أثارت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في مقر بعثة قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” في بلدة الناقورة، اهتمام وسائل الإعلام العربية والأجنبية بهذه البلدة الهادئة، وأعادت تسليط الضوء على المعالم الأثرية والطبيعية في البلدة الواقعة بمحاذاة الخط الأزرق الحدودي، بعد أن شهدت حشدا إعلاميا غير مسبوق لمتابعة المفاوضات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي.
وبعد منع الإعلاميين من الدخول إلى مكان ومحيط مقر الأمم المتحدة في بلدة الناقورة لتغطية جلسات المفاوضات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، جالت “القدس العربي” مع عدد من الإعلاميين العرب والأجانب في أرجاء الناقورة، التي بعثت الدهشة والإعجاب لجمال طبيعتها ومعالمها الجغرافية والأثرية.
الناقورة بلدة لبنانية ساحلية من قضاء صور في محافظة جنوب لبنان، تقع في الزاوية الجنوبية الغربية للبنان على الحدود مع فلسطين المحتلة، وهي المعبر الساحلي والبوابة الشمالية للأراضي المحتلة.
تبعد عن العاصمة اللبنانية بيروت 103كلم. ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر من صفر إلى 300 متر، يحدها البحر المتوسط من الغرب وفلسطين المحتلة من الجنوب، وبلدة المنصوري من الشمال، ومن الشرق بلدة علما الشعب وطير حرفا.
هناك أكثر من رواية عن التسمية التي تطلق على بلدة الناقورة أهمها في التاريخ يعود إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح. فقد ورد في كتاب “خطط جبل عامل” أن الإسكندر المقدوني لما أراد السير على طريق الساحل من مصر ومنها إلى العراق وصل إلى الناقورة فقيل له إن هذا الجبل يحول بينك وبين الساحل فتحتاج إلى أن تدور حوله، فأمر بنقره وإصلاح الطريق فيه، لذا سمي المكان بالنواقير (جمع ناقورة).
أما بلدة الناقورة فبناها الصليبيون على جانبي الطريق الدولية لما قصدوا عكا وبيت المقدس، في مكان كله تراب أبيض عند مغارة عميقة.
وتشتهر الناقورة بشاطئها الصخري الممتد داخل البحر المتوسط ويسمى رأس الناقورة، ويعتبر شاطئ البلدة البحري الأكثر نظافة على طول الشاطئ اللبناني لدرجة أن الأسماك التي تستخرج من بحرها تحظى بشهرة واسعة في لبنان.
تحاكي الأفق
وتتميز الناقورة بمشاهد طبيعية خلابة حيث تلتف حولها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والجبال والأودية التي تزخر بالينابيع والمياه الجوفية، فيما يمتد البحر أمامها على مسافة عشرة كيلومترات ما يمنحها رحابة تحاكي الأفق تبرز تجلياتها مع غياب الشمس.
كما تتميز البلدة والمناطق المجاورة بالصخور التي تنزل إلى مياه البحر المتوسط، وتعد واحدة من أجمل المدن الساحلية ذات الطبيعية الصخرية، حيث تمزج بين الجمال الطبيعي وعراقة التراث والتاريخ، مما يجعلها واحدة من أجمل الأماكن السياحية في لبنان.
كانت الناقورة مركزا للتجارة وتبادل البضائع بين حضارات بلاد الشام ومصر، ومركزا لعبور القوافل التجارية، وفي العصر الحديث خضعت بلدة الناقورة في لبنان إلى الاحتلال الإسرائيلي وتحررت في عام 2000 وأنشأ في أحد أطرافها مركز لقوات “اليونيفيل” الدولية لحفظ السلام، وهي اليوم واحدة من أكبر الوجهات السياحية في لبنان التي يزورها الملايين سنوياً.
التجول في بلدة الناقورة بين غابات وأحراش الصنوبر والبساتين والكروم التي تخترقها الأنهار والينابيع المائية، والتي تتوزع بينها المغارات والكهوف الكثيرة ممتعة، والجولة تكون أكثر متعة على أطراف السواحل الصخرية والتي يعد شاطئ رأس الناقورة أجملها وأشهرها بتشكيلاته الصخرية والكلسية الفريدة، ومراقبة المنظر الرائع لغروب الشمس.
فبحر الناقورة هو من المعالم السياحية والتاريخية والترفيهية الشعبية التي يقصدها اللبنانيون لممارسة السباحة بالإضافة إلى تأمل صفاء مياهه ونقائها يجعل المشاهد قادراً على رؤية الصخور والأشكال في عمق بحر الناقورة، أما عذوبة المياة ونظافتها يجعل ممارسة هواية السباحة مرغوبة جداً تحت سمائه وشمسه.
محيمات طبيعية
أجمل ما في بلدة الناقورة الحدودية، معالمها الطبيعية مثل جزر الناقورة وغابة رأس الناقورة ومنتزه رأس الناقورة التي أعلنت جميعها كمحيمات طبيعية لندرة محتوياتها من أشجار ونباتات وحيوانات، ومجموعة من أندر الكائنات الحية في لبنان والمهدد بعضها بالإنقراض.
ويوجد في بلدة الناقورة العديد من المقاهي المميزة ذات الطابع اللبناني التقليدي، والمطاعم التي تقدم أشهى أنواع المأكولات اللبنانية وألذ المأكولات البحرية.
يعتقد رئيس بلدية الناقورة محمود مهدي أن بلدته من أجمل المناطق اللبنانية، مشددا لـ”القدس العربي” على ضرورة حماية الحياة البحرية والبيئة المحيطة في الناقورة بشكل فعال، عبر إعلانها محمية تخضع للمراقبة وتحصينها كموئل طبيعي، لافتا إلى أنها لا تقل أهمية من الناحية السياحية والخدماتية على قاعدة تكريس التنمية والاستدامة. ونوه مهدي بمدى ما يتمتع به شاطىء الناقورة من غنى، ولا سيما على مستوى الثروة السمكية، وأشار إلى أن هذه المنطقة غنية بالسلاحف البحرية التي تؤم الشاطىء للتعشيش.
لكن ما يثير الاهتمام ما لفت إليه مهدي، من أن شاطئ الناقورة هو ممر أساسي لكافة أنواع الأسماك في مسارها من مصر إلى تركيا، كما اعتبر شاطئ الناقورة من أنظف الشواطئ في لبنان، لوجود محطة تكرير تكرر المياه المبتذلة على مراحل ثلاث، والمياه التي تنجم عنها تستخدم في الري، ولذلك شاطئ الناقورة متميز.
من جهته ، يؤكد رئيس جمعية “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس أن ثمة جهود بذلت لإعلان شاطئ الناقورة محمية طبيعية، خاصة وأنه يمثل منطقة غنية بالتنوع البيولوجي. مضيفا إن على مستوى الثروة السمكية والكائنات البحرية، وإن على مستوى الحياة البرية، يعتبر شاطئ الناقورة مصدر غنى وتنوع حيويين، يضاف إلى ذلك أنه ما يزال بعيداً عن أسباب التلوث. واعتبر يونس شاطئ الناقورة عنصر جذب سياحي، ويؤمه الباحثون والمهتمّون بالشأن البيئي، والبعثات الأجنبية التي تزور المنطقة من وقت إلى آخر. وتابع القول، “تشكل هذه المناطق الساحلية بين شاطئ صور وبرك رأس العين الطبيعية، وشاطئ الناقورة، مساحة وموئلاً للحياة البرية والبحرية، لا سيما الطيور المستوطنة والمهاجرة والسلاحف البحرية على أنواعها، فضلاً عن كثبان الرمل والأعشاب والنباتات النادرة وينابيع المياه والمستنقعات التاريخية والأراضي الزراعية الخصبة، إلى جانب قيمتها الأثرية والثقافية، خصوصاً القسم الممتد إلى مسافات في البحر ويعتبر قسماً منها”. كاشفا عن جهود بذلت لإنشاء “محمية الناقورة البحرية” مشيرا إلى أن عدد أهالي بلدة الناقورة أكثر من أربعة آلاف نسمة يعيش نصفهم خارج البلدة، وأضاف، إن أكثر من ربع أهالي الناقورة من المغتربين خارج لبنان ويتوزعون خاصة في أفريقيا وأمريكا الشمالية وأوروبا.
حديقة عامة وملعب رياضي
فرضت الطبيعة على أهالي بلدة الناقورة العمل في الزراعة وصيد الأسماك لفترة طويلة، لكن عدد العاملين في هذين القطاعين تضاءل في السنوات الأخيرة بسبب الهجرة (الداخلية والخارجية) واعتماد الوظائف والحرف المهنية المختلفة، فضلا عن تمركز المقر العام لقوات الطوارئ الدولية على شاطئها الجميل منذ العام 1978.
وأتاح وجود مقر قيادة قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” في بلدة الناقورة لأهالي البلدة العديد من الوظائف في هذا المقر، وعزز وجود المقر من الوضع الاقتصادي في البلدة وتحولت إلى مدينة صغيرة تعج بالمحال التجارية والمطاعم والأماكن السياحية وغيرها.
ويشير مختار بلدة الناقورة موسى طاهر إلى أن وحدات “اليونيفيل” الثلاث والعشرين، إلى جانب الوحدات الإيطالية والبرتغالية والفرنسية المتمركزة في المنطقة، أنجزت مشروعين فيها: حديقة عامة وملعب رياضي. لافتا إلى أن 14 شخصا من أبناء البلدة يعملون في مقر قوات الطوارئ (4 إداريين و10 عمال) من أصل 500 موظف أجنبي.
وبعد حرب تموز/يوليو 2006 عاد الجيش اللبناني بعد 36 عاما ليرفع علم بلاده في تلة اللبونة على حدود البلدة الجنوبية والتي تطل على مدينة صور ومدينة حيفا معاً.
وتكشف تقارير وزارة الاشغال العامة في بيروت، أن ورشة ضخمة اقيمت لتأهيل وتوسيع وتحديث مرفأ وميناء الصيادين في بلدة الناقورة الحدودية اللبنانية، بتكليف وتمويل من قيادة قوات “اليونيفيل” وتؤكد أن المشروع دخل حيّز التنفيذ بعد موافقة الوزارة على السماح لقوات “اليونيفيل” باستخدام المرفأ الذي كان يستخدمه صيادو الأسماك.
وتوقعت أن يتم إنجاز هذا المشروع خلال أشهر قليلة ويصبح رصيف المرفأ وحوضه ومستودعاته جاهزة لاستخدام “متعدد الجنسيات” بالتنسيق مع الجيش اللبناني الذي سيبقي على نقطته الثابتة عند مدخل المرفأ.
لكن بلدية الناقورة اعتبرت في تقارير لها، أن وضع المرفأ ضمن سيطرة القوات الدولية “اليونيفيل” وموقعه داخل المربع الأمني التابع للأمم المتحدة، يحرم الناقورة نهائياً من واجهتها البحرية القابلة للاستخدام، إن كان ذلك لأغراض السباحة أو السياحة أو صيد الأسماك بالصنارة أو عبر قوارب الصيد.
يبدو أن قوات الطوارئ الدولية التي تتخذ من بلدة الناقورة مقرا رئيسيا لها، تتجه لتطوير منشآتها ونشاطاتها في البلدة، ويأتي تأهيل المرفأ البحري بعد ستة أشهر من بدء قيادة “اليونيفيل” أعمال الإنشاء لمطار تطلق عليه تسمية “نيو لاند” الذي يمتد فوق تلال الناقورة بمساحة تبلغ 1300 دونم. وعلى غرار المرفأ، كلّفت القيادة الدولية شركة إيطالية إنجاز المطار الذي تتوقع له تكلفة ما بين 14 إلى 20 مليون دولار. أما الشركة الإيطالية فهي تعتمد في التنفيذ على شركات محلية تابعة لعدد من المتعهدين اللبنانيين، بتكلفة لم تحددها مصادر في بعثة قوات الطوارئ الدولية سوى أنها بعشرات ملايين الدولارات، والعقار الذي استأجرته “اليونيفيل” من مصرف لبنان يقع جنوب غرب مقر قيادتها في المنطقة العسكرية المقفلة أمام المدنيين منذ تطبيق القرار 1701 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006 بعد حرب تموز .
وحسب ما أنجز إلى الآن، فإن “نيو لاند” لن تضم مهبطاً ومنصات لتسع مروحيات فحسب، بل مخازن وكاراجات ومستودعات للآليات وثكنة عسكرية وسكناً للجنود والموظفين العاملين في المقر.
تتفق الآراء التي استطلعتها “القدس العربي”على الأهمية الاستراتيجية لبلدة الناقورة نظرا لموقعها الجغرافي وما تتميز به من معالم طبيعية وتاريخية، لذلك فقد لعبت الناقورة خلال العصور المتعاقبة دورا بارزا في الحركة السياحية والتجارية والمواصلات الدولية، إلى جانب ما شهدته منذ العام 1948 من أحداث، وبعد أن اتخذت قوات الطوارئ الدولية من البلدة مقرا رئيسيا لها .
كما تتفق الآراء على أهمية المعالم الأثرية والطبيعية في بلدة الناقورة الحدودية اللبنانية على ضفاف البحر المتوسط، تلك المعالم التي تحاكي عراقة تراث وتاريخ عصور طويلة من الزمن.