القاهرة ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي سيطرت واقعة الرسوم المسيئة للرسول محمد في فرنسا على كلمة شيخ الأزهر أحمد الطيب في احتفالات ذكرى المولد النبوي، استغل وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة كعادته كلمته للإشادة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي اعتبر في كلمته أن «الاستعلاء بممارسة قيم الحرية درب من دروب التطرف عندما تمس هذه الممارسة حقوق الآخرين».
وأكد أن الحريات لم تأت مطلقة وينبغي أن تقف عند حدود حريات الآخرين، وأن مكانة النبي في قلوب ووجدان المسلمين لا يمسها قول أو فعل، جوهر الدين هو التسامح، وأرفض أي عنف للدفاع عن الرسول.
وأضاف: ستظل قضية الوعي الرشيد وفهم صحيح الدين من أولويات المرحلة الراهنة في مواجهة أهل الشر الذين يحرفون معاني النصوص ويخرجونها من سياقها، ويفسرونها وفق أهدافهم أو يعتمدون على تفسيرات خاطئة لها، مما يتطلب الاستمرار في المهمة والمسؤولية الثقيلة التي يقوم بها علماء الدين لتصحيح المفاهيم الخاطئة وتصويبها، لنحمي المجتمع والدولة من مخططات التخريب، وليدرك العالم أجمع سماحة الدين الإسلامي العظيم الذي يتأسس على الرحمة والتسامح والتعايش السلمي بين الناس جميعاً.
«الوعي الرشيد»
وزاد: مما لا شك فيه أن بناء الوعي الرشيد، يتطلب تضافر كافة المؤسسات الدينية والتربوية والثقافية والإعلامية للإسهام في بناء الشخصية القوية السوية والقادرة على مواجهة التحديات والتمييز بين الحق والباطل، وبين الوعي السديد والوعي الزائف، وبين الحقائق والشائعات.
وتابع: إنني إذ أقدر الدور الذي تقوم به مؤسسات الدولة الدينية في نشر الفكر المستنير وتصحيح المفاهيم الخاطئة، فإنني أؤكد أننا في حاجة إلى مضاعفة الجهد المبذول من جميع مؤسسات ومنظومة بناء الوعي، للوصول إلى جميع شرائح المجتمع في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ أمتنا ومنطقتنا والعالم من حولنا، وأؤكد لكم أن الدولة لن تألو جهدا في دعم الأئمة وفي توفير المناخ المناسب لأدائهم للدور المرجو منهم في المرحلة الحالية من تاريخ مصر لدعم الخطاب الديني الوسطي المستنير.
وواصل: رسالة الإسلام التي تلقيناها من الرسول الكريم جاءت انتصاراً لحرية الإيمان والاختيار والاعتقاد والفكر، إلا أن تلك الحريات لم تأتِ مطلقة حتى لا تحولها أهواء النفس البشرية إلى فوضى تبيح التخريب والتدمير، كما أن تلك الحريات ينبغي أن تقف عند حدود حريات الآخرين، تحترم الجميع ولا تخرج عن المنظومة المُحكمة التي خلق الله الكون في إطارها، فما قد يعتبر قيداً على الحريات إنما يصون بالمقابل الحقوق في مواجهة الآخرين، وإن تبرير التطرف تحت ستار الدين هو أبعد ما يكون عن الدين، بل إنه مُحرّم ومُجرّم، ولا يتعدى كونه أداةً لتحقيق مصالح ضيقة ومآرب شخصية.
شيخ الأزهر يدعو لتشريع عالمي يجرّم الإساءة للإسلام… ووزير الأوقاف يشيد بالسيسي
وتابع: دعونا نتفق على أن هذا التطرف لا يمكن قصره على دين بعينه، ففي جميع الديانات، وبكل أسف، يوجد المتطرفون الذين يسعون لإذكاء روح الفتنة، وإشعال نار الغضب والكراهية، وهي الأفكار التي لا تثمر إلا عن تغذية خطاب التناحر والحض على التباعد والفرقة، حتى أن سيرة النبي العطرة لم تسلم من ذلك التطرف، وأؤكد للجميع أن مكانة سيد الخلق النبي العظيم في قلوب ووجدان المسلمين في كل أنحاء العالم لا يمكن أن يمسها قول أو فعل، كما أؤكد الرفض القاطع لأي أعمال عنف أو إرهاب تصدر من أي طرف تحت شعار الدفاع عن الدين أو الرموز الدينية المقدسة، فجوهر الدين هو التسامح، ولنستلهم معاً في هذا الإطار الدروس والعبر من سيرة نبينا (صلى الله عليه وسلم) الذي أرسله ربه (عزّ وجلّ) ليتمم مكارم الأخلاق، فرسخ (صلى الله عليه وسلم) أسس التعايش وقبول الآخر والإيمان بالتنوع، فلا إكراه في الدين.
واختتم كلمته: فلنجعل من ذكرى مولده نبراسا يضيء لنا الطريق، لنعمر، ونحقق المفهوم الحقيقي للرحمة في مواجهة جماعات القتل والتخريب، ولنجعل من وطننا صورة مشرقة لفهم وتطبيق صحيح الدين وتحقيق مقاصد الشرع الحنيف، حتى نبعث برسالة من مصر مهد التاريخ والحضارة الإنسانية تؤكد سماحة الأديان وتجعلها سبيلاً لسلام العالم وتراحم البشرية جمعاء.
«موقف وطني»
مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري وجه كلمته للسيسي قائلا: لم ننس ولن ننسى يوم أن وقفت موقفا وطنيا عظيما مشهودا في وقت عصيب جدا، وقلت إن الرصاص الذي يواجه إلى صدور المصريين سنتلقاه بصدورنا، وقلت إنه لا يمكن لأحد أن يروع المصريين ونحن على قيد الحياة، وأعانك الله ووفيت وكأنك كما قال المتنبي: وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم.
وخاطب السيسي قائلا: لن نقول مثل ما قال بنو إسرائيل لسيدنا موسى، اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، لكن نحن بإذن الله معكم عن يمينك وعن شمالك ومن خلفك مقاتلون، علماء الازهر والأوقاف مع معركة بناء الوعي والوطن والجبهة متى لزم الأمر.
شيخ الأزهر، أحمد الطيب دعا المجتمع الدولي إلى إقرار تشريع عالمي يجرم معاداة المسلمين.
وقال إنه من المؤلم أن تتحول الإساءة للإسلام إلى أداة لحشد الأصوات والمضاربة في أسواق الانتخابات، لافتا إلى أن النبي تعرض في حياته وبعد رحيله لمثل ما يحدث الآن، ولكنه كان يتعامل بالصفح والإحسان والدعاء للجاهلين به بالهداية.
«اندماج إيجابي»
كما وجه نداء إلى المواطنين المسلمين في الدول الغربية، داعيا إياهم إلى اندماج إيجابي واع للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية وعدم الانجراف إلى استفزازات التطرف والعنصرية الكريهة والانجراف نحو استقطاب جماعات الإسلام السياسي.
وقال: على المواطنين أن يقتدوا بالطرق السلمية والقانونية في مقاومة خطاب الكراهية للحصول على الحقوق الشرعية والاقتداء بأخلاق النبي.
وأعلن الطيب عن إطلاق الأزهر منصة عالمية متعددة اللغات للتعريف بالنبي وتخصيص مسابقة علمية عالمية عن أخلاق النبي.