الذات الفاعلة تقاوم الاستبداد

من أجل ميلاد الذات الفاعلة، يجب أن ينتصر العقل على الأسطورة، وانتصار العقل يفسح المجال للمرور من عقلانية الغايات إلى عقلانية الوسائل، وأهم وسيلة هي المدرسة، التي يتصارع حولها النظام القديم مع النظام الحديث.
وهكذا تم عزل الفلاسفة والمثقفين، ونشر جنود التيار السلفي في المدارس والجامعات، ما قاد إلى تدمير الذات الفاعلة، واتهامها بالإلحاد، حيث حل السؤال الديني محل السؤال الاجتماعي، لكن ألم يكن هذا هو السبب الحقيقي في ظهور التطرف الديني؟ وإلا ما معنى هذا السقوط في أحضان الهوية ورفض الحداثة؟ وهل قاد هذا التحول إلى فقدان المعنى وتغيره باللامعنى؟
يكاد المثقفون الذين يمارسون التنوير بواسطة النقد، أن يصبحوا بلا صوت في الدول العربية، التي يسيطر فيها الإسلام، ليس كدين بل كسياسة وأخلاق، وأمام صعود الحركات الإسلامية، التي دمّرت المدرسة والثقافة، اختفت الذات الفاعلة، هكذا أضحى هذا الفضاء فارغا من هذه الذات، والشاهد على ذلك أن الوضع الراهن للتعليم والثقافة ينذر بالانهيار، فلم يعد المثقف ملتزما بقضايا عصره، ولا ينصت لمطالب الشعب، لأنه فقد هويته كذات فاعلة «إن المثقفين ليسوا وحدهم المسؤولين عن الوضع الذي هم ضحاياه».
من أجل الانفلات من فقدان الأمل يسعى بعض المثقفين إلى ضرورة رفع الثقافة إلى مرتبة المقاومة، والتضحية بحياتهم ومستقبلهم المهني، خاصة في الجامعات، وقد عشت أنا أيضا محنة النفي مع الحزب الديني، ولذلك فإن الحداثة إذا لم تخترق الجامعات والمدارس، فلن يسمح للذات الفاعلة بالعودة من جديد إلى الفضاء العام، بل إن هذه العودة ستكون مفيدة أيضا بالنسبة للمثقفين، ووسيلة ضرورية للانفعالات من فقدان المعنى، ويتراجع حماسهم، بعد انقلاب التشاؤم على التفاؤل، لأن ما يضفي الحقيقة على الثقافة، هو حماس الذات الفاعلة .
مهما يكن من أمر، فإن المدرسة هي المدافع عن عقلانية الأنوار، لكنها تحولت إلى أداة لنشر الأرثوذوكسية الدينية، وهدم كل أمل في التحديث، ولذلك فإن انفراج المجتمع رهين بانفراج المدرسة، وهذا أمر لا رجعة فيه، يجب عدم الانطلاق من الآراء الرسمية، التي تروجها الوزارة، بل من تأملات الفاعلين الثقافيين والاجتماعيين، وربما أن بعض التأملات قد برهنت على أزمة التعليم، بيد أن لعبة السلطة والحقيقة، قادت إلى عدم الإنصات، واللامبالاة، بيد ان ردة الفعل للتيار الوهابي ستدهشهم، حين تدخل على الحقل الاجتماعي والسياسي من أسفل، وتفرغه من كل محتواه، وبإمكان هذا التوجه العدمي أن يسيطر على الأغلبية الصامتة، التي تنتظر التغيير بدون حركة .
البطالة والتهميش، مجتمع آخر متدفق هديره، سيفجّر الهدوء الذي يسبق العاصفة، ذلك أن التاريخ لا يرتاح في الجمود، لأنه جدل شغوف بالحركة، لقد تم الانتقال من الصراعات السياسية إلى الصراعات الاجتماعية، التي تراهن على الخيبات المرتبطة بتحولات تزداد سرعة: «من مشاكل كل بنية اجتماعية إلى مشاكل تتعلق بنمط للتغيير»، فالحرمان حين يحل محل الأمل يؤثر في جدل التاريخ، ويؤدي إلى تفكيك الفعل الاجتماعي المتمزق بهزة الأيديولوجية السلفية، والمنطوي على هوية أسطورية، فما الذي ينبغي فعله؟ وهل هناك من ترياق لهذا الوباء، غير الذات الفاعلة؟ وأين توجد هذه الذات الآن؟
الحال أن مصلحة الأمة لم تعد بين أيادي المهندسين، بل في فكر المفكرين الذين جعلوا من جدل العقل والتنوير شعارهم، لكن فرض منطق الطاعة والسيطرة قاد إلى قمع المفكرين، وإفراغ الجامعات ومراكز البحث منهم، وأضحت الهيمنة هي اللغة السائدة، واختفى الحوار بعد ظهور خطاب واحد، يحتكر المعنى والحقيقة، هكذا طورت السلطة استراتيجيتها في تدمير الذات الفاعلة، حيث اعتقلت كل من يطالب ببناء الجامعات والمدارس والمستشفيات، ودعمت من يشيّد المساجد، ولذلك ازدهر الحقل الديني برعاية السلطة، على حساب الحقل العلمي والثقافي والفني .
ولعل المستفيد الأكبر من هذا الازدهار الأيديولوجي، هي الحركات الإسلامية وزعماؤها، الذين تحولوا إلى فاعلين اجتماعيين، أسسوا جمعيات دينية تأخذ الدعم من الدولة وتستثمره في نشر الدعوة في الأحياء الشعبية، ويشتغلون انطلاقا من مشروع تنموي لأيديولوجيتهم، لأن ما هو ثانوي حلّ محل ما هو أساسي، إذ لم يعد همهم هو البحث عن حلول للأمية والبطالة والتهميش، بقدر ما أضحى هو نشر دعوتهم للإسلام الوهابي، وما هو مثير أن هذه الدعوة توحي بأنها جديدة تسعى إلى دحض التدين الشعبي السائد، أي دين الدولة، ولذلك تغير الدين من مجرد عبادة إلى نمط للعيش، وطريقة مغايرة في اللباس والتعامل الاجتماعي .
فالمجتمع يتسع للجميع، والدين يربط بين الناس والخالق، ويحتاج إلى وسطاء، لكن أن يتجه بعض الأشخاص إلى إلغاء المعنى في المجتمع، من أجل أهداف سياسية تستغل الدين، معناه قهر الاختلاف بالعنف، ما قاد إلى نشر الكراهية والطائفية بين أبناء الأمة نفسها، ما عجّل بالانهيار، ولعل الجميع سيصله الدمار، ولذلك فإن الدعوة إلى الحداثة غايتها المجتمع وليس الدين، بمعنى عقلنة بنية المجتمع الذهنية ومؤسسات الدولة، هكذا يمكن «لكل الأذواق والسلوكات أن تتعايش، من دون أن يقصي بعضها بعضا، يمكن اختيار كل شيء على مهل، الحياة البسيطة مثل الحياة البالغة التعقيد في زمن منزوع من نسيجه الحي، من غير معالم ثابتة «.
يجب الانتقال من فكرة الذات الفاعلة إلى الذات السياسية، وهذا الانتقال سيساهم في إنقاذ الانسان كحيوان سياسي وفقا لعبارة أرسطو، ذلك أن الاهتمام بالسياسة يعني القدرة على الفعل والمشاركة في التغيير كذات فاعلة، وأقصد هنا السياسة المدنية التي تسعى إلى بناء دولة مدنية، أي دولة الحقوق والواجبات، وليس السياسة الفاسدة، التي تريد الربح وتنشر الريع. فالسياسة كما مارسها بعض المثقفين عندما كانت الذات الفاعلة بالفعل قادرة على اختراق المجتمع، ففي مرحلة السبعينيات من القرن العشرين كان الحوار قائما على فرضية القمع والحرية، لكن الهيمنة المطلقة للنظام القديم عجّلت بالتدمير .
نحن إذن، أمام تحولات كبرى، ينبغي أن تساهم في تفسير جدل التاريخ والسياسة، من أجل فهم كيفية تحول الذات الفاعلة في السياسة والثقافة والمجتمع، إلى ذات مهمشة ومعزولة، فالبحث عن الأساس الأنطولوجي للأزمة يجب ان ينطلق من التساؤل التالي؛ أين اختفت الذات الفاعلة؟ وهل تركت مكانها للذات المدمرة؟ ومن كان وراء اندثارها؟ بل أكثر من ذلك؛ كيف يمكن ميلاد الذات الفاعلة من جديد في دولة لا تحكم بالحرية؟

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية