ما بها الشعوب العربية بطيئة الفهم هكذا؟ لماذا تصر على التمسك بأراضيها؟ إلى متى سيردد المواطنون العرب بحماقة مع درويش:
هذا البحرُ لي. هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي. هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي. ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي. ولي شَبَحي وصاحبُهُ. وآنيةُ النحاس وآيةُ الكرسيّ، والمفتاحُ لي والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي.. لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي طارت عن الأسوار .. لي!
متى تفهمون أنكم شعوب برسم البيع.
ليس لكم شيئاً؟
لا الهواء، الذي لوثه الطغاة ولا البحر الذي غرق بالدماء، بفعل مراكب الموت، ولا محطة الباص، التي ما عاد يقف أمامها أحد لشدة ارتفاع أسعار البطاقات.
لقد تعب السياسيون من حثكم على ترك البلاد إن كان الحال فيها لا يعجبكم وأنتم تصرون على سد آذانكم وتجاهل النصائح.
قالها «بي الكل» الرئيس ميشال عون للشعب اللبناني:
«إذا ما في عندكم أوادم بهالدولة روحوا هاجروا…»!
ولكن ما زال هناك وبكل وقاحة من ينتقده!
كررها السيد خالدي، وزير الشباب والرياضة في الجزائر مرتين وبوضوح شديد قائلاً:
«اللي ما عجبوش الحال يبدل بلاد..»!
وما زال هناك، وبكل أسف من لم يفهم الرسالة.
أما بعض المسؤولين العرب فلم يرغبوا بقولها بشكل مباشر، ولكن جروا شعوبهم من شعورهم للتطبيع مع العدو، ممررين بذلك الرسالة نفسها، ولكن بشكل مبطن.
ما ذنب المسؤولين حين يبتلون بشعوب متمردة عاصية تخرج إلى الشوارع وتتظاهر ضد قابضي أرواحها؟
خرج الشعب اللبناني السنة الماضية في ثورة مليونية وفي سلسلة بشرية امتدت من الجنوب إلى الشمال، مروراً ببيروت، معتقداً أنه على طريق التغيير.
في الجزائر أيضاً خرج الجزائريون في مئات الآلاف، مراراً وتكراراً، مستنكرين مطالبين برحيل من اعتبروهم «العصابة الحاكمة».
الأمر نفسه في العراق، وما زالت الثورة مستمرة، والتي صادفت ذكراها الأولى يوم 25 الشهر الجاري.
في السودان ثار الشباب ليل نهار، حتى جاء التغيير، الذي قد ينتهي وبصورة صادمة في حضن العدو الإسرائيلي. ليصبح السودان ثالث بلد عربي، يقيم علاقات مع إسرائيل خلال شهرين.
وتصرون أن تبقوا؟ هل الأرض هي أرض الشعوب أو أرض الطغاة الذين يعتبرون شعوبهم قطع شطرنج يحركونها كيفما يشاءون. وحين يملون من اللعب بأرواح مواطنيهم يرمون بهم خارج البلاد؟ أو في سجونهم المعفنة؟
ها هم حكامكم، الذين ثرتم عليهم يعيدون وببرود تشكيل خريطة أراضيكم من جديد، غير آبهين لصراخكم، فاتحين لكم بوابات المطارات للرحيل متى تشاءون.
نحن لسنا عرباً. نحن مشردون في بلادنا وبلاد الآخرين، تائهون، لا هوية لنا. سنبقى في القاع، لأن صراخنا شاهق جداً. لأن أرجل الغدر العملاقة والمصالح السياسية والمادية المشتركة والفساد، كلها تدوسنا!
ولكن لن نيأس أبداً. لقد اكتشف رواد الفضاء منذ مدة كواكب تشبه الأرض بطبيعتها وهي مؤهلة للحياة. دعونا نهاجر معاً إليها ولنترك الحكام والطغاة والمتآمرين يمرحون ويسرحون في كوكبهم البائس، الذي لم يعد يتسع لنا. لم يعد يتسع للحياة!
ابنة الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس
سنرحل، ويبقى خلفنا صراخ آلاف الأطفال، الذين اعتقل أباؤهم لأجل حلم واحد يختصر في الحرية والكرامة والعدالة يهز الأراضي العربية.
سيصدح في الأذان، ومن خلف المنابر صوت الطفلة الصغيرة، ابنة الأسير الفلسطيني الراحل ماهر الأخرس وهي تقول:
بدي بابا يطلع
بدي ياه يرجع على صحته
هيك المجرمين سجنوه
وأخدوه من دارنا
أنا ما بدي هيك
بدي يابا يرجعلنا.
وارجع اقعد بحضنه وأحضنه.. لما أخدوه جنود الاحتلال بطلنا نكيف.. بدي ياه يرجعلنا وبدي ياه ترجعله صحته.
هذه الكلمات البريئة رددتها ابنة الأسير بعد إضرابه عن الطعام لأسابيع طويلة.
لم يتراجع بطلنا الفلسطيني عن موقفه، بل قال بشكل صريح:
«إضرابي هو إعلان للحالة، التي وصل إليها الأسرى، ويأتي دفاعاً عن كل أسير فلسطيني، وعن شعبي الذي يُعاني من الإحتلال، وانتصاري في هذا الإضراب هو انتصار للأسرى ولشعبي الفلسطيني، إما أعود منتصراً وراجعاً إلى شعبي، أو شهيداً، وشهادتي هي قتل من جانب الإحتلال لي، وليس بيدي، فبيدهم الإفراج والاعتقال».
هكذا استشهد ماهر الأخرس، ولكن كلمات صغيرته لن تفقد بريقها في أفق المدن العربية حتى وإن اقتصرت هذه المدن على حكامها.
ستمطر بعد رحيلنا دموع الشهداء ناراً وشهباً في كل مرة ترفعون فيها وجوهكم إلى السماء!
كاتبة لبنانيّة