رحل في باريس متأثرا بفيروس كورونا
الرباط ـ “القدس العربي”:فقدت الساحة الفنية المغربية، الأربعاء الماضي، أحد روادها الكبار، الفنان التشكيلي محمد المليحي الذي توفي عن 84 عاما، في أحد مستشفيات باريس، متأثرا بإصابته بفيروس كورونا، حسب ما أوردت وكالات الأنباء.
ويتفق الكثير من النقاد والباحثين والفنانين على أن المليحي أحدث ثورة جمالية بإضفاء لمسة طليعية على أعماله الفنية. غير أنه لم يكن فنانا تشكيليا فحسب، بل كان مبدعا ومثقفا، جمع ما بين ممارسة فنه كوسيلة تعبير شخصية وما بين العمل الإبداعي والثقافي الملتزم في مفهومه العصري الواسع؛ هكذا كتبت الناقدة فاتن صفي الدين، يوما ما، عن هذا الفنان الذي اشتهر بممارسة النحت والرسم والتصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي.
والمليحي المولود سنة 1936 بمدينة أصيلة، تلقى تكوينه الأكاديمي في الفنون الجميلة بتطوان وإشبيلية ومدريد وروما ونيويورك، وأقام العديد من المعارض في مختلف بلدان العالم منذ سنة 1958، كما أسس مجلة “انتكرال” الأدبية والفنية، وشارك في تأسيس مجلة “انفاس”. وإليه هو وإلى محمد بن عيسى يرجع الفضل في أحداث موسم أصيلة الثقافي. كما عمل مديرا للفنون في وزارة الثقافة المغربية.
وما تزال لوحاته تحظى بشعبية وتغري هواة جمع النفائس؛ ففي آذار/مارس الماضي، في خضم وباء كورونا، بيع أحد أعماله “السود” The Blacks الذي أنتج عام 1963 في نيويورك عندما كان يعيش في الولايات المتحدة، بأكثر من 5 ملايين درهم مغربي (542757.00 دولار أمريكي). حصل هذا الرقم القياسي في مزاد Sotheby’s في لندن المخصص للفن الحديث المعاصر في أفريقيا والشرق الأوسط.
شغف الألوان
المتتبع لتجربة محمد المليحي التشكيلية يلاحظ وجود نوع من الشغف لديه بالألوان وبهجتها والتعامل مع مختلف الألوان تقريبا. ومن ثم فهو يرى أن الرسم أو الصباغة تشترط وجود تلوين، ويقول موضحا: إذا ألقينا نظرة على تاريخ الفنون في العالم فسنلاحظ أن اللون كان دائما يلعب دورا مهما، فهو الحروف الأبجدية لإنجاز العمل الفني. الفرق في الفن التشكيلي أنه عندما ينجز عمل تشخيصي أو رسم منظر للبحر – مثلا – يخضع الرسام إلى سلسلة أو قانون للتلوين. فالبشرة الإنسانية تأخذ لونا معينا وكذلك المحيط (أثاث أو طبيعة) والملابس بخلاف ما كان موجودا عند مدرسة تشكيلية استمر حضورها إلى غاية الثلاثينات من هذا القرن، تسمى “الوحشية”، حيث كان هناك تطرف في استعمال الألوان: السماء خضراء أو صفراء أو حمراء، البحر أسود أو أحمر… كما أن طريقتهم كانت تقوم على قلب المعنى، وخاصة لدى الفنانين التعبيريين. ربما يندرج عملي في هذا التيار؛ ولكنه لا يعتمد على بنية لبيئة معينة معروفة ومفهومة. تعايش لون آخر يخلق بيئة خاصة به اعتمادا على الخطوط الهندسية والحدود ما بين لون ولون.
ويُرجع أسباب اختيار هذا الاتجاه إلى عدة عوامل يوضحها على النحو التالي: كوني فنانا مغربيا؛ والمغرب بلد ينتمي إلى القارة الأفريقية، وإلى الجناح الغربي للعالم العربي. هذه المناطق تتوفر على مناخ معين: حضور الشمس فيها من الناحية الكمية أكثر من حضورها في أوروبا وغيرها في المناطق التي نما فيها الفن التشكيلي، فاللون موجود بكثرة في المناطق العربية والأفريقية، وشعوب هذه المناطق كانت دائما تعبر عن شعورها وأفكارها الإستيتكية باللون وبالشكل، ولا تعبر برسم الشخص أو الحيوان، بحيث إن الفن التشخيصي لم يكن له ازدهار. ويضيف قائلا: للحرص على الانسجام مع هذه الفلسفة، وهذا الكيان الثقافي، اخترت السير على هذا المنهج الذي تناوله الكثير من الفنانين الغربيين عند زيارتهم للدول العربية والأفريقية ومنهم: ماتيس، دولاكروا، بيكاسو، بول كلي وغيرهم من الفنانين الذين عاشوا في مناخ فيه حضور أقل للشمس، فانبهروا بالضوء والألوان في مناطقنا.
ويلاحظ أن الفن في المغرب مرتبط بالأشياء المستعملة في الحياة اليومية: الزرابي، الخشب، الخزف… في حين أن اللوحة لم تكن موجودة ولا الإطار كقطعة للتأثيث والتزيين. الآن، من خلال التواصل مع العالم الغربي واستعمال الكماليات التي جاءت مع التكنولوجيا الحديثة، لم تعد هناك حدود ثقافية ومعرفية بين الأمم، مما سيقودنا إلى ثقافة عالمية موحدة.
إلى حدود 1995 كان المليحي ينجز أعماله بوسائل تقنية وصناعية، استعانة بمساعد أو مساعدين، لأنه كان يصعب إنجاز تلك الأعمال انفراديا، إذ تحتاج المسألة إلى تحضير وتقطيع للمواد وتجزيء وتنظيف. هذه المرحلة استغرقت حوالي 20 سنة. بعد ذلك، رجع إلى الطريقة التقليدية، أي استعمال الفرشاة ومزج الألوان والرسم على القماش، من دون أن يغيّر الموضوع كثيرا، فالمواضيع تتشابه في ما بينها، ويجمعها تقارب وتواصل واستمرارية.
التربية البصرية
كان المليحي يدعو باستمرار إلى تكريس “تربية بصرية” في المغرب، من منطلق اقتناعه بأن الفن علم له أسس وقواعد وقوانين. لتقرأ ما هو مقدم لك. ومن لا يتوفر عليها يصعب عليه الفهم. قد يستنتج بعض الأفكار إذا كان مجتهدا، ولكن إذا كان متفرجا كسولا مستعدا للتلقي بدون إعمال المجهود فلن يتأتى له ذلك. هناك من يشاهد التلفزيون ولا يتعلم منه، وهناك من يشاهده ويبدأ في التعلم شيئا فشيئا كيفية إنجاز الأعمال الفنية وأداء الممثلين والإخراج، التعلم مفتوح لكل واحد من خلال الصحف ووسائل الإعلام المختلفة والكتب والمتاحف. وليس بالفطرة وحدها يتحقق التعلم والتدريب.
وعلى الرغم من كون محمد المليحي ابن أصيلة، المدينة الواقعة بجوار البحر شمال المغرب، فإن استقراره لسنين عديدة في مدينة مراكش الواقعة جنوب المغرب في مناخ حار صيفا، ميز لوحاته بميزة خاصة. يوضح بهذا الخصوص: الناس يحسبونني دائما على مدينة أصيلة؛ والحال أن أعمالي التي كانت لها علاقة بهذه المدينة قليلة جدا، في حين أن كثيرا من أعمالي ذات ارتباط بفضاء مراكش، ولدي لوحة تحمل اسم مراكش تحتوي على علامات زخرفية وألوان توجد بهذه المدينة. الطريف في الأمر أنني لم يسبق لي أن أنجزت أعمالا مهمة في أصيلة. إنها بالنسبة لي فضاء للاصطياف وكذا للإشراف على موسمها الثقافي، ولكن أصيلة مرتبطة بوجداني ولا وعيي، ويمكن للمرء أن يبحث عن علاقة ما بين أصيلة وعملي وليس بينها وبين شخصي.
والمتأمل في أعمال المليحي يلاحظ أنها تحمل بصمة شبه دائمة، بحيث إنه لا يحتاج البحث عن التوقيع ليتعرف إليها ويعرف مبدعها، فلكل واحد أسلوبه وبه يُعرف ولا يمكن أن يُقلّد. تكرار العلامات والبصمات نفسها استرعى انتباه النقاد والمهتمين، مما جعل محمد المليحي يتساءل مستغربا في حوار أجريناه معه في “القدس العربي” عام 1998: لماذا لا تؤاخذون على الكتاب كونهم يستمرون في نمط واحد؟ من حق الفنان كذلك أن يحتفظ بخاصية معينة تشكل ميزة أسلوبه. لا معنى أن يقال لي: لماذا تستعمل فقط الأمواج؟ إنك تقرأ شعر بلند الحيدري فتجده مختلفا عن شعر أدونيس، لكل قالبه وكذلك التشكيليون.