صحف عبريةيبدو لاول وهلة، ان استقرار رأي اوباما على الوفاء بوعده الانتخابي في 2008 وإتمام اجلاء القوات الامريكية عن العراق حتى نهاية 2011 سيمنحه نقاط استحقاق في الميدان السياسي الداخلي ويسهم في تعزيز شخصيته بأنه صادق. ولا شك ايضا في ان البيت الابيض قد يروج لهذا التطور باعتباره فقرة مركزية تأتلف وتندمج في نظام واسع من النجاحات في جبهة محاربة الارهاب العالمي والانظمة المستبدة. ان حقيقة ان الاعلان الرئاسي باتمام المهمة في العراق قد نشر بعد يوم من نزول الستار على عهد القذافي يرمي الى ربط المجال العراقي بجملة انجازات واشنطن في مكافحة الارهاب، وهي مكافحة في أساسها القضاء على ابن لادن.
اجل لا شك في ان الانسحاب من العراق سيُستقبل بمباركة من جماهير واسعة في الولايات المتحدة ولا سيما خائبي الأمل من اوباما من الجناح الليبرالي للخريطة السياسية. لان هذه الحرب، ولا سيما في سنوات بوش الاخيرة، كانت حربا غير شعبية سببها مشكوك فيه وكلفتها ضخمة. وليس فقط ان نفقات القتال المباشرة قد بلغت حتى الآن نحوا من 800 مليار دولار وأسهمت بالزيادة الخيالية للدين القومي (والازمة الاقتصادية المستمرة) بل ان أهدافها المركزية بقيت بمثابة حلم ايضا. ان العراق، حتى بعد اعدام صدام، بعيد سنين ضوئية عن نموذج الديمقراطية الغربية الذي قام ازاء أنظار ‘جميع رجال بوش’ عندما خطوا رؤيا انشاء الأمة العراقية من جديد. على خلفية انهيار حلم التحول الديمقراطي، الذي انهار ازاء مجتمع ممزق مشحون بالعنف والتوتر الطائفي، فان قرار الانفصال عن الظلام العراقي مفهوم. والى ذلك فانه ما يزال ممكنا الى اليوم صبغ المعركة بأصباغ وردية وبين يدي ذلك النجاح المدهش لـ ‘خطة باتريوس’ لاقرار وضع ميدان القتال ومنح السكان المدنيين هامش أمن أوسع. وبخلاف الهزيمة المطلقة في فيتنام، فان الاخطار التي تترصد النظام الحالي في بغداد ليست مباشرة كثيرا. ومع كل ذلك، يصعب ان نتجاهل امكان ان الثمن الاستراتيجي الذي يصحب توقيت الانسحاب المتوقع، قد يقتطع مع مرور الوقت من المزايا والذخائر السياسية. وذلك لان صورة التوازن الاستراتيجي بين العراق وايران التي صيغت وحيكت في عهد كلينتون حينما كانت الدولتان محتجزتين في موقع الصد المزدوج، قد انهارت.
في حين يوحي العراق أكثر من كل شيء بالضعف والاستقطاب الطائفي والعقائدي والسياسي، تبدو ايران كيانا مركزيا مهددا في ساحة الخليج، قد يستغل الفراغ الذي قد ينشأ في المستقبل ليُعمق تغلغله في العراق. وهكذا في الوقت الذي تجتاز فيه قوات تركية الحدود العراقية مرة بعد اخرى بمطاردتها لمحاربين أكراد، تكثر الدلائل على ان ايران ايضا تنوي ان تزيد نشاطها التآمري في العراق في حين تمنحها ‘كتائب حزب الله’ أدوات ضغط وقوة. وذلك مع ضغط سياسي مباشر في الآن نفسه قد يستعمل بقوة اكبر من قبل طهران على حكومة نوري المالكي.
يُشك في ان تستطيع الولايات المتحدة وهي مسلوبة الخيار العسكري في الأمد القصير على الأقل صد هذه الاتجاهات الخطرة. لهذا فان المكسب السياسي المباشر لاوباما قد يضعف في الصعيد الاستراتيجي، ويُشك في ان يصبح ذخرا انتخابيا حقيقيا قُبيل يوم الحسم في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. اسرائيل اليوم 26/10/2011