الإسلام وكأن معهم صكوك الغفران كتلك التي كانت في أوروبا في العصور الوسطى».
الجامعات في قبضة الأمن حتى إشعار آخر
العسكر يفتشون في ضمائر أهل الجامعة وقلوبهم، ويصدرون فرماناتهم بتحديد نظامها، وطريقة الدخول والخروج منها، ويفتشون الأساتذة والطلاب، ويدّعون عليهم بتهريب الأسلحة إلى داخلها، من دون أن نجد لهذه الأسلحة نشاطا يتحدث عنه الناس، أو حتى أبواق الانقلاب، فهي أكاذيب يردّدونها لتبرير تدخل العسكر السافر في قمع الجامعة، كما يقول حلمي محمد القاعود في «الشعب» حيث يندد بتركيع الجامعات وإذلالها وتكميم أفواه أبنائها وفرض التخلف عليها وتحويل بعض منسوبيها (الوطنيين) إلى بصّاصين مأجورين للإبلاغ عن الأساتذة والطلاب. «لقد صادروا إرادة الأساتذة في اختيار من يتحمل مسؤولية الرئاسة والعمادة، وانطلقت الأبواق الأمنية المأجورة تتحدث عن أن الأساتذة لا يحسنون اختيار المسؤولين، وهو أمريثير الضحك في زمن البكاء. إذا كان أساتذة الجامعة صفوة المجتمع في العلم والثقافة، لا يحسنون اختيار مسؤوليهم، فهل يستطيع الأقل ثقافة أن يحسن الاختيار، ويضع على رأس المسؤولية الشخص الأفضل؟ لقد منح الانقلابيون أنفسهم حق تعيين رؤساء الجامعة وعمداء الكليات وبقية وظائف النواب والوكلاء، وعدلوا قانون الجامعات ليس من أجل تحسين أحوال الأساتذة والطلاب، ولكن من أجل التنكيل بهم وتحويلهم إلى كائنات تسمع وتطيع وتسبح بحمد البيادة. انظر مثلا إلى عدد الذين تم إقصاؤهم من الجامعة بسبب رفض الانقلاب وعدم تأييده وفقا لإحصاء «حركة جامعة مستقلة»؛ حيث تعرض منذ الانقلاب 218 عضو هيئة تدريس في 26 جامعة حكومية وخاصة ومراكز بحثية للفصل والسجن والنقل، بالإضافة إلى مقتل ثمانية، واعتقال181 (أخلي سبيل 20 منهم)، ومطاردة 25، وفصل 8 عن العمل لانتمائهم السياسي، وآرائهم الفكرية، وإقالة رئيس جامعة بورسعيد المنتخب. ومن بين الأساتذة المعتقلين 3 عمداء كليات، منتخبين بجامعات دمياط وطنطا وحلوان، إضافة إلى الدكتور محمد مرسي الأستاذ بجامعة الزقازيق».
ليست الإذاعة ملكا
لمديرها بل للمصريين
اثار قرار رئيس الإذاعة المصرية عبد الرحمن بمنع أغاني مطرب معارض للسيسي، حالة من الجدل مما دفع محمود خليل في جريدة «الوطن» للعودة للوراء، حينما سلك مفكر الإخوان السلوك نفسه: «يُحكى أن «سيد قطب» كان له دور مهم في التنظير لثورة يوليو 1952، لدرجة أنه لقب بـ«ميرابو الثورة»، وقد كتب ذات يوم مقالاً بعنوان: «أخرسوا هذه الأصوات الدنسة» طلب فيه من الإذاعة المصرية – التي كان يؤهل ليترأسها حينذاك- التوقف عن بث أغاني أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وليلى مراد وعبدالعزيز محمود ورجاء عبده وفايدة كامل وشهرزاد، ووصفهم بالمخلوقات الشائهة البائسة التي تدنس رجولة الشعب وأنوثته. كان ذلك عام 1952. وفي عام 2014 اتخذ الأستاذ عبدالرحمن رشاد، رئيس الإذاعة المصرية قراراً بمنع بث أغاني حمزة نمرة، وبرره كما يقول الكاتب بأن حمزة نمرة لا يعترف بثورة 30 يونيو/حزيران التي خرجت فيها جموع المصريين، ويقدم أعمالاً فنية تترحم على ثورة 25 يناير/كانون الثاني2011، التي يراها انتهت في يونيو 2013، لأنها أدت لانقلاب عسكري وليس إلى ثورة. وفي رواية أخرى نشرها موقع الأهرام، برر القرار بأن «نمرة» ليس مطرباً معتمداً بالإذاعة». يضيف خليل: «أياً كان السبب، علينا بداية أن نقر بأن من حق الأستاذ عبدالرحمن رشاد أن يتخذ القرار الذي يراه أصلح للخدمة التي تقدمها الإذاعة للمواطنين، من منطلق مسؤوليته عن ذلك، لكنني توقفت أمام جملة قالها لوكالة الأناضول قال فيها: «من يعارض النظام الحاكم يعارض بالتبعية إعلام الدولة الرسمي وجموع الشعب». واضح أن رئيس الإذاعة يخلط بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. الإعلام الرسمي الذي يصفه هو نفسه بإعلام الدولة، من المفترض أن يقدم رسالة قومية تعبر عن أطياف المجتمع المختلفة. ويشير الكاتب إلى ان المسؤول عليه أن يعلم أن الإذاعة التي يترأسها ليست إذاعة «عبدالرحمن رشاد»، أو إذاعة «السلطة الحاكمة»، إنها إذاعة مصر والمصريين».
اعتزال زيدان لن ينهي المشكلة
وإلى شأن ثقافي، حيث أسفر قرار الكاتب يوسف زيدان الاعتزال حالة من الجدل الواسع يعبر عنه في «اليوم السابع»، ناصر عراق الذي يرفض قرار زيدان الذي اقدم عليه احتجاجًا على قرار رئيس الوزراء إبراهيم محلب بتعيين إسماعيل سراج الدين مستشارا ثقافيا له: «صحيح أن قرار محلب صادم للكتلة الرئيسية من المبدعين المصريين، كما تقصيت الأمر، لأن هناك قضايا لم تحسم بعد مرفوعة ضد المستشار الجديد، الأمر الذي يبرر لزيدان احتجاجه العنيف، لكن الأخطر أن قرار رئيس الحكومة يكشف عن أنها مازالت تمارس النهج نفسه، الذي كانت تمارسه حكومات مبارك، وهو إبعاد الشباب عن المناصب القيادية المهمة، والاستعانة برموز العهد المباركي البائس لإدارة شؤون الدولة! فإذا أضفنا إلى انسحاب زيدان ولامبالاة العديد من المثقفين بما يجرى في الشأن العام، علاوة على إحباطات الشباب المتنامية.. إذا سددنا البصر إلى هذا كله، سنكتشف بسهولة أن هناك أمرًا خطيرًا يحدث في مصر، قد تنجم عنه أمور أخطر إذا لم ينتبه أولو الأمر، فواجب السلطة أن تعمل على تمتين الروابط بين فئات المجتمع وطبقاته، وفي المقدمة كوكبة المثقفين والمبدعين المحترمين، لا المنافقين المبتذلين. أجل.. إن مصر تخوض حربًا شرسة ضد الإرهاب الذي تفرزه جماعات الترويع والتهديد والقتل باسم الدين، وهي حرب مشروعة لم تتعرض لها مصر من قبل، إذ أن أعداءها حفنة مشبوهة من أبنائها، مدعومة بقوى محلية وإقليمة ودولية، ومع ذلك كي تنتصر مصر في هذه الحرب عليها أن تحتضن أبناءها المؤمنين بثورتى يناير ويونيو، لا أن تخاصمهم وتبعدهم عنها، في الوقت الذي يطفو على السطح رموز نظام مبارك ليلعنوا ثورة يناير المجيدة، ويسبوا الشعب «21 مليونا خرجوا في وقت واحد» الذي ناضل ضد طاغية وحزبه المنكوب. لا حل أمام السلطة سوى أن تفتح منافذ لدخول تيارات الهواء السياسي الصحي».
محافظ الإسماعيلية بقعة سوداء على ثوب النظام
ومن الحرب ضد رئيس الاذاعة لمعركة صحافية ضد محافظ الإسماعيلية ويقودها في «الاخبار» خالد رزق: محافظ الإسماعيلية بعده كما هو، محافظ سيئ الأداء بذيء اللسان يستخدم أصبعه الوسطى في مخاطبة الناس، أثار غضباً عارماً بين المواطنين أبناء هذا الإقليم، الذي على ما يبدو كتب على أهله أن يظلوا أبداً في صراع من أجل الكرامة والحرية، ربما يكون القرار المنتظر الذي تأخر كثيراً بإبعاد أحمد القصاص محافظ الإسماعيلية، أو أن أصحاب القرار في هذا البلد بعضهم مغلقو الآذان عن نصائح شعبية وسياسية مخلصة.. بالتخلص من موظف بدرجة محافظ أساء لشعب مفترض أنه هو من يستخدمه ويسدد أجره عاملاً لحسابه، كما يقول الكاتب، وذلك كاستمرار لمبدأ عدم الاستجابة للمطالب الشعبية حتى لا تكون سنة، وهو المبدأ الخاطئ قطعاً الذي لا يسري بالتأكيد في حالة على هذا القدر من البذاءة. وفي كل الأحوال اتخذ القرار أو استمر محجوباً مرهوناً بحركة أوسع لتغيير المحافظين يبقى أداء هذا المحافظ وسلوكياته ومنهج تعامله مع المواطنين بقعة سوداء على ثوب النظام، تستدعي بالضرورة تدقيقاً شديداً في اختيار من يسند إليهم أي موقع للمسؤولية، إذ ليس مقبولاً أبداً تكرار مثل هذا النموذج الفج لانعدام الخبرة وعدم الكفاءة والفشل الإداري، ومن قبل كل ذلك سوء الأدب والخلق في موقع من مواقع المسؤولية، وعلى طريقة المسؤولين في زمن الحزب الوطني المنحل، كما يرى الكاتب لجأ المحافظ القصاص إلى استدعاء حفنة من موظفيه واستدراج مجموعة ساذجة من سيدات دار للمسنين بإحدى ضواحي المحافظة، بحجة تأييد الرئيس المحبوب عبد الفتاح السيسي والجيش المصري ليدس موظفيه وبعضا من المحيطين به وسطهم رافعين لافتات تأييد لشخصه، في محاولة لإيهام القيادة بأن هناك في الإسماعيلية من يحترمه ويريد بقاءه».
حسام عبد البصير