بيير غارنييه في «بربيتيوم متحرك»

ترجمة: منصف الوهايبي
حجم الخط
1

كان بيير غارنييه (1928 ـ 2014) مع زوجته إلسا، أحد كبار مؤسسي الشعرية المكانية حيث يسعى في جل قصائده إلى إضفاء أبعاد المكان على الأشياء، وجعلها تطابق شروط الحيز؛ أو ما يمكن تسميته «الشعر الواقعي» على قلق هذا النعت، إذ المقصود شعرية الأشياء العينية المحسوسة الملموسة؛ وليس الإيهام بالواقع، كما قد يتبادر إلى الذهن، أو اتخاذه مرجعا شعريا. على أنه في كتابه «بربيتيوم متحرك» الذي أعيد طبعه حديثا، بعد أن نفدت طبعة 1968 يعود إلى شكل كان أثيرا لديه هو الشعر الموجز؛ ومنه تخيرت هذه القصائد التي تبدو أشبه بلمسات الرسام وطريقته في رسم اللون المقصود على اللوحة. وقد احتفظت بالكلمة الأجنبية «بربيتيوم» التي تعني في أصلها اللاتيني الحركة الدائبة التي لا تنقطع، كما هو الشأن في القطعة الموسيقية، التي يمكن أن تتكرر إلى ما لا نهاية له.
وثمة آثار فنية وأدبية وسمها أصحابها بهذا العنوان، مثل قصة لأنطوان تشيكوف. يقول غارنييه في تقديم كتابه، وهو يشرح أسلوبه ورؤيته الشعرية: «يبين هذا الكتاب مدى تأثير الحيزية في شعري، وفعلا لا يتعلق الأمر هذه المرة، بقصائد بصرية أو سمعية؛ وإنما بقصائد موجزة، مصنوعة أحيانا من بضع كلمات. وهي تأخذ بأيدينا في حركة دائبة على ممر الحياة المُشاهدة المألوفة المستنطقة، المَقولة بطريقة موضوعية أكثر ما يمكن. وهذه النصوص تنتظم في تيار يمضي قدما من صفحة إلى أخرى، وهي تتعلق بلمسات وتدوينات (ترقيمات) أكثر منها إظهارات، وبأصداء(وظلال) وحركات تحمل في أعقابها العالم والحيوانات والنباتات، وذكريات الطفولة والمراهقة؛ وتحولها شعرا. إن هذه القصائد التي يرجع اقتصادها اللغوي إلى تأثير الشعر الملموس، هي في جلها مواجهة بين فكرتين أو صورتين تثيران في القارئ الوميض الشعري، ولا تنزع أي شيء من السر الذي يطفو. وطوال الشريط الشعري، تجري مساءلة اللغات وأشعارها، غامضة: أي علاقات تعقدها القصيدة مع العالم ومع الناس؟ لعل الجواب في هذه الحركة التي تتعاود بلا انقطاع، وتتمدد في هذا البيربيتيوم المتحرك».

رَهْوٌ (ساكن) جدا هو الموت/ في مدّ البحر
أو لا يشبه القمر شعرنا/ المضيء جدا/شعرنا الذي شبع موتا
القصيدة/ هل أنا خيال الظل الصيني/ ذاك الذي يقوم بحركات دقيقة خلف الستارة؟
عبر ملايين موتاها/تواصل هذه الممالك تسربها
بعد قرون عدة، نجدهم في المكان نفسه في الجغرافيات/ غير أن الأشجار تهتم بهم قليلا/ تلك التي تواصل نموها/ عبر هذه الممالك/ وعبر ملايين موتاها
الطائر/ يستنفد قواه/ طائرا/ ثم صيحات في السماء
ثمة سلالم متمددة (مائلة)/ الملائكة تحلق مرفرفة في السماء/ ويعقوب يقاتل/ بمنجل مقصوف الجناح/ شمسا من القش، حادة/ فيما الأرض تدور سوداء
بماذا أجيب/ مصيري/ أيتها العظام الحجار، أيتها العروق الغبار؟
أعرف كيف لا يزال الكل يطير/ وقد قصف الجناحان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية