ثلاث نقاط عن رابين، الرجل وإرثه، كما أرى. الأولى ترتبط بحساب الدولارات، فعندما كان سفيراً في الولايات المتحدة كان يتلقى أجراً لقاء محاضراته. وقد أودعت الدولارات التي تلقاها في حساب بنك أمريكي. لقد كان سفيراً أدى مهمته كوزير خارجية وأدار الشؤون الأمنية والسياسية لدولة إسرائيل مع الإدارة الأمريكية. وكان تأثيره على تصميم السياسة الإسرائيلية شبه حاسم. وعندما علم -وقد بات رئيس وزراء- أمر الأجر لقاء محاضراته، فإن شيئاً ما انكسر. أنا أيضاً، مثل بعض من رفاقي، خدمت في السفارة في واشنطن. أعطينا الكثير من المحاضرات لمنظمات يهودية مختلفة.سافرنا أحياناً مئات الكيلومترات في سياراتنا الخاصة كي نحاضر أمام جالية يهودية في مدينة نائية. رأينا في هذا رسالة وطنية من الدرجة الأولى، ولم نفكر للحظة واحدة بأن نطلب أجراً مقابل المحاضرات. والشيء الوحيد الذي تلقيناه من الملاحق كان نفقات الوقود إذا كانت الرحلة طويلة. أما اليوم فالبلاد تمتلئ بالفساد من كل صوب. إذن، لا ننسى أن ذلك ليس جديداً، بل قديم. كيف قال رئيس الوزراء ليفي اشكول عندما طرحوا عليه حكايات فساد في الموساد؟ “لا تقف في وجه ثور مندفع؟. وبالعبرية الشعبية: دعوهم يتمتعوا بثمار فسادهم. كان هذا في عهد إسرائيل، “الجميلة والقديمة”، التي نتوق لها بفرح.
الثانية، إرث التنازل عن كل هضبة الجولان. كان هذا رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول الذي وعد قبل انتخابه بصوت عال: “لا يعقل” التنازل عن هضبة الجولان، الذي وافق في 3 آب 1993 على التنازل عن كل هضبة الجولان بمستوطناتها. فقد أودع هذا التعهد في “جيب” الإدارة الأمريكية. صحيح أنه اشترط ذلك بموافقة سوريا على مطالب إسرائيل، وإبقاء الأمر سراً، إلا أنه ثبت السابقة ونقطة البداية، فقد سار في أعقابه أيضاً باراك، وأولمرت، ويبدو نتنياهو أيضاً. وفقاً للمنشورات وعشية الحرب الأهلية في سوريا، لم يكن الجدال مع سوريا عن الانسحاب من كل الجولان، بل عن ما هو “كل الجولان”. جاءت الحرب الأهلية في سوريا، وجاء ترامب، وخلصنا من هذا العرض.
الثالثة، وهي برأيي الإرث الحقيقي الأكبر لرابين، الذي يميل البعض إلى إخفائه: كيف رأى حدود إسرائيل في الساحة الفلسطينية. في 5 تشرين الأول 1995، عند عرض اتفاق أوسلو الثاني على كنيست إسرائيل، قال رابين الأمور التالية، التي يحبذ أن يحفظها كل رجال الأمن والدولة عن ظهر قلب: ” ستكون حدود دولة إسرائيل عند الحل الدائم خلف الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب الأيام الستة. لن نعود إلى خطوط الرابع من حزيران 1967. وهذه هي أساس التعديلات – ليس كلها – مثلما نراها ونريدها كحل دائم: أولاً وقبل كل شيء قدس موحدة تضم “معاليه أدوميم” و”جفعات زئيف”، كعاصمة إسرائيل بسيادة إسرائيل. حدود الأمن المدافعة عن دولة إسرائيل تقع في غور الأردن بالتفسير الأوسع لهذا المفهوم. تعديلات ستضم “غوش عصيون”، و”أفرات”، و”بيتار” وبلدات أخرى معظمها في شرقي ما كان الخط الأخضر قبل حرب الأيام الستة. ثم إقامة كتل استيطانية مثل “غوش قطيف”، سواء في يهودا أو السامرة”. هذا هو معتقده، وكل تفسير آخر زائد.
وكلمة ختام: سبق اغتيال رابين تحريض شخصي منفلت العقال ضده، تحتل العلم الأيديولوجي. ليس ضد حزبه… ضد الرجل الذي اسمه إسحق. واليوم، وبحجوم أكبر وأكثر إبداعية، يدار تحريض شخصي منفلت العقال ضد رئيس الوزراء تحت علم الديمقراطية والفساد. ضده وليس ضد حزبه. لم نتعلم شيئاً.
بقلم: عاموس غلبوع
معاريف 29/10/2020