لندن ـ ‘القدس العربي’: اثار انتصار حزب النهضة المعتدل في تونس مرة اخرى مخاوف من عودة الاسلام السياسي للحلبة السياسية كقوة محكمة، وفي الوقت الذي لقيت فيه العودة ترحيبا في اوساط المعلقين من ذوي الاتجاه اليسار او ما يسمى احيانا يسار الوسط البريطاني الا ان صحف اليمين كعادتها طرحت فكرة عودة الاسلام السياسي وهذا واضح في افتتاحية صحيفة ‘ديلي تلغراف’. وقالت فيها ان الانتخابات في تونس تعبر عن شكل يبرز فيها الاسلاميون في موقع قوي. وقالت ان النظرة الاولية على انتخابات تونس وهي الاولى التي تعقد في الشرق الاوسط بعد الاحتجاجات المعادية للانظمة التي اجتاحت المنطقة في بداية هذا العام فانها تعتبر اي الانتخابات نجاحا عظيما، فقد شارك فيها تسعون بالمئة من المسجلين في دوائر الانتخابات 4.1 مليون نسمة. وقالت ان الانتخابات انعقدت على ما يبدو في جو من النزاهة والفرح، مما يجعلها اول انتخابات حرة تعقد في البلد منذ استقلاله عن فرنسا عام 1956. وقالت ان نجاح الانتخابات هي الخطوة الاولى في تطور البلاد السياسي خاصة انها تأتي بعد الاطاحة بنظام زين العابدين بن علي في كانون الثاني (يناير) الماضي، وستكون مهمة المجلس التأسيسي الانتقالي المكون من 218 نائبا كتابة الدستور، وفي هذه النقطة فان النجاح الذي حققه حزب النهضة الاسلامي سيكون سببا للقلق، لانه حقق نسبة 40 بالمئة من اصوات الناخبين مما سيعطيه صوتا قويا في المفاوضات القادمة حول مستقبل البلاد السياسي. واضافت ان ما حدث في تونس اصبح شكلا من اشكال صعود الاسلام السياسي، ففي مصر فالاخوان المسلمون في وضع قوي لتحقيق نجاحات في انتخابات مصر البرلمانية الشهر القادم، زاعمة ان الكثير من مرشحي الجماعة يخوضون حملات انتخابية من اجل تطبيق قوانين محافظة اجتماعيا من مثل منع ما يمكن للزوار الاجانب ارتداءه على الشواطىء. وفي ليبيا التي تمت الاطاحة فيها بنظام القذافي فان قادة المجلس الانتقالي وعدوا بتطبيق الشريعة وجعلها اساسا للدستور وهو مفهوم مخالف لفهم الغرب للتحرر. وقالت ان هذا الموقف يجب ان لا يكون مفاجئا فالنسخة الاولى بدأت قبل ستة اعوام عندما فازت حركة حماس بالانتخابات الفلسطينية بشكل ساحق. وختمت بالقول ان وراء الصحوة العربية تقف دائما قوى ظلامية.
حماية الحريات السياسية وفي اتجاه اخر كتب جوناثان ستيل في مقال له في ‘الغارديان’ تحت عنوان ‘انتخابات تونس النظيفة’ وقال فيه ان المهمة الكبرى التي تواجه البلاد بعد الانتخابات هي كتابة دستور يحمي الحريات السياسية التي طالبت بها الانتفاضة. وقال ستيل ان الاحزاب التي صعدت في الانتخابات وفازت فيها هي ليست احزابا لها علاقة بالنخبة او رجال الاعمال التي استفادت من نظام بن علي. وقال ان مخاوف عودة النخب هذه الى الساحة السياسية وبثوب جديد كما حدث في فترة ما بعد مبارك تبددت الان. فحزب النهضة الذي برز منتصرا في هذه الانتخابات هو الحزب الاكثر الذي عانى من اضطهاد نظام بن علي ونال احتراما واسعا للتضحيات التي قدمها. كما ان الحزب الاسلامي المعتدل متشدد في امرين هما الفساد والبطالة خاصة بين الشباب. واشار الكاتب الى الاساليب التي استخدمتها احزاب صغيرة ومتعددة للعب على ورقة الاسلاموفيا وهي ورقة سهلة خاصة ان الاعلام السابق الذي سيطر عليه النظام غالبا ما شيطن الحركات الاسلامية وخلال عدة عقود ولكن الورقة فشلت في منع الاسلاميين من الفوز. واشار الى ان الناخبين كانت لديهم فرصة واولى للاستماع الى صوت مرشحي النخبة ولم ترعبهم رسالتهم. ويرى الكاتب ان نجاح النهضة متعلق بالحملة الانتخابية والوعود التي قدمتها من انها تريد حكومة ائتلاف وطني، وستحترم وجهات النظر المختلفة كما انها ركزت على المناطق التي همشها النظام في الداخل، وقالت انها لن تكون حزبا يمثل سكان الساحل الذين جاءت منهم نخبة بن علي. واشار الى سجل حزب الاستقلال والمنبر الديمقراطي للعمل والحريات في مكافحة الفساد. ويقول ان تونس عادة ما ربطت بمصر كون البلدين حققا تغييرا سلميا الا ان تركيا تقدم مثالا جيدا لتونس نظرا لتشابه الظروف التاريخية من ناحية الموقف من التحديث الذي طبقه كمال اتاتورك في تركيا والحبيب بورقيبة في تونس، خاصة الموقف من المرأة وحرياتها، وهناك تشابه من ناحية القمع ضد المعارضة في تركيا والاسلاميين في الحالة التونسية ودور الجيش في احكام السيطرة على البلاد في كليهما. ولكن في تونس جيلا جديدا ادار ظهره اليوم لممارسات الماضي كما حدث في تركيا حيث فاز حزب العدالة والتنمية وهو حزب اسلامي معتدل وبنفس السياق فان جيلا في شمال افريقيا لم يعد يلتفت للجيش خاصة ذلك الذي تدخل ليحبط الانتخابات في الجزائر وقاد لحرب اهلية مشيرا ان المجتمع التونسي مدني لدرجة انه لن يكرر الدرس الجزائري.
ويعتقد ان من اهم القضايا المثيرة للجدل هي الحجاب الذي رفضته العلمانية ومن المتوقع ان تقدم فيه النهضة رأيها من ناحية منح المرأة الخيار، مشيرا الى قول راشد الغنوشي زعيم النهضة ‘ نحن ضد فرض الحجاب باسم الاسلام ومنعه باسم العلمانية والحداثة’. ويختم بالقول ان الحجاب ليس اولوية فالتحدي الاكبر هو ان كتابة دستور يحمي الحريات السياسية التي طالب بها المتظاهرون الذين اسقطوا بن علي. ويعتقد ان مهام الحكومة الانتقالية ستكون صعبة خاصة ان الازمة المالية في اوروبا لن تساعد في انعاش قطاع السياحة الذي دمر بسبب الاحداث السياسية. ومع ان الطريق صعب لكنه اصبح واضحا اوضح من مصر والجارة ليبيا. وفي تصريحات للغنوشي للغارديان قال ان الانتخابات في تونس هي’اول انتخابات حرة ونزيهة في العالم العربي’. ويقول الغنوشي ان حزب النهضة هو ‘نموذج جديد للعالم’ للاسلاميين ومؤيدي الديمقراطية على حد سواء، فهو يدعو للاجماع ومنفتح وهو النسخة المضادة لمفهوم الغرب عن صراع الحضارات. وتقول الصحيفة ان الحزب يعترف الان انه يجب ان يسير بطريقة حذرة ومتعقلة فان اعطت نسبة 40 بالمئة من الناخبين صوتها للاسلاميين فان نسبة 60 اخرى انتخبت احزابا اخرى ذات ولاءات متعددة وبرامج سياسية مختلفة. ونقلت الصحيفة عن باحثة تونسية في جامعة هارفارد قولها ان ما حدث للنهضة ‘لحظة غير اعتيادية فقد تحول من حركة سرية تعمل تعيش في المنفى وليس لها وجود على الارض الى حزب شرعي والان نفترض انه تحرك نحو مركز الحكومة سيستجيب للمطالب السياسية والاقتصادية’. واضافت وهي الباحثة في الفكر الاسلامي ان الحزب امام امتحان وعليه ان يظهر براغماتية عالية ويرد على المطالب القادمة من القطاعات العلمانية داخل المجتمع، معتقدة وجود خلافات بين قيادة الحزب على مستوى القاعدة، ومن هنا فان واحدا من التحديات امام الحزب هي ادارة الخلافات هذه. ويتحدث التقرير عن شكل الدستور الذي تتفق النهضة على ابقاء تعريف تونس فيه على انها دولة مسلمة وليست جمهورية اسلامية، وبدلا من الانشغال بهذا فان الحزب يحاول ان يدفع باجندته التي هي مزيج تجمع بين ليبرالية اقتصادية ومحافظة دينية واجتماعية مع التأكيد على اهمية العائلة وهو ما يطلق عليه الغنوشي’مجتمع ديمقراطي مبني على القيم الاسلامية’. ويدعو الحزب الى الغاء منصب الرئاسة خاصة بعد 50 عاما من عبادة الفرد ويريد نظاما برلمانيا على غرار النظام البريطاني ولكن مع مجلس اخر. واكد الغنوشي انه ليس مهتما بالسلطة الشخصية حيث يقول ‘لا نريد ان يظهر ديكتاتور جديد عبر النظام الرئاسي فهذا بوابة يدخل منها الحاكم المستبد’. واكد مؤسسة الشرطة لا زالت متهمة بممارسة التعذيب في مرحلة ما بعد الثورة وطالب باعادة تنظيمها كي تخدم الشعب وليس الحكام سواء كانوا اسلاميين او علمانيين مضيفا ‘نعرف ان الحاكم يمكنه ارتداء عمامة او طاقية او اي رمز’. وفي المرحلة القادمة لا يعرف طبيعة الوظائف التي سيتسلمها الحكم في الحكومة القادمة مع ان الغنوشي يقول ان حزبه يريد نظاما اقتصاديا على شاكلة السويد، ‘نظام اجتماعي ودولة رفاه وتشجيع الاعمال’. وفي برنامج الحزب وعد بتوفير 590 الف وظيفة خلال الخمس سنوات القادمة وتخفيف البطالة الى نسبة 8.5 بالمئة. ويقول الغنوشي ان الحزب لا يريد تغيير القوانين المتعلقة بالعائلة مثل تحريم التعدد وضرورة موافقة المرأة على الزواج وتقليل سلطة الرجل في مجال الطلاق. ولكن الحزب يريد نشر اهمية العائلة وتقليل نسبة الطلاق، مشيرا ان تونس تعتبر ثالث دولة في العربي من ناحية ارتفاع نسب الطلاق، قائلا ان هناك مشكلة اجتماعية تجب معالجتها. ويقول الغنوشي ان حزبه هو مظلة للاسلاميين ولكن السؤال كيف سيحقق هذا كما تقول الصحيفة.
ومع ان الحزب يشبه نفسه بحزب العدالة والتنمية التركي لكن الحزب الاخير هذا هو نتاج اربعين عاما من التطور. ويرى مرشحون معارضون للحزب ان اجندته ذات خطاب مزدوج ووراء الاعتدال تشدد لكن الغنوشي يقول ان كانت هناك تيارات معارضة فهي اقلية. وفي رد على سؤال ان كان لدى حزبه كفاءة غير معروفة، اشار الى سنوات من المعارضة قائلا ‘لم نكن ماسونيين او طائفة صوفية بل نحن حزب معاصر’. واكد في نهاية المقابلة ان الحزب يريد تقوية المرأة وحقوقها وحمايتها من التحرش في اماكن العمل ومن العنف المنزلي ومساعدة بالطفولة حيث تواصل الام عملها.